الاتحاد

دنيا

دبي تستضيف أرقَّ عجائب الدنيا

دبي - حميد قاسم:
حكاية مغلفة بالاساطير، ومفعمة بالاسرار الغريبة والغامضة، اسرار تتباين من الحب ورومانسيته المعهودة - وحتى غير المعهودة - والرّقة، إلى القسوة والعنف··· هذا ما يتراءى لكل من يتوقف، ولو قليلاً، أمام (تاج محل) وحكايته الموغلة في الغرابة، والرقة، والوفاء، وعذابات الألوف من البناة الذين تركوا روائح اجسادهم، وانفاسهم، وبصمات أيديهم المعروقة على ملمس ذلك الرخام الأملس الناعم، وهو يتضوع بالضوء والسكينة على مشارف قرية (أجرا) التي شهدت أول لبنة في الحكاية - والبناء - قبل أكثر من ثلاثمائة وخمسين عاماً·
غير أن مدينة مثل (دبي) تستعيد - من الحكاية كلها - الألق فحسب، بعد أن اخذ الماضي معه حكايات العذابات والآلام والأحزان، فهي العارفة بأسرار المدن ومسرّاتها، وهي الخبيرة بابتكار الفرح والبهجة، فهي اليوم، إذ استعادت الحكاية، بهذا البناء الذي يحاكي (تاج محل) القائم في (أجرا) الهندية، إنما ترمم اجزاء الحكاية جزءاً بعد آخر، وتعيد رواية الاسرار على أرض القرية العالمية، بعطرها الفاغم، بجمالياتها، بمعمارها، وبتلك الغلالة الشفيفة من قصص الحب الرومانسية التي كان تجسدها الأبهى في قصة الحب المغولية، الملوكية تلك، فتعالوا معنا لنتعرف ثانيةً على حكاية شاه جيهان وممتاز محل·
من أول الحكاية
تشير المروّيات إلى أن الامبراطور شاه جيهان (الذي يتحدر من سلالة الاباطرة المغول الذين أسسوا امبراطورية راسخة في الهند لم تتقوض إلا بمجيء الاحتلال البريطاني) قد شيد هذا المبنى الضخم رمزاً لحكاية حبّه لزوجته الراحلة ممتاز محل ووفاءً لها بعد وفاتها، حيث حزن عليها حزناً شديداً، قرر معه أن يقيم لها أجمل ضريح يمكن أن يشاهده إنسان··· وعلى هذا، استدعى شاه جيهان أبرز المهندسين المعماريين من كافة انحاء العالم الإسلامي: من أرجاء الهند ومن بلاد فارس ومن تركيا ومن البلاد العربية وسواها ليتعاونوا معاً في وضع تصميم مميز لهذا المبنى المقترح الذي كان فكرةً في الذهن وشعلة في القلب·· ولذا فقد جاء التصميم خلاصة لفن المعمار الإسلامي بمدارسه المختلفة وبيئاته المتعددة، ومن هنا، ابتدأت مرحلة أخرى من مراحل هذه الحكاية، مرحلة تواصلت على مدى 23 عاماً، هي مرحلة تشييد هذا الصرح المعماري، والروحي العميق·
وتتناقل الحكايات قصص الحب الكبير الذي ربط شاه جيهان بوثاقه المقدس، مع زوجته ممتاز محل، التي قاسمته هموم الحكم والدولة واعباءها العديدة، وكانت مثالاً للإخلاص والوفاء، فضلاً عن ستة من الأولاد كانوا ثمرة تلك العلاقة الزوجية الفريدة، ومن ثم وفاتها العام 1630 وحزنه الشديد عليها، وحبه الذي حدا به للتفكير بتشييد هذا الصرح الجميل، ومن ثم وصيته بأن يدفن بعد وفاته إلى جوار زوجته، ليكونا معاً في الحياة والممات، ومن هنا ابتدأ مسار آخر في الحكاية، وتواصل على مدى 23 عاماً، كتبه حشد من العاملين، وسطروه بعرقهم وكدّهم·· وحتى دمائهم···!
جزاء سنمار··· أيضاً!
تقول احدى الحكايات المحيطة بأسرار بناء (تاج محل)، ان الامبراطور شاه جيهان عقد العزم على الحيلولة دون أن ينسخ أي ملك آخر هذا العمل الفني البديع، الذي يعده (منجزه الشخصي) فضلاً عن كونه (رمز) محبته العميقة ووفائه لزوجته الراحلة، فقام بقطع ايدي عدد من كبار الحرفيين المهرة، لكي لا يكرروا مرة أخرى صنيعهم الإبداعي لامبراطور أو ملك آخر···!
وبعيداً عن هذه الحكاية (القاسية) فالتفاصيل تشير إلى أن عدد بناة الضريح تجاوز نحو عشرين ألف عامل ممن تفرغوا لبناء (تاج محل) في تلك القرية الصغيرة - حينذاك - القائمة على مقربة من نيودلهي الحالية، فضلاً عن اسطول من الفيلة بلغ عددها ألف فيل كانت تقوم بنقل مواد البناء التي يتم احضارها من جميع انحاء الهند الشاسعة ومن بلدان أخرى، فقد أحضروا الرخام من مقالع الحجارة في باكرانا بولاية راجستان الصحراوية الهندية، والاحجار الكريمة بلونها الفيروزي الازرق من منطقة التبت، كما احضروا اليشب من الصين، واللازورد والياقوت الازرق من سيلان، والحجارة البيضاء من مصر وشبه الجزيرة العربية· يبلغ ارتفاع المبنى حوالي 61 متراً من الرخام الابيض، وقد كتبت عليه آيات من القرآن الكريم باللون الاسود، وتم ترصيع وتزيين جدران المبنى بالاحجار الكريمة والعقيق واحجار الفيروز، في تنسيق رائع يبهر الابصار ويأخذ بمجامع القلوب، فيما تحيط بالضريح من جوانبه كلها مجموعة من القباب متباينة الاحجام، غير المتصلة، والتي يبلغ ارتفاع اكبرها 41 متراً، فضلاً عن حديقة كبيرة تعد قمة في التخطيط والتصميم الجمالي بما تضم من نوافير مبهرة واشجار جلبت من شتى انحاء العالم·
الأبوّة··· والمُلك
ويبدو أن الجانب المأساوي في الحكاية، قد لحق بشاه جيهان كذلك··· حيث يُروى انه ما ان انتهت أعمال بناء تاج محل، حتى قام ابن شاه جيهان بخلعه عن العرش ليودعه السجن على مبعدة بضعة كيلومترات عن قصره الملكي (الأحمر القوي) الذي كان يطل من احدى شرفاته ليراقب بناء ضريح وفائه الاسطوري، باستخدام مرآة صغيرة معلقة في الشرفة، وهكذا لبث شاه جيهان في محبسه، ولم يشفع له حبه لوالدة الامبراطور الجديد، مثلما لم تشفع له صلة (الأبوة) به، امام مغريات العرش الامبراطوري وسطوته ومهابته، حتى حان أجله، ودفن إلى جانب زوجته ممتاز محل···!
وقد اكتشف علماء الآثار في وقت قريب العديد من اسماء العمال التي حفرت - خفية وعلى عجل كما يبدو - على بلاطات من الحجر الرملي عُلقّت في احد جدران المبنى، حيث عثر فريق من خبراء معهد المسح الأثري الهندي لأول مرة على اسماء أكثر من 671 من العمال البنّائين، وكان ذلك الاكتشاف بالمصادفة المحضة، وغالبية الاسماء مكتوبة باللغتين العربية والفارسية فضلاً عن اسماء قليلة نقشت بلغة الدفاناجري الهندية، ونقوش تمثل ازهاراً واسماكاً وزخارف هندسية وجدت في جدار يطل على نهر يامونا الموحل، وهي نقوش تشير إلى أنها تعود لبنائين أميين اضطروا لاستخدام الرموز كعلامة على هويتهم·
استعادة سحر الماضي
لأن دبي سباقة دائماً لتقديم كل ما هو طريف ومبتكر، فقد استعادت هذه المرة سحر الماضي ممثلاً في هذه الاعجوبة الفريدة من عجائب الدنيا السبع، واستعادت هذه الحكاية (معنىً ومبنىً) كما يقال، ولذا فإن زوار القرية العالمية - من اليوم فصاعداً - ستمتلكهم الدهشة وهم يواجهون هذه (الاستعادة) المتقنة التي تحتل مساحة 400 ألف قدم مربع بحيث توازي بحجمها الكلي نحو 75 بالمئة من حجم النصب الاصلي القائم في منطقة أجرا الهندية، حيث شارك في بناء هذا النصب الجديد حوالي 600 شخص واصلوا العمل على مدى ثلاثة اشهر، ومن ضمنهم 270 حرفياً تم استقدامهم من الهند بعد وقوفهم على أدق تفاصيل الزخارف والنقوش ونقلها إلى النسخة الجديدة التي بلغت تكاليفها حوالى عشرة ملايين درهم إماراتي· وتتوقع الجهة المسؤولة عن اقامة هذا الصرح في دبي أن يجذب المبنى عدداً كبيراً من الزوار وان يكون أحد أبرز الوجهات في القرية العالمية التي يتوقع ان يبلغ عدد روادها اربعة ملايين زائر·

اقرأ أيضا