الاتحاد

دنيا

صباح عبيد: لا أعمل مع الأقزام

دمشق ـ عمّار أبو عابد:
له ألقاب عديدة، اكتسبها من شخصيات جسدها على الشاشة، وأحبها الجمهور، منها 'الساطور الأحمر'، والغضنفر والباشق، أما هو فيصف نفسه بأنه رجل وفنان غير قابل للهزيمة· وهو يستمر في 'حربه' ضد المزيفين والمتطفلين في الوسط الفني، مقيداً نفسه بشروط صعبة للقيام بأي دور تلفزيوني، ويضع شروطاً إضافية على هوية المخرج الذي سيعمل معه·
إنه الفنان النجم صباح عبيد الذي 'يتمترس' في نقابة الفنانين بشارع بغداد في دمشق، راصداً حركة الدراما التلفزيونية السورية، وما يدور على سطحها ووراء كواليسها·التقيناه في هذا الحوار:
؟ لم نرك على الشاشة في الموسم الدرامي الماضي إلا في عمل واحد، فأين أنت؟ وما الذي يشغلك ؟
؟؟ أنا هنا في نقابة الفنانين أسهرعلى أمور المسلسلات التي ظهرت، وقد شاركت مع المخرج عدنان إبراهيم في مسلسل 'رجاها' كضيف شرف، فقدمت ثلاثين مشهداً في ثلاثين حلقة، وأعتبر أن هذا الدور هو شكل من أشكال التعارف بيني وبين المخرج·
؟ هل يشغلك العمل النقابي عن التمثيل ؟
؟؟ إلى حد ما، فأنا مؤتمن من قبل زملاء وزميلات انتخبوني بشكل ديموقراطي وبعيداً عن كل ما يدور في أروقة أخرى، فنحن في نقابة الفنانين لدينا انتخابات ديموقراطية محضة، لا تتدخل فيها أية جهة، لأننا نشكل نواة مجتمع مدني في النقابة، ولا نقبل أن يتدخل فينا أحد·
؟ ألا تعتبر ذلك نوعاً من التضحية لأن المفترض أن تتواجد في أدوار على الشاشة ؟
؟؟ عرضت علي أدوار في هذا العام، كما لم يعرض عليّ سابقاً، لكني لم أقبل إلا العمل الذي شاركت فيه·
؟ هل السبب لأنك لا تتعامل مع بعض المخرجين وتضع شروطاً صعبة من ناحية النص؟
؟؟ أنا أضع شروطاً صعبة على نفسي، وأطلب من الآخرين احترامها، لأنها تمثل قناعاتي المبدئية، وباستطاعتهم أن يأتوا بغيري! وهناك أحد المخرجين ـ يعتبر نفسه مهماً ـ اعتذرت عن عدم القيام بدور عرضه علي، فأتى بممثل أقصر مني بمتر! فسألته: كيف 'صحّت' معك هذه المسألة ؟ فأجاب: هذه افتراضات، والفن افتراض!
؟ وما الذي تربحه من شروطك الصعبة ؟
؟؟ أربح الكثير، وأنا سعيد بذلك، لأن ربحي يتمثل في هذا الاحترام المتبادل بيني وبين المشاهدين، فالجمهور يقابلني بالكثير من الاحترام أينما ذهبت، وحيث ألتقيه في أية دائرة أو مؤسسة أو بيت أدخله، إلى درجة أن احتفاء الناس يشعرني بالخجل، وهذا الربح الذي أحققه ليس وليد اليوم بل هو ناتج عن رحلة عمر، لذلك فإني أزداد إصراراً على الشروط التي أضعها على نفسي، ولا أعمل مع 'الأقزام'! لأني حرّ ولا أعمل إلاّ مع المخرج الكبير·
هؤلاء أساؤوا للفن
؟ في ضوء كل ما قلته، ما هو الفن الدرامي بالنسبة لك ؟
؟؟ الفن حالة مقدسة، وهو تعبير عن الناس المستلبين، وأنت عندما تتعامل مع شخص مسروق، يجب أن تقدم له تحليلاً حول ما يدور حوله، كي يسعى لانتزاع حقه، فالفن ليس فقط من أجل المتعة والفرجة، وإنما هو حالة وعي أيضاً·
؟ وهل تجد النص الذي ينسجم مع رؤيتك للفن، لا سيما في هذه الأيام ؟
؟؟ أقرأ الآن نصاً مهماً تأليف محمود عبد الكريم، وهو يتحدث عن هذا الزمن بتفاصيل مذهلة، وقد أعجبني، وقبلت دوراً مهماً فيه، وأنت لو قرأت هذا العمل لشعرت أن هذا هو المطلوب، بينما تقرأ عشرات النصوص، وترى عدة مسلسلات، ولا يستوقفك منها أي شيء !
؟ ألم يعجبك أي عمل مما عرض ويعرض الآن على الشاشة الصغيرة ؟
؟؟ أنا أنظر إلى الإنجازات التي نراها على الشاشة الآن، وأرى أن أغلبها بروبوغاندا، وأعتقد أن ما يؤذي الفن أن هناك أشخاصاً كثيرين من تجار'الشنطة' دخلوا إلى الفن، وأساؤوا له·
؟ ماذا أعجبك من الأعمال ؟
؟؟ رأيت عدة أعمال، وأحببت 'نزار قباني'، و'ملوك الطوائف'، وغيرها من الأعمال الدسمة· أما الباقي، فلم أره، ولم أسمع أن غيري اهتم به·
متطفلون على الفن
؟ وما الذي لم يعجبك ؟
؟؟ لم تعجبني بعض الوجوه 'المحروقة' التي رأيتها، وتمنيت ألا أراها، فهم أناس طلعوا من أنوفنا، قرفنا منهم، لأنهم أصبحوا مملين، وغير قادرين على التجدد، وهم إذا فتحنا صنبور الماء نراهم! وإذا غابوا عن التلفزيون مئة سنة لا أحد يسأل عنهم ·
؟ هل تعني أنهم غير موهوبين أو متطفلون على الفن؟
؟؟ إنهم مزيفون، وهم من صناعة زمن الفيديو كليب! وهؤلاء المتطفلون إذا غاب أحدهم لا يقول أحد أين هو ؟ لأنه ليس لهم أي علاقة بالفن، بل هم العصابة 'الشريرة'! التي تسللت إلى الوسط الفني، وتحاول أن تحكم الحصار عليه!·
؟ لكن هؤلاء في الواجهة الآن، وهناك أعمال جيدة ظهروا فيها، فهل تعتبر أنهم لم يقدموا شيئاً للفن؟
؟؟ طبعاً، لا يخلو الأمر من أن هناك فنانين حقيقيين بين هؤلاء، وأنا لا أستطيع أن أتجاهل ذلك أو ألغيه، فهناك فنانون حقيقيون، وهم رديف للحركة الفنية، وصانعوا مستقبل الفن·
؟ هناك من يصف الحالة القائمة بأنها تعبير عن صراع الأجيال، فماذا تقول ؟
؟؟ في كل عام يتخرج من المعهد العالي للفنون المسرحية كذا شاباً وشابة، وبهم تتجدد الحياة، لكن هؤلاء هنا اليوم، وغداً ربما لن يكونوا هنا! فهناك سلاح التقادم، وهناك من جيل الشباب من يتنكر للجيل الأول، وهو يتصور أن بإمكانه إلغاء الجيل الأقدم، دون أن يعي أو يدرك أن الدراما لعبة جماعية تكتمل بالآخر، وتحتاج إلى الكبير والصغير والعجوز والشاب والطفل·
انقلب السحر!
؟ 'ولقبت 'بالغضنفر'عندما أديت دوره، والباشق عندما قدمت شخصيته، فمن الذي يلبس الآخر أنت أم الشخصية التي تجسدها ؟
؟؟ عندما أقبل أي عمل، فإني أحترمه إلى النهاية بالكامل، وأحترم الشخصية التي أقدمها، وأبذل كل طاقتي لأصل إلى أدق تفاصيلها، لأنني أفترض أن المشاهد ذكي جداً، وعلي أن أقنعه كي أنجح· وعندما تكون معبأ تماماً من الداخل، وتفهم الزمن والشخصية التي تقدمها بشكل عميق، فلابد أن يظهر ذلك أثناء الآداء· ولهذا فإن الجمهور أحب عدة شخصيات قدمتها، ولقبني بأسمائها، وهذا مدعاة فخر بالنسبة لي·
دريد لم يكتشف بعد !
؟ عملت مع الفنان دريد لحام في 'وادي المسك' وكنت سعيداً، ثم عملت في 'إمبراطورية غوار' ثم ندمت، فلماذا ؟
؟؟ أريد أن أقول أولاً عندما أعمل مع الكبار مثل دريد لحام، فإني أكبر بهم، وأعتقد ثانياً أن الفنان الكبير دريد لحام لم يقدم حتى الآن كل ما عنده، ولا يزال يختزن موهبة وطاقات كبيرة لم تستثمر بعد، لأن أحداً لم يستطع أن يكتشفها·
تجارة الوهم
؟ نجحت كثيراً في الفانتازيا التاريخية، لكنك فيما بعد أعلنت استقالتك منها، لماذا ؟
؟؟ لأنني أرفض تجارة الوهم والانتصارات المزيفة على شاشة التلفزيون، ومازلت مصراً على موقفي، وقد كان 'صراع الأشاوس' خاتمة الأحزان·
؟ كثير من الفنانين لبستهم شخصية فنية واحدة، ولم يستطعوا أن يخلعوها، فلماذا تنجح أنت ويفشل الآخرون ؟
؟؟ الذين يفشلون دخلوا في سرداب التباهي بإنجاز المرة الواحدة، كما هو الحال مع مطرب الأغنية الواحدة الذي قدم أغنية واحدة نجحت، ولم يستطع أن يقدم غيرها، وأنا أقول إن الشخصية يجب أن تلبس الفنان، وألا يلبسها هو! وإنما عليه أن يكون صادقاً فيها إلى النهاية·
؟ كيف يعبر صباح عبيد عن تجربته الفنية بكلمات ؟
؟؟ بعد تجربة فنية امتدت أربعين عاماً، أنظر إلى مسيرتي الفنية بعين الرضا، لأنني لم أمارس إلا قناعاتي، وهذا ما حقق لي حالة من التوازن، فأنا أحب أن أكون أنا وليس الآخر، لذا فأنا منسجم مع نفسي، ومع ما أفعل، وهاجسي أن يصبح الفن السوري عالمياً، كي ينتشر في كل أنحاء المعمورة ·
؟ عندما تتعارض مواقفك كفنان مع ضغوط الحياة اليومية، ماذا تفعل ؟
؟؟ أنحاز للحقيقة والصدق دائماً مهما بلغت قساوة الظروف، لأنني بصراحة فنان غير قابل للهزيمة، ولدي طاقة أشعر أنني قادر بها على مواجهة كل المزيفين·

اقرأ أيضا