الاتحاد

دنيا

استطلاعات وسائل الإعلام للتعبير أم للتضليل؟


د· نصر الدين لعياضي :
قد يجيب أحدكم على السؤال اليتيم الذي تطرحه هذه القناة التلفزيونية أو تلك، في نهاية بث برنامجها التلفزيوني ليبدي رأيه فيما شاهده، وقد يكتب للصحيفة للإجابة على السؤال اليومي الذي تطرحه على قرائها، أو يرسل رسالة قصيرة ليصوت لصالح ممثله المفضل أو مغنيته المحبوبة أو نجمه الرياضي، في المسابقة التي تنظمها بعض القنوات التلفزيونية ومحطات الإذاعة، والمتعلقة بأحسن ممثل أو مطرب أو رياضي· قد يفعل كل هذا من باب التسلية ومغالبة الملل، أو بحكم العادة، أو للتعبير فعلا عن رأيه· لكن نادرا ما يتساءل المرء عن السبب الذي يدفع وسائل الإعلام إلى الإدمان على طرح الأسئلة على جمهورها في محاولة لمعرفة رأيه حول هذا الأمر أو ذاك· هل ينم هذا الإدمان على رغبتها في تجسيد مبدأ التفاعلية لتقترب، أكثر، من جمهورها ؟ هل تسعى وسائل الإعلام من وراء استطلاع الرأي لإعطاء مشروعية 'جماهيرية' لما تنشره أو تبثه و'تصيغ'، بالتالي، رأياً عاماً وفق ما تريد وتشتهي؟ وهل تسهم نتائج استطلاع الرأي الذي تنشره وسائل الإعلام في إرساء 'الديمقراطية الإعلامية' في المجتمع؟
قبل الإجابة على هذه الأسئلة يمكن الإشارة إلى أن وسائل الإعلام المختلفة في العالم أصبحت تتسابق لنشر عمليات استطلاع الآراء إلى درجة أن البعض اعتبرها موضة تميز الصحف ومحطات الإذاعة وقنوات التلفزيون المعاصرة، التي تستعين بكل السبل الممكنة لمعرفة رأي الطرف الآخر: المكالمات الهاتفية، الرسائل القصيرة، البريد الالكتروني، ملء استمارة الاستبيان المنشورة في القصاصات الصحفية وإرجاعها إلى قاعة التحرير·
تتناول عمليات استطلاع آراء الجمهور التي تقوم بها وسائل الإعلام المختلفة العديد من المواضيع، بدءاً من أحسن ممثل ومغني إلى أحسن لاعب كرة قدم أو أفضل رياضي في الموسم، إلى أفضل أغنية، إلى أحسن تغطية إعلامية، وصولاً إلى المواضيع السياسية (مثل مستقبل الأسلحة النووية في العالم، وتأثير أسعار الطاقة على العلاقات الدولية) وحتى الفلسفية المعقدة: الموت، والخلود، والضمير·
يعتبر البعض أن عمليات سبر الآراء التي تنشرها وسائل الإعلام مرآة ينظر المجتمع من خلالها لذاته· فهي المعبر عن دواخل الرأي العام وتوجهاته· ويراها البعض الآخر عبارة عن تقنية غير محايدة تستخدم لصياغة رأي عام غير موجود أصلاً في الواقع حول قضايا ليست بالضرورة حيوية أو أنها لا تملك كلها الأهمية التي يعتقدها البعض· لقد برهنت الكثير من البحوث العلمية على أن ما تسميه وسائل الإعلام المختلفة بعملية استطلاع الرأي أو دراسة الآراء لا تملك أية صلة بالعلم، وتوجد فجوة كبرى بين النتائج التي توصلت إليها ونتائج بعض البحوث العلمية التي تناولت المواضيع ذاتها واشتركت مع وسائل الإعلام في طرح الأسئلة ذاتها·
ما هي المآخذ التي تؤخذ على عمليات استطلاع الرأي التي تقوم بها وسائل الإعلام المختلفة؟ أو ما هي الحجج التي تطعن في النتائج التي تتوصل إليها وتعممها على جمهورها ؟
استسهال
تستسهل وسائل الإعلام عمليات استطلاع الرأي، خاصة بعد أن بدأت تستعين، أكثر، بالمكالمات الهاتفية والرسائل القصيرة والبريد الالكتروني، وبعد أن بدأت تستعين ببرامج الكمبيوتر التي ترصد نتائج الإجابات في وقت قياسي· فقيام هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك بطرح سؤال على جمهورها، ونشره في موقعها الإلكتروني أو تسجيله في الشاشة الصغيرة لا يحتاج إلى مهارات كبرى· لذا أصبحت عملية استطلاع الآراء في وسائل الإعلام، التي اختزلت في سؤال يتيم، أيسر من التفكير في موضوع صحفي وجمع المعلومات عنه من مصادر مختلفة ·
توجد جملة من الاعتبارات التي تطعن في نتائج عمليات استطلاع الآراء التي تقوم بها وسائل الإعلام، يأتي في مقدمتها عدم تمثيل المجتمع المدروس· فالعينة التي تستند إليها الاستطلاعات هي عينة طوعية لا يشارك فيها إلا من يملك الإمكانيات الضرورية والاستعدادات المطلوبة· فشبكة الهاتف لا تغطي كل أقاليم بعض الدول، خاصة النامية· كما أن شبكة الإنترنت ليست في متناول جميع شرائح المجتمع، والكتابة تعد ترفاً بالنسبة لبعض المجتمعات التي تعرف نسبة مرتفعة من الأمية· لهذا تبدو العينة التي تعتمدها وسائل الإعلام في عمليات استطلاع الآراء عينة إقصائية، وغير دقيقة· إن مراكز البحث العلمي تعالج هذا الأمر بتشجيع المقابلات المباشرة (وجهاً لوجه) وتكليف محققين لتدوين إجابة المستجوبين، خاصة الأميين ·
محدودية العينة
تكون نسبة الإجابة عبر الهاتف على أسئلة أو سؤال وسائل الإعلام مرتفعة لدى الأوساط النشيطة أو المتشددة أو التي تملك قناعات راسخة وتريد أن تعلن عنها· أما الذين يملكون رأياً معتدلاً أو المتحفظون في سلوكهم فإنهم لا يكلفون أنفسهم عناء الإجابة، خاصة إذا كانت الإجابة محصورة في خانتين فقط: نعم أو لا، موافق أو غير موافق·
كما أن العينة الطوعية التي تعتمدها وسائل الإعلام في استطلاع آراء الجمهور لا تسمح للقائمين عليها بتدقيق النتائج، والتأكد من عدد المرات التي رد فيها شخص بمفرده أو مجموعة على السؤال المطروح عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني· فالعينة الطوعية تعني، عملياً، أنه من يرغب في الإجابة على السؤال أو الاستبيان فليجب!
إذاً الإجابة التي تقدمها عمليات استطلاع الآراء التي تقوم بها وسائل الإعلام تبدو مجردة وفاقدة للمعنى، لأنها لا تشخص من الذي أجاب عن استبيانها: ما هو مستواه التعليمي والثقافي، وما هو وضعه الاقتصادي الاجتماعي؟ ما هي طبيعة نشاطه المهني؟ وما هو جنسه؟ وما هو سنه ؟ ففي ظل استبعاد هذه المحددات الضرورية التي تعطي أبعاداً ملموسة لإنتاج الرأي تبدو عملية الاستطلاع فعلاً تضليلياً·
إن السؤال أو الأسئلة التي تتضمنها استطلاعات الآراء التي تقوم بها وسائل الإعلام لا تخضع لتقييم مسبق من طرف الخبراء والمختصين· ولا تخضع للفحص القبلي الذي يقتضي توزيع الاستبيان على عينة صغيرة للتأكد من مدى وضوح السؤال واستيعابه من قبل المبحوث· لقد طرحت صحيفة 'لوموند' في طبعتها الصادرة يوم الخميس 6 مارس 2003 السؤال التالي: 'لو تستطيع أن تتحدث لمدة ساعة مع شخصية تاريخية مشهورة تمثل الهوية الأوروبية، فمن تكون؟' هذا السؤال المفتوح الذي لا يحمل أي مؤشر يساعد الجمهور في الإجابة عليه يتضمن لبساً أدى بـ 44% من المستجوبين إلى عدم الإجابة! لأنه يصعب على المستجوَب أن يجمع بين شخصية أوروبية تاريخية مشهورة (أي شخصية سلمت روحها لبارئها) وإمكانية التحدث إليها الآن· لذا نلاحظ أن الإجابة كانت خليطاً من المسؤولين الأوروبيين السابقين والذين لازالوا أحياءً يرزقون، مثل: وزير الخارجية الألماني فيشر، والمستشار الألماني السابق: جيرهارد شرودر، والرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك، والقادة والكتاب الذين قضوا نحبهم، مثل: نابليون بونابرت، وونستون شرشل، والبابا جون بول الثاني، والكاتب الفرنسي فيكتور هيغو···
توجيه الإجابة
لقد برهنت التجارب العلمية أنه يمكن أن نحصل على الإجابة التي نريدها من خلال طريقة صياغة السؤال أو توجيهه الوجهة التي نريد، وحسب خصوصية الجمهور الذي يقبل على الإجابة· فإذا كانت الوسيلة الإعلامية من معارضي عمل المرأة خارج البيت، على سبيل المثال، فيمكن أن تصوغ السؤال الخاص بعمل المرأة بإحدى الطرق التالية: بعد أن تزايدت البطالة في أوساط الشباب نتيجة تزايد عدد النساء العاملات، هل أنت مع عمل المرأة خارج البيت؟ أو بعد تزايد الحوادث المنزلية التي تصيب الأطفال نتيجة غياب الأم عن المنزل، هل تناصر عمل المرأة خارج البيت؟ إن مكر الاستبيان لا يتوقف عند حد صياغة السؤال، وتأويل نتائجه على غرار: نصف الكأس مملوءة أو فارغة، بل يمتد إلى توقيته·
لقد أكدت مختلف البحوث العلمية التي أجريت في مقاطعة الكبيك الكندية على أن سكانها يعارضون تنفيذ إعدام المجرمين، لكن تلفزيون المقاطعة استغل فرصة وقوع جريمة قتل في حق الزوجين بارون بوليو ليلة 4 يوليو ،1996 وهياج السكان وتدافعهم 'للبطش' بالمتهم بالجريمة أمام مبنى قصر العدالة، وطلب من مشاهديه إبداء رأيهم حول مسألة الحكم بالإعدام، فجاءت النتيجة مذهلة: 92 % عبروا عن تأيدهم لإعدام المجرمين!
تلجأ مختلف وسائل الإعلام إلى التعبير غير الدقيق على نتائج استطلاع الرأي· فتترجم، عادة، الإجابات بالنسب المئوية لتخفي عدد المشاركين في الاستطلاع وتقوم بتعميم نتائجه، وتطمس الحقيقة التالية: إن النسب المئوية تعكس رأي الذين اتصلوا بالهاتف أو البريد الإلكتروني ولا تعبر عن رأي الجمهور· لقد طرحت القناة الرابعة في التلفزيون الكندي سؤالاً على الجمهور حول إمكانية انتقاله لحضور منافسات الألعاب الأولمبية، فكانت النتيجة أن 66 % من المتصلين عبروا عن رغبتهم في ذلك· ففي نشرة الأخبار المحلية التي بثت يوم 12 يوليو 1996 في السادسة مساءً خاطب المذيع الجمهور قائلاً: ثلثكم سيحضر منافسات الألعاب الأولمبية!
المظهر العلمي
عندما تريد وسائل الإعلام المختلفة أن تعطى مظهراً علمياً لما تقدمه لجمهورها تستعين بآداة تبدو أنها رياضية: إنها عملية استطلاع الآراء· وتستغلها للتهرب من المناقشة الجادة والعميقة للقضايا والمشاكل التي تشغل بال الناس، ولتسد أبواب الحوار· لقد نشرت الصحف الفرنسية خلال عشرين يوماً فقط: من 5 إلى 25 مارس في السنة 1987 حوالي 42 استطلاعاً لآراء الفرنسيين، أي أكثر من استطلاعين كمعدل يومي· تناول 22 منها المسائل المتعلقة بتقييم الآداء السياسي لرئيس الجمهورية في ذلك العهد، فرنسوا متران، ورئيس حكومته جاك شيراك، وبقية الوزراء· وانصرفت بقية الاستطلاعات لمعرفة رأي الفرنسيين حول الشائعات التي راجت عن الممثلة إيزابيل أدجاني، و'الجنس ومرض الإيدز'، والمال' وثورة 1789! وغيرها، لكن في خضم هذا العدد الكبير من الاستطلاعات لم نعثر على استطلاع واحد حول 'سبب البطالة في المجتمع الفرنسي'، و'أهداف وجود المؤسسة الاقتصادية' و'مسببات الفقر في العالم' أو 'أسباب الاستعمار والسيطرة على الشعوب'· إن إسقاط مثل هذه القضايا من مواضيع استطلاعات الرأي تعني سعي وسائل الإعلام لإقصائها من ساحة النقاش العام، واستبعادها من أجندة الاهتمام الشعبي والرسمي·
تبدو وسائل الإعلام الفرنسية أكثر نهماً من بقية الدول الغربية لاستطلاعات الرأي، إذ تنشر أكثر من 500 استطلاع في السنة، وهذا العدد يعد مرتفعاً نسبياً مقارنة بالولايات المتحدة التي تعتبر مهد استطلاعات الرأي· والسبب في ذلك يعود إلى طبيعة النظام السياسي الفرنسي القائم على النظام الرئاسي، والتنافس بين الأحزاب السياسية مما حدا بوسائل الإعلام والناخبين إلى الاهتمام بشعبية الرئيس والوزراء· هذا إضافة إلى النزعة التسيسية التي تتسم بها وسائل الإعلام الفرنسية·
نعتقد أن جنوح وسائل الإعلام الغربية المتزايد إلى نشر استطلاعات الرأي تعكس، أيضا، الوهم الذي عشش في الذهنية الغربية التي تمجد الفردانية، وترفع من مكانة الفرد· إنه وهم الشخص القادر على إبداء الرأي أو إنتاجه حول كل القضايا في أي لحظة، وفي كل الظروف، فيكفي أن تسأله فقط ؟ فمهما اتسعت معرفة الشخص تظل محدودة، ويبقى مستوى فهمه للأفعال والظواهر والآراء مرهوناً باطلاعه· فالقليل جداً من البشر في العالم من يستطيع أن يبدي رأيه حول مستقبل الفن التكعيبي في هذا البلد أو ذاك أو في العالم أو حول المدة التي يستغرقها العلم للقضاء على هذا المرض الجيني أو ذاك· فالحقيقة لا توجد بالنسبة للشخص إلا بالحد الذي تجعلها الثقافة متاحة· فوسائل الإعلام المختلفة تحاول أن تزود الجمهور بهذه الثقافة· وبهذا تسعى وسائل الإعلام إلى جعل استطلاعات الرأي صدى لصوتها· لذا يتخيل للبعض بأن وسائل الإعلام تقول لجمهورها، عبر استطلاعات الرأي، ما يلي: حدثني عما حدثك، وسأنقل ما تقوله، وأعيد إنتاجه لأنه يمثل صوتي المكبر·

اقرأ أيضا