الاتحاد

تقارير

مشردو زلزال هايتي: برنامج لإعادة الإيواء

لأكثر من عامين احتشدت نحو ألفي عائلة من هايتي في مخيمات أقيمت على عجل في مكان أُطلق عليه "ماييس جاتي" بضواحي العاصمة "بورت أوبرانس" لإيواء مشردي الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد في 2010. ومع مرور الأيام تحول المخيم إلى منطقة لا تطاق تعيش على وقع المساعدات الخارجية. لكن اليوم يبدو المخيم خالياً إلا من بعض الحاجيات التي فضل السكان التخلي عنها بعد سنتين قضوها في المخيم ينتظرون الحل ويتجرعون المرارة، فبحلول الذكرى الثانية لإقامة المخيم التي تتصادف مع 12 يناير الجاري يبدو أن الجميع تركوا المخيم خالياً إلا من الذكريات السيئة للعائلات التي لا أحد يريد استعادتها، بعدما انتقلت الأسر إلى أحياء داخل المدينة توفر لهم على الأقل الحد الأدنى من الشروط الإنسانية، وذلك في إطار برنامج يرمي إلى إعادة إسكان المشردين يعرف باسم 16/6. والهدف من البرنامج نقل سكان ستة مخيمات تحيط بالعاصمة إلى أحيائهم الأصلية بعد ترتيب ظروف الانتقال، وإعداد المنازل القادرة على استقبال الأسر. وبموجب هذا البرنامج الذي أعلن عنه الرئيس "ميشال مارتلي" في شهر يوليو الماضي، سيتم منح العائلات المستفيدة مبالغ مالية لتأجير بيوت لها في الأحياء التي تختارها، فيما يتم تجهيز الأحياء 16 المتضررة في المدينة لاستقبالهم خلال مرحلة لاحقة. وتشرف على البرنامج الطموح وكالات الأمم المتحدة بشراكة مع الحكومة الوطنية، بالإضافة إلى مجالس المدن المنخرطة هي أيضاً في عملة الإيواء. ولحد الآن تم إخلاء أربعة مخيمات للاجئين في انتظار إخلاء اثنين آخرين على أمل أن تتواصل العملية لتشمل جميع المخيمات.
وفيما يرحب البعض بهذا البرنامج الذي يتيح للعائلات المتضررة الرجوع إلى مساكنها، أو اختيار أخرى تليق بالحياة الكريمة، يرى البعض الآخر أن الحل غير قابل للاستدامة، لاسيما وأن عملية إعداد المنازل لاستقبال العائلات بالكاد بدأت، ناهيك عن الوقت الطويل الذي ستستغرقه عملية بناء المنازل من الصفر. ورغم المشاكل المرتبطة بعملية تشييد المنازل التي تعيقها الصراعات السياسية من جهة والفوضى المحيطة بتدفق الأموال من جهة أخرى، يحافظ مدير المشروع، "كليمونت بيليزير"، على تفاؤله قائلاً بنوع من الحماس: "إنه النموذج الذي نطمح لتمديده إلى باقي المخيمات". لكن مع ذاك تظل بعض المخاوف قائمة، أولاً لأن البرنامج 16/6 لا يستهدف سوى مجموعة صغيرة من العائلات النازحة بحيث لن تسفيد إلا 30 ألف أسرة، فيما العدد الإجمالي للسكان الذين يعيشون في المخيم يتجاوز 500 ألف نسمة موزعين على أكثر من 700 مخيم، وثانياً لا يمكن الاطمئنان إلى استمرار التمويل دون توقف، إذ لم يصل إلى صندوق المشروع سوى 30 مليون دولار، فيما الرقم المطلوب هو 78 مليون دولار. هذا الغموض في عملية التمويل يتفاقم أكثر بعد انتهاء تفويض الصندوق المسؤول عن توزيع المساعدات في شهر أكتوبر الماضي، دون تمديد صلاحياته للاستمرار في عمله بسبب اختلاف الآراء حول ما حققه من إنجازات. كما أن العديد من المراقبين يشككون في الفلسفة من وراء المشروع، والقائمة على إعادة الأهالي إلى بيوتهم الأصلية، في حين تشير التقديرات إلى أن العائلات المشردة مستعدة للانتقال إلى أي مكان في العاصمة لا يكلف كثيراً دون أن تكون بالضرورة أحياؤها الأصلية.
وفي هذا الإطار تقول "نيكول فيليبس"، الباحثة في معهد العدالة والديمقراطية في هايتي، "إن ما أنقذ سكان هايتي حتى في أصعب الظروف هو روح الجماعة السائدة بين الناس، بحيث يساعد الشخص جاره ويتعاطف الناس مع بعضهم بعضاً". لكن هذه العراقيل لم تنل على ما يبدو من عزيمة المنظمات الإنسانية العاملة في هايتي والمشاركة في المشروع، وهو ما تؤكده "إيميت فيتزجيرالد"، العاملة مع المكتب الدولي للهجرة قائلة: "من المهم تلقي العائلات مساعدات مالية شريطة أن يكون ذلك وفق برنامج وخطة مدروسة لإيواء الناس في منازلهم".
غير أن المراقبين، ورغم تشجيعهم للبرنامج، يحذرون من أن نجاحه مرهون بوتيرة بناء المنازل لأنه في حال تأخر البناء لن يكون هناك ما يكفي من البيوت لإيواء العدد الكبير من المشردين المقيمين حالياً في المخيمات. ولا يقتصر تأييد المشروع على العاملين في الميدان الإنساني، بل يمتد إلى المعنيين بالأمر وهم الأهالي والأسر في المخيمات، وهو ما يعبر عنه "جاكي"، أحد سكان المخيمات والأب لثلاثة أطفال، قائلاً: "لا أستطيع الانتظار أكثر للخروج من المخيم الذي قضيت فيه سنتين كانتا الأصعب في حياتي". والآن سيدفع "جاكي" 500 دولار، وهي قيمة الإيجار السنوي لمنزله الجديد بتمويل من بالبرنامج. ولا تُسلم الأموال إلى الأهالي إلا بعد الحصول أولاً على عقد للإيجار مخافة أن يُنفق المال دون الحصول على منزل والبقاء في المخيمات التي يراد إخلاؤها. هذا ويشرف الصليب الأحمر في هايتي على عملية نقل الأهالي إلى الأماكن الجديدة، كما تتلقى الأسر بعد الحصول على الإيجار مبلغ 500 دولار إضافي لبدء نشاط صغير يساعد على تأمين مدخول، أو الخضوع لبرامج تدريبية. وتذكر الباحثة "فيليبس" أن هذا البرنامج هو "على كل حال أفضل من اللجوء إلى العنف لإخلاء المخيمات، وإن كانت العديد من النقاط تظل عالقة، مثل: ماذا بعد انقضاء العام وانتهاء المال؟".

جيوردانو كوسو-هايتي
ينشر بترتيب خاص مع "كريستيان سيانس مونيتور"

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا