الاتحاد

تقارير

ذكرى تجديد مسجد الرشيد

بينما يحتفل المسلمون الكنديون في شهر مايو المقبل، بالذكرى العشرين لتدشين مسجد الرشيد الجديد في فورت إدمونتون بارك، تتركز الأضواء على الدور القيادي للنساء المسلمات في ذلك الحدث التاريخي. وبعد خمسين سنة من انخراطهن بقوة في جهود المساعدة على إتمام بناء أول مسجد في كندا عام 1938، شاركن أيضاً في حملة ترمي لإنقاذه من الهدم. وقد فشلت محاولات عديدة لجمع الأموال في إيجاد موقع جديد للمبنى القديم. وكان هدم مسجد الرشيد تقرر عام 1988. ولم يكن باستطاعة الجالية المسلمة، التي لم تعد لديها أية خيارات، سوى الأمل حينها في معجزة تنقذ المسجد.
وكان فقدان أقدم مسجد في كندا، والمبنى التراثي الذي يضمه، بالنسبة لكثيرين، بمن فيهم كنديون من ديانات أخرى، أمراً غير مقبول. وفوق هذا كان الرشيد أكثر من مجرد مكان للعبادة، بل كان أيضاً قصة كفاح وتأقلم وتكامل لأوائل المسلمين في كندا.
وبينما أعدت الجالية نفسها لتقبّل الأمر المحتوم، تقدمت مجموعة "تيريفيك تويلف"، وهي مجموعة من اثنتي عشرة امرأة ينتمين إلى منظمة جديدة نسبيّاً حينها، هي المجلس الكندي للنساء المسلمات الذي تأسس عام 1982 للإمساك بزمام المبادرة نيابة عن النساء المسلمات، وقادت جهود إنقاذ المسجد.
وبسرعة أطلقت جرأة النساء المسلمات في مواجهة ما فشل فيه قادة الجالية جذوة نشاط واسع النطاق. وفوجئ الإعلام بهذا "التحوّل الغريب"، لأن عضوات مجموعة "تيريفيك تويلف" لم تنطبق عليهن الصور النمطية السائدة في أذهان الغربيين، عن المرأة المسلمة باعتبارها ربة بيت غير معنية بقضايا الشأن العام. ولذا فقد كانت هناك شكوك حول حدود قدرة منظمة نسائية على قيادة ذلك المشروع، ووصف البعض هذه الحركة بالسذاجة، بينما رحّب بعض آخر بها وبنشاطها.
وقد بادرت الناشطات يومها بتشكيل تحالفات مع منظمات كندية ونشطاء من التيار الرئيس ممن يهمهم الحفاظ على المباني القديمة والفريدة، بهدف استغلال نفوذهم، مؤكدات على مساهمة سكان مقاطعة آلبرتا من كافة الديانات في بناء هذا المسجد، والجذور الإسلامية العميقة في الدولة الكندية التي سبقت الاتحاد الكندي عام 1867.
وقد تكللت جهود المجموعة بالنجاح في النهاية. وتم جمع الأموال، وأقرت سلطات المحافظة على المباني بأن المسجد، كموقع تاريخي، له قيمة تراثية، ولذا فإنه يستحق مكاناً في متحف التاريخ الكندي. وفي عام 1992، افتتح مسجد الرشيد الجديد، بعد أن تم ترميمه بحسب المعايير الدقيقة الموضوعة للمباني التراثية وإعادته إلى حالته السابقة عام 1938، وفتحت أبوابه للجمهور في فورت إدمونتون بارك، وسط تقدير واسع لهؤلاء النساء المتميزات.
واليوم، يشكل المسجد إرثاً حيّاً لجميع الكنديين. فبدلاً من الخضوع لأساليب التفكير القديمة، تحدت النساء القياديات المقتنعات بالتغيير في مجموعة "تيريفيك تويلف" المواقف والتوجهات الماضوية، وألقين جانباً الصور النمطية البالية، وحوّلن الأسلوب الذي ترى السلطات المحلية من خلاله التراث الثقافي لجميع الكنديين إلى أسلوب أكثر تسامحاً وتقدمية.
ولم تكن جهود الحفاظ على مسجد الرشيد قضية خاصة بالمسلمين وحدهم. إذ تعود أهمية المسجد، كمبنى تراثي، إلى جميع الكنديين، الذين اشتركوا في الالتزام لتمرير تراثهم الثقافي إلى الجيل التالي.
وعلى رغم ما قد يبدو عليه الأمر من بساطة، فقد شكل في الواقع قفزة كبيرة في التفكير والتوجه، جعلت المسلمين يرون أنفسهم كجزء لا يتجزأ من المجتمع الأوسع، وجعلت كافة الكنديين الآخرين يعون أن التراث الكندي أوسع وأكثر ثراء وتعددية من أن يكون مجرد عادات وتقاليد وقطع أثرية ذات منشأ أو جذور أوروبية.

داود حمداني
عضو هيئة التدريس في معهد القيادة المسلمة الكندي

ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند" الإخبارية

اقرأ أيضا