الاتحاد

دنيا

اجتماعيون بالنقر

يفصح مرتادو فضاءات إلكترونية عما يعتمل في نفوسهم، ويعرضون مشاكلهم، ويتقاسمون خبراتهم مرفقة بصور وتسجيلات بـ''أريحية'' لافتة تومئ إلى ''انفصام'' في شخصية بعضهم· فهم اجتماعيون على الشبكة؛ يتواصلون ويتجاوبون، فيما هم ''سلبيون'' في محيطهم الحقيقي· وكأن الرقمية قادرة على كسر الانطوائية، وتحفيز البوح· ويستسيغ ''الاجتماعيون الافتراضيون'' اللجوء إلى ''حضن'' الآلة أكثر من أيقونات الحنان ''التقليدية'' كالأم، أو الحبيبة، أو الصديق وهم بذلك يؤسسون لثقافة ''دخيلة'' مفرداتها مستقاة من ثنائية الشاشة ولوحة المفاتيح وما تتيحه· وفيها تستبدل أدوات التواصل الإنساني ''الدافئة'' بأخرى تتكئ على امتلاك مهارة النقر· وهكذا غابت طبقات الصوت، ونظرات العيون، وتعابير الوجه لتحل محلها مجموعة الوجوه الصفراء ''البليدة'' التي تكتسب ملامحها من هلال ينقلب للأعلى ضاحكا، وللأسفل حزينا·
واللافت، أن منهم من يجلجل بآراء تخترق ''تابوهات'' مجتمعية فوق مربع الشاشة، ويدافع عنها بشراسة في مشهدية تقترب من زاوية خطباء ''هايد بارك'' اللندنية· وفي الواقع، هم يتجنبون الخوض في نقاش عائلي حول مكان قضاء إجازة الصيف·
ومقابل ذيوع صيت مواقع إلكترونية تقوم على اقتحام الخصوصية كالـ''فيس بوك''، والـ''ماي سبيس'' تنحسر العلاقات الاجتماعية ويتباطأ نموها· وكأن التخاطب الرقمي يفتح شهية متصفحي تلك المواقع لإقامة علاقات مع آخرين في بقع جغرافية تتجاوز حدود المكان الذي ينتمون إليه، فيما هم يحجمون عن التعاطي مع زملاء العمل والجيران، وربما كانوا من المقصرين بحق ذوي القربى· ولن يظهر الأمر انفصاما لو أنه كان استمرارا لنمط شخصية ثابتة تتصف بالاجتماعية وتنشط بالتواصل مع محيطها بيد أن المفارقة أن رغبة التواصل تنقطع ما أن يغادر الشخص العالم الافتراضي؛ إذ إنه سرعان ما ينكفئ إلى داخله، وينغلق حتى لا يكاد أحد ''الاجتماعيين الافتراضيين'' يلقي السلام على زملاء العمل·
وثمة اختلاق مقصود للعزلة يرتكبه مرتادو المواقع الاجتماعية، وليس من تبرير مقنع لسلوكهم، ولكن يمكن تعليقه على مشجب التحرر من ''قيود الحضور'' التي تتطلب مزاجا معينا، ومراعاة للشكل والمظهر· ويمكن ربطه كذلك بصعوبات التواصل فيستعاض عنها بالتواصل غير المرئي الذي يخفيها ويتجاوزها·

ليلى خليفة

اقرأ أيضا