الاتحاد

دنيا

حكايات واقعية لمدينة متخيلة

د· رسول محمَّد رسول:
في نهاية ستينيات القرن الماضي ومطلع السبعينيات فيه، أخذ القاص والروائي العراقي جهاد مجيد يكتب نصوصاً قصصية قصيرة في الصحافة العراقية، وفي بعض المجلات الأدبية التي كانت تصدر في بغداد حينها·· وفي عام 1972 صدرت له في بغداد مجموعة قصصية مشتركة كان عنوانها 'الشمس في الجهة اليسرى'· وبعد عامين صدرت روايته 'الهشيم'· فيما أصدر في مرحلة الثمانينيات مجموعتين قصصيتين، كانت الأولى في عام 1988 بعنوان 'الشركاء'· أما الثانية فكانت في عام 1989 بعنوان 'الرغبة السامية'· وبعد ذلك أخذ جهاد مجيد يكتب نصاً روائياً على حلقات في مجلة 'الأقلام' العراقية بين عامي 1988 ـ 1993 بعنوان 'حكايات دومة الجندل'، ومؤخراً صدرت نصوص تلك الحكايات في رواية تحمل العنوان ذاته·
الخروج على التجنيس
دومة الجندل: هي مدينة متخيلة، لكنها كانت واقعية من حيث توظيف جملة من التسميات المكانية والتواريخ الزمانية، فضلاً عن الأحداث التي وردت في سردية الرواية· ويبدو لقارئ هذا النص أنه بإزاء رواية تاريخية، وإذا ما قلب المعادلة سيجد نفسه بإزاء نص روائي متخيل كما لو كان رواية من الروايات التي نقرأها· إلا أن هذه التصنيفات التجنيسية لا يبدو أن لها محلاً حقلياً فعلياً؛ فالنص في سرديته يخرج عليها نحو جنس أدبي آخر ولا أُسميه جديداً حتى لا نحصر النص في غير ما يُريد، هو نفسهُ، تصنيف أنطولوجيته·
الملاحظ، على مسألة تسمية هذا النص، أنه حتى كاتبه، القاص جهاد مجيد، ما وضع النص في حقلية محدَّدة، فقد قال في أيلول 2005 عن نصه: 'إنها تجربة في إيهامية المكان السردي، وفيها زوايا نظر يحلق بها التخيُّل ويحط ليبنيها'· وهذا يعني أن هذه التجربة كنص تحمل بين مطاويها إمكانية القراءة التأويلية بوصفها جنساً أدبياً وبوصفها ممكناً إبداعيا· أما الناقد العراقي جاسم عاصي فقد قال عن هذه الحكايات: بين خصائص المخيلة وخصائص الموروث، يحاول القاص جهاد مجيد، عبر متوالية دومة الجندل، أن يؤسِّس مدينته الواقعة بين المخيلة والواقع التاريخي، لذا فإن التوظيف هنا يتحدَّد على وفق منظورات متعددة يعتمد المصادر والأخبار، ونحن هنا أيضاً أمام حقائق متخيلة ومتخيلات حقيقية تجتمع لتشكِّل خصائص دومة الجندل·
ما هي مدينة 'دومة الجندل'؟
يتحدَّث الراوي عن جدِّه الذي روى الحكايات عن مدينة دومة الجندل، وهي حكايات كان الناس قد استقبلوها بوصفها خرافة حتى أن العائلة التي انتمى إليها ذاك الجد كانت قد أُطلق عليها تسمية عائلة (آل خرافة)، سخريةً بما يُحكى عن تلك المدينة من قبل أفرادها·
ولكن، ما هي مدينة (دومة الجندل)؟ قال الراوي من آل خرافة: تقع مدينة دومة الجندل بعد حدود السراب، فما أن يصل أحدٌ ما حافة الخلاء الأخرى، التي لا يُعرف أين هي بالضبط أو بعد كم من الوقت أو المسافة؛ يرى (دومة الجندل) كمدينة معمرة ومأهولة وشامخة المباني وواسعة الطرق، بيوتها جميلة الطراز، وأسواقها مكتظة بناسها، مليئة بالبضائع من كل صنف، يسودها الأمان والاطمئنان، والناس فيها أتقياء يقيمون الوزن والقسط ولا يبخسون الميزان، يحدون الحد على الآثمين، فقد علمتهم المحن التي عركتهم، والأهوال التي طحنتهم، أنْ يختاروا جادّة الصواب فيجنبوا أنفسهم التعب والعذاب· مدينة أذاقتها الأزمان صنوف الويل والهوان، فاعتبرت بما مرَّ، واستنبطت منه الدروس والعبر، وحفظت كل ذلك في ألواح الزمن، المرئية واللامرئية، تذكرة للمذكرين، وعبرة للناسين والمتناسين· وتلك المدينة ليست خاملة حدَّ السذاجة، ولا عاقلة حدَّ الجُبن مدينة تقع على أعتاب الخلاء في طرفه المجهول، تكلؤها الأزقة المنسقة على جهات شوارعها الواسعة والمعبَّدة بالمرمر، مدينة تقع بين كل المدن القديمة والحديثة، بين نفر والبصرة البتراء، وفيما بين شاذيم والرقة والورقاء، بين سبار وواسط وأبي شهرين والكفل، مر بها نبوخذ نصر وقادته يسوقون أسراهم اليهود إلى بابل، وشُوهد فيها عبد الله بن سبأ ينسج أحابيله ويدس دسائسه قبل أن يغادرها إلى الفسطاط، ومرَّ فيها شبيب الشيباني قبل أن يغرق في نهر طبرستان حين اعتلى فرس مذيانة فأسقطه في النهر· وهي مدينة عسكر فيها جيوش ناصر الدولة الحمداني بصحبة الخليفة الراضي بالله في طريقهما ليطردا غاصب بغداد عبد الله البريدي··
وهكذا، يسترسل الراوي الذي كان يغيب عن مدينة المروي لهم فترة ليعود ويحكي الحكايات عن مدينة (دومة الجندل)، في وصف ما رآه وشاهده وفهم أسراه، ومن ذلك الوصف ما شاهده الراوي الذي تجوَّل في شوارع مدينة الجندل عندما رأى في الساحة المركزية للمدينة لوحة مستطيلة الشكل فضية اللون كتب عليها بيت من الشعر القديم:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقة
وإن خالها تخفى على الناس تعلم
وفي ساحة أخرى، خُطَّ على لوحة أخرى، وبالطرقة نفسها:
صاح: هذي قبورنا، فأين القبور من عهدِ عاد؟
وتنهض في أحد تقاطعات الطرق لوحة كبيرة عالية الارتفاع كتبت عليه أسطر متسلسلة، جاء فيها:
كما لنا عزيمة، لغيرنا مثلها
كما لنا عقيدة، لغيرنا مثلها
كما لنا إرادة، لغيرنا مثلها
فليكن السلام لنا جميعا·
وفي مدخل سوقها الكبير، خُطَّت كلمات (أوتونابشتم) لجلجامش على لوحة تنهض عمودياً، جاء فيها:
هل بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد؟
وهل ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد؟
وهل يقتسم الأخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر؟
وهل تبقى البغضاءُ في الأرض إلى الأبد؟
حضور التاريخ
وكلما تقدَّمنا قليلاً في صفحات الرواية كلما توغلنا أكثر في تفاصيل الحياة فيها، وتحصلنا على ملامحها العمرانية وعاداتها التقليدية التي تعبر عن خصوصيتها المفتوحة على كل الأحداث والمراحل والعصور· ولكن ما ميز هذا العمل أن كاتبه، القاص والروائي جهاد مجيد، استنفر رموزية الذاكرة التاريخية عندما وظف شخصيات تاريخية كثيرة لتوسيع مساحة الجذب التي مارستها مدينة الجندل عبر التاريخ؛ فهذه المدينة مرَّ عليها، إنْ لم تكن استدرجت، الكثير من قادة الحروب والملوك والأمراء والأدباء والمؤرخين والمستشرقين، ووظَّف الروائي أيضا جملة من المصادر التاريخية وما تضمَّنته من وقائع وأحداث وضعها مجيد في تسلسل الأحداث ومجرياتها كما وردت في النص· ومن ذلك أنه ذكر المُستشرق الفرنسي ترنيفيه صاحب كتاب 'رحلتي إلى الشرق'، وذكر المؤرِّخ المفوه الكندي في كتابه 'بلوغ المرام في الكشف عن مصارع الأنام'· وذكر المازوكيين الذين ثاروا على السلطة الشرابية وقوضوها في مدينة الجندل·
وفي وقت كان فيه الراوي سائراً في توصيف تطورات الأحداث في تلك المدينة، خصوصا جوانب الحياة اليومية، وجوانب من حياة القصور واللهو واللعب فيها، انتقل السارد إلى حكاية الأرموي أو ما أسماه بصدّاح دومة الجندل وهو عبد الله بن وصيف بن أبي ذريح الأرموي، سليل الأسرة الأرموية التي عرف أبناؤها بالشعر والأدب والغناء، ومنهم المغني صفي الدين الأرموي صاحب كتاب 'الأدوار' وكتاب 'الرسالة الشرفية'، ومن هذه الشخصية يدخل مجيد إلى عوالم تراثية كما لو كان باحثاً يتوسل المقارنة في كتب التراث بحثاً عن حقائق تاريخية ليس لشيء سوى تأصيل البعد التاريخي في روايته، حتى أنه ختم نص الرواية في فهارس للأعلام والمراجع والأمصار والمواقع·
يمثل هذا النص انعطافاً إبداعياً في تجربة جهاد مجيد الروائية، فهو يحمل قيماً أسلوبية خرجت على سلطة التجنيس الأدبي المعهودة ليس من حيث النوع الأدبي، قصة أم رواية، فقط، إنما من حيث تناص الأزمنة الموظَّف في سردية الأحداث من الناحية التاريخية، ومن حيث توظيف المضامين التاريخية بكل ما تحمل من شخصيات حركية في مجالها السياسي والفني والأدبي، وأيضاً من حيث استنفار ممكنات المتخيل واستثمار ممكنات الواقع·

اقرأ أيضا