الاتحاد

عربي ودولي

3 ملايين لغم استعماري تنغص حياة الجزائريين


الجزائر- حسين محمد:
منذ أيام قليلة فقط انفجر لغم مضاد للأفراد موروث منذ العهد الاستعماري الفرنسي، في منطقة ' النعامة' الحدودية وخلف قتيلا وجريحين·· يحدث هذا بالرغم من أن الجزائر استرجعت استقلالها منذ 43 عاما·
قد يبدو الأمر غريبا، ولكنه الواقع المرير؛ الاستعمار الفرنسي رحل منذ 5 يوليو 1962 ، إلا أنه خلف وراءه أكثر من 11 مليون لغم مضاد للأشخاص مغروسة في أماكن لا يعرف الكثيرَ منها إلا الفرنسيون فقط، وفي ظل رفضهم غير المبرر لإمداد السلطات الجزائرية بخرائط انتشارها،لاتزال هذه الألغام تقتل وتسبب إعاقات دائمة إلى حد الساعة وكأن ملايين الشهداء والجرحى ومعطوبي الثورة التحريرية لم يكفوا حتى يضاف إليهم شهداء ومعطوبون جدد طيلة 43 سنة·
وبرغم جهود السلطات الجزائرية للتخلص من هذه التركة البغيضة منذ الاستقلال إلى الآن وبخاصة في المواقع الحدودية المعروفة، إلا أن 3 ملايين لغم لاتزال تهدد الجزائريين إلى اللحظة،وتقض مضاجع سكان المناطق الريفية والمعزولة وبخاصة على الحدود الشرقية مع تونس والحدود الغربية مع المملكة المغربية؛ حيث أن السلطات لاتعرف بالضبط مواقع الألغام المتبقية·
ألغام الإرهابيين
وشهدت الجزائر مؤخرا ندوة دولية عن الألغام المضادة للأفراد، وتزامنت الندوة مع تدمير الجزائر لآخر مخزون لجيشها من الألغام المضادة للأشخاص، التزاما بمعاهدة 'أوتاوا' لعام ،1997 وذلك قبل 6 أشهر من الآجال المحددة للحكومة الجزائرية للتخلص من ألغامها، وقد أشرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بصفته وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة بنفسه على العملية، ولكن مشكلة الجزائريين تكمن تحديدا مع الألغام الفرنسية التي زرعها المستعمرون أثناء الثورة التحريرية (1954 -1962) لمنع المجاهدين من التسلل إلى تونس والمغرب لتوريد الأسلحة· وبعد رحيل الفرنسيين ، أخذت هذه الألغام تنفجر بين الفينة والأخرى لدى اصطدام الجزائريين بها في عمليات الحرث أو الحفر أو الدوس عليها··· وخلفت الألغام 'القليلة' التي انفجرت 590 شهيدا والآلاف من الجرحى والمشوهين والمعطوبين الذين بترت أطرافهم وأصبحت حياتهم جحيما حقيقيا، ومنهم 133 ضحية في ولاية 'النعامة' وحدها بسبب غرس الاستعمار الفرنسي عشرات الآلاف من الألغام عبر شريطها الحدودي الغربي على مسافة 240 كلم بهدف منع تسلل المجاهدين إلى المملكة المغربية، وأغلب الضحايا من مربي المواشي والرعاة والبدو الرحل الذين يتغلغلون في هذه 'المناطق المحرمة' بمواشيهم·
وأثناء تلك الندوة، أكد جمال ولد عباس مدى الخطر المحدق بالجزائريين بسبب انتشار ملايين الألغام الاستعمارية على مستوى الحدود الشرقية والغربية· وذكر ولد عباس أن الجزائر تخلصت منذ عام 1963 إلى غاية 1988 من 8 ملايين لغم مضاد للأفراد من بين 11 مليون لغم تم اكتشافها، وندد برفض السلطات الفرنسية تقديم خريطة بشأن انتشار هذه الألغام لنظيرتها الجزائرية·
وفي نفس الإطار تواجه الجزائر أيضا خطر الألغام التي زرعها الإرهابيون في عدد من المناطق النائية، مما منع المواطنين النازحين من العودة إلى مناطقهم الأصلية،والمشكل المطروح أيضا أن السلطات لا تعرف بدقة كل مواقع انتشار الألغام التي زرعها الإرهابيون، ويفوق عددها 15 ألف لغم·
والواقع أن ألغام الارهابيين لا تكاد تذكر أمام الألغام الفرنسية التي تركتها على مساحات جد شاسعة، أشهرها على الحدود الشرقية مع تونس وعلى الحدود الغربية مع المملكة المغربية؛ إذ بنت فرنسا خطين مكهربين هما 'موريس' و'شال' في أغسطس 1956 بهدف عزل الثورة الجزائرية عن محيطها العربي ومنع إمدادها بالسلاح، ويمتد كل خط على مسافة 750 كلم ، ويبلغ عرضهما من 30 إلى 60 مترا، وزود الخطان بحقول للألغام يتسع كل حقل ل50 ألف لغم لا تبعد عن بعضها سوى بـ40 سنتمترا، وهي ألغام مضادة للأفراد والجماعات زرعت وسط الأسلاك الشائكة· وبذلت الجزائر جهودا كبيرة لإزالة هذه الأسلاك وفتح الحدود مع الدول المجاورة وتدمير ملايين الألغام بها، إلا أن مساحات واسعة بالمناطق الحدودية الريفية والمعزولة لا تزال مدفنا غير معروف لملايين أخرى من الألغام إلى حد الساعة·
شهادات حية
'نور الدين عويسي' شاب جزائري من مواليد 1979 ، لا يتجاوز 26 ربيعا، إلا أنه يشعر بأنه في خريف العمر،لأن لغما ملعونا دمر حياته وآماله وأحلامه وتركه يتحسر على ساقه المبتورة التي جعلته بين ليلة وضحاها يتحول إلى معوق حركيا، لا يقوى على المشي إلا بعكازتيه· أبصر نور الدين النور في ولاية 'النعامة' الواقعة على الحدود مع المغرب·
يعود محدثنا بذاكرته إلى الوراء والدموع تملأ عينيه، وقبل أن يخوض في التفاصيل قال :' الذكرى مؤلمة جدا،ولايمكن أن أنساها ما حييت، أسترجع باستمرار تلك الصورة و أنا مرمي على الأرض بعد انفجار لغم من مخلفات الألغام الاستعمارية، كيف أنسى جرحا لم يلتئم؟ وكلما كبرت كبر الجرح معي '··واستطرد:' كان ذلك في يوم الجمعة 11 مايو ··1990 صباح ذلك اليوم كنت ألعب مع أصدقائي الثلاثة، وبما أن المكان الذي كنا نسكن فيه لا توجد به مساحة نلعب فيها الكرة، ذهبنا إلى مكان بعيد لنلعب براحة· وفجأة حمل صديقي 'الراجع لغريسي' شيئا بين يديه، وراح يقلبه محاولا معرفة ما هو، تقدمت نحوه مستفسرا بدوري، وفجأة بدأ يضرب اللغم على صخرة كانت بجانبه، وهو يردد 'لا أعرف ما هذا الشيء'·· تقدمت أكثر نحوه بدافع الفضول، لحظتها انفجر اللغم، وتوفى صديقي الذي تناثرت أشلاؤه، بينما نقلت أنا إلى المستشفى لتلقي العلاج، وبرغم أنهم أنقذوني من الموت إلا أنهم اضطروا لبتر رجلي اليسرى، وكم كان مؤلما وقاسيا عليّ أن أرى نفسي دون رجل ثانية، وكم كان مؤلما أن لا أتمكن بعد ذلك اليوم من لعب كرة القدم مع أصدقائي،وأن أكتفي بمشاهدتهم يلعبون· وبمرور السنين حاولت التأقلم مع الحياة الصعبة، وقمت بتركيب رجل اصطناعية،وأنا أضطر لتغييرها في كل مرة لأسباب قاهرة،خاصة مع نمو بنيتي الجسمية، برغم ظروفي المادية الصعبة ·
'الحاج سفسيفي' ضحية أخرى من ضحايا الألغام، وهو من مواليد سنة 1970 بولاية 'النعامة'· تعرض لانفجار لغم عندما كان عمره ثماني سنوات بقرية اسمها 'تركونت' عندما كان يلعب مع أصدقائه،حيث اكتشف 'الحاج' اللغم وراح يلهو به، غير مدرك لخطورته، قبل أن ينفجر في وجهه فجأة ، وتم نقله مباشرة إلى المستشفى حيث بترت يداه بجراحة·ونظرا لخطورة جراحه، بقي في المستشفى لمدة عامين وثلاثة أشهر دربه الأطباء خلالها على كيفية تلبية ضرورياته· 'الحاج' حاول تحدي الإعاقة وعاد إلى مقاعد الدراسة بعد فترة نقاهة قضاها في المستشفى، ولكنه ما لبث أن ترك المدرسة، لأن الإصابة على حد تعبيره تركت في نفسه جرحا كبيرا، لا يمكن تحمله·
ويؤكد 'خليل لوح' مدير النشاط الاجتماعي بولاية 'النعامة' أن سكان هذه الولاية الحدودية عانوا كثيرا بسبب الألغام، وخصوصا الأطفال والرعاة الذين يقعون دائما ضحايا جهلهم بحقول الألغام، مؤكدا على أن حقول الموت الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، ما زالت حتى اليوم تحصد عشرات الضحايا سنويا، وأبدى تخوفه من ارتفاع حصيلة الضحايا، لأن الأرض ما زالت ملغمة وتشكل خطرا جسيما على السكان، وحتى على أفراد الجيش الوطني الشعبي المكلفين بمهمة الإزالة التدريجية للألغام·

اقرأ أيضا

كاتب أميركي: الدوحة تتجسس على معارضيها بذريعة «حرية الإعلام»