الاتحاد

عربي ودولي

الغرب وإيران·· الملف النووي والخيار العالمي الجديد


ترجمة- يوسف صوالحة:
بقيت قضية حقوق الإنسان هي الشيء الوحيد المعلق في الميزان خصوصا في خضم النزاع الدولي حول الملف النووي الإيراني وإعادة استئناف إيران لبرنامجها النووي الشهر الماضي وتصريحات الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد الخطيرة حيال إسرائيل·
فعندما قامت الولايات المتحدة الأميركية في السبعينيات بتشجيع شاه إيران بالشروع في برنامج إيراني نووي، حيث لم تكن إيران تتمتع باقتصاد مميز، قامت إذن بإيجاد البرنامج الإيراني الحالي وبصورته المعاصرة! ولو قامت بالمقابل بتشجيع الشاه على الاستثمار التجاري والاقتصادي الداخلي والخارجي وحضته على الاعتناء بحقوق الإنسان والإفراج عن المعتقلين السياسيين لكان شهد لها التاريخ بذالك·
فمنذ السبعينيات انضمت الهند وجنوب أفريقيا وكوريا الشمالية وإسرائيل وباكستان إلى مقطورة الدول النووية، غير أن جنوب أفريقيا تخلت عنه في عهد نيلسون مانديلا،والهند تعايش ديمقراطية كبيرة جدا ،وبالنسبة لإسرائيل لم تستخدم السلاح النووي في صراعاتها في فلسطين ومع مصر ولبنان، فتبقى المشكلة في حق كوريا الشمالية وباكستان وإيران، فأما كوريا الشمالية فإن برنامجها ربما يشكل تهديدا بسبب سرّيتّها في سير برنامجها وطبيعة حكومتها التي تسعى دائما للتعتيم على شؤونها الداخلية، وأما عن النووي الباكستاني وهو الأمر الخطير حيث إن جيشها الذي يقود البلاد ويشكل العديد من الإسلاميين نسبة كبيرة منه وهم الذين ساعدوا في إيجاد طالبان وهم كذلك الذين سمحوا للعالم الباكستاني 'عبد القدير خان' بالتعامل دوليا في الشأن النووي تحت غطاء السرية ولفترة طويلة··فالحبل على الجرار كما يقولون·
المغازلة ·· والصد
أما عن برنامج إيران النووي فقد بدأ بالتزايد والتسارع عام 1997 عندما انتخب 'محمد خاتمي' رئيسا لإيران، غير أن العالم انتبه أكثر لذلك البرنامج عام ،2003 ويعزى ذلك إلى سبب رئيس وهو أن السنوات الأولى في حكومة خاتمي شهدت انفتاحا واستقلالية لصوت الإعلام الداخلي، كذلك انتخابات الإصلاحيين عام ،2000 ومع دعم الإصلاحيين للبرنامج النووي لبلادهم فقد كانوا يطالبون بالشفافية كاستجابة لطلب المجتمع الدولي، لكن الولايات المتحدة الأميركية قامت بمقاطعتها عن طريق استعداء إيران ككل· وبينما كان خاتمي يشجع الحوار الفردي مع الولايات المتحدة الأميركية، كانت واشنطن تمنع علماء وأدباء وفنانين إيرانيين من الدخول للأراضي الأميركية، وأثناء الحرب في أفغانستان قام الرئيس بوش بتصنيف إيران ضمن محور الشر، وبعد فوز الإصلاحيين في الانتخابات عام 2000 قامت الإدارة الأميركية بالرد على ذلك عن طريق رفع الحظر عن استيراد السلع الإيرانية غير النفطية والفستق الإيراني التي تدعم الاقتصاد الإيراني، ثم بعدما انكشف في عام 2003 بأن حكومة خاتمي سحقت الإعلام الداخلي والإصلاح في وقت واحد عن طريق سيطرة المتشددين على تلك المناصب انتبه العالم أكثر إلى الملف النووي الإيراني·
لكن ما هي الأجندة المطروحة اليوم حيال إيران؟··يجب على أوروبا أن تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بعيدا عن الخيارات المطروحة وهي الضربة العسكرية وإحالة الملف إلى مجلس الأمن أو فرض عقوبات اقتصادية عليها··فبينما لا يتقبل معظم الإيرانيين نظام الحكم في بلادهم ، فإنهم يتعاطفون جدا مع برنامجهم النووي لما فيه من مصلحة البلاد الاقتصادية، ولما فيه من عزة وأنفة بأن تصبح إيران في مصاف الدول العظمى وخصوصا التي تتميز بالبرنامج النووي·
تفنيد الخيار العسكري
ليس هنالك في الوقت الراهن إلا خياران العسكري أو تحويل الملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، قبالنسبة للخيار الأول: إذا ما وجهت الولايات المتحدة الأميركية ضربة عسكرية إلى إيران فإن هذه الأخيرة والتي تعارض الحركة الديمقراطية الوليدة في البلاد ستتخذ من تلك الضربة ذريعة لتدمير وسحق الحركة الديمقراطية ، كذلك يجب أن يكون في الحسبان بأن الضربة العسكرية الأميركية لن تحقق مآربها بل ستكون ورطة القرن لأن تلك الضربة ستكون بمثابة إيقاظ للأسد النائم المتمثل بالإيرانيين الذين يعتقدون بعقيدة الجهاد والاستشهاد، وخصوصا ضد أميركا التي يرونها تكيل بمكيالين؛ فأما كوريا الشمالية فقد رأوا بأنها أعطتها ضمانات أمنية ومساعدات اقتصادية إذا ما تخلت عن برنامجها كما قامت أميركا كذلك بمساعدة ومساندة الهند في برنامجها، وأما هم فلا يرون إلا العقوبات الاقتصادية والتهديد بالضربة العسكرية··وبالتالي ستجري الرياح الإيرانية على عكس ما تريد الطائرات الأميركية· كما ينبغي أن نعلم بأن إيران ليست العراق؛ فلو قامت أميركا بضرب إيران عسكريا فإن ردة الفعل الإيرانية ستحرق الأخضر واليابس في العديد من الدول المجاورة وستدخل المنطقة في داهية حربية لها أول وليس لها آخر مما قد يؤثر على حلفاء الأميركان·· كما أن لدى إيران صواريخ بالستية يبلغ مداها 2000 كلم وستستعملها ضد كل من يجرؤ على ضربها·
وبالنسبة للخيار الثاني والخاص بإحالة ملف إيران إلى مجلس الأمن لفرض عقوبات اقتصادية عليها- كما اِشار إلى ذلك محمد البرادعي - فإن ذلك لا يكون أمرا مجديا؛ لأن إيران وبكل بساطة ستنسحب كما قالت من اتفاقية حظر الانتشار النووي، وبالتالي سيصبح العالم ويمسي على الرعب من عدم التزام إيران دوليا في برنامجها النووي·
البديل الديمقراطي
هل يعني الكلام السابق بأن الغرب ليس أمامه شيء يفعله حيال إيران المستعصية ·· الجواب: لا، بالفعل هناك حل، فالدول الغربية لا تزال لديها القوة للتوصل إلى تسوية مع إيران طالما أن الزمرة الحاكمة للبلاد تتمنى استمرار إقامة علاقات تجارية مع أوروبا، ولكن بشرط عدم التدخل في شؤونها الداخلية· فماذا على الغرب أن يفعل ؟ تحويل إيران إلى دولة ديمقراطية ثم تركها وشأنها، وذلك لا يكون إلا بالخطوات القليلة التالية:
أولا: على الدول الغربية التي تتمتع بملف حقوقي إنساني نظيف تعيين مراقبين دوليين حقوقيين داخل إيران كي يقدموا للجمعية العمومية في الأمم المتحدة إحصاءا سنويا عن حقوق الإنسان في البلاد ومدى تقدمه أو تأخره وإدانته إذا كان ملتزما التراجع·
ثانيا: يجب على البنك الدولي التوقف عن إعطاء القروض لإيران، وتحويل الأموال إلى المؤسسات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني كي يقوى ساعدها، كما يجب على الغرب أن يدعم الديمقراطية والحرية ودعاتها في إيران ، والمطالبة بكشف قضايا وتهم معتقلي الرأي والحرية، ونشر محاكمتهم للعيان والمجتمع الدولي·
ثالثا: إذا استمرت الزمرة الحاكمة في إيران في انتهاك حقوق الإنسان المتعارف عليها، فإن على الدول الغربية أن تقوم بتقليص علاقاتها الدبلوماسية مع إيران·
رابعا: يجب على دول الاتحاد الأوروبي أن تقوم بخطوات استثمارية واقتصادية بينها وبين إيران، فقط إذا اتخذت إيران خطوات عملية في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنشاء نظام سياسي ديمقراطي·
خامسا: هذا هو الأمر الحساس، وهو بما أن إيران عضو في اتفاقية حظر الانتشار النووي فإن لها ودون منازع الحق دوليا في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية فقط، ولا يجوز لأحد الاعتراض إذا التزمت بذلك، وبشرط تعيين مراقبين دوليين على ذلك الأمر لضمان الأغراض السلمية·
أما عن العرض الروسي الأخير فإنه غير مجد كذلك لأن إيران إذا قامت بتخصيب اليورانيوم في روسيا فإنها ستنسحب من اتفاقية حظر الانتشار النووي،وهذا ما لا تحمد عقباه·
اعتراض·· وجوابه
والسؤال الآن: هل ستكمل إيران قنبلتها النووية وهي تماطل في تلك الخطوات فقط؟ ··الجواب ببساطة يأتي من الاستخبارات الأميركية التي قالت إن أمام إيران من 6 إلى 10 سنوات لتصنع قنبلة نووية، وبالتالي سيأتي الفجر بالطبع قبل شروق الشمس·
إذن يمكن للغرب الآن إقرار إيران على مشروعية تخصيب اليورانيوم فقط تحت رقابة مشرفين من وكالة الطاقة الذرية، ومتلازما مع الخطوات العملية باتجاه الديمقراطية، وبما فيها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الذين يسعون ويدعون لها، وكذلك تحرير الصحافة من قيود الدولة، وإشراك الأحزاب السياسية المختلفة في العملية السياسية··وأخيرا، على الولايات المتحدة الأميركية الدخول في مفاوضات مباشرة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لأنه من الغريب أن لا تدخل أميركا في حوار مباشر مع أقوى دول المنطقة·
وباتباع تلك الوسائل الديمقراطية فإن ذلك سيجعل الحكومة الإيرانية أكثر ديمقراطية ومدعومة أكثر من قبل الشعب الديمقراطي الذي هو بدوره سيشكل ضمانا وحماية لنا أكثر من أي عقوبات اقتصادية أو ضربات عسكرية ما لها أقل بكثير مما عليها على الأطراف المتنازعة والمنطقة ككل··فالحوار والدبلوماسية أفضل حل للبرامج النووية·
عن ··/ هيرالد تريبيون

اقرأ أيضا

رئيس سريلانكا الجديد يؤدي اليمين الدستورية بعد فوز قياسي