الاتحاد

تقارير

الاستراتيجية الدفاعية... أميركا ليست بريطانيا!

دون جلسات استماع في الكونجرس، أو موافقة منه، كشف أوباما الأسبوع الماضي النقاب عن استراتيجية جديدة غيرت -من طرف واحد- سياسة دفاعية تبناها الحزبان الرئيسيان في أميركا. وعندما كان الرئيس يشرح تفاصيل استراتيجيته في مقر البنتاجون، بدت بعض العبارات التي كان يستخدمها مألوفة أو لنقل إنه قد تم سماعها من قبل. فمنذ عام أعلنت بريطانيا، القوة العظمى السابقة، عن استقطاعات ضخمة في ميزانية الدفاع أدت إلى تحويل قواتها المسلحة إلى ظل باهت لما كانت عليه في الماضي.
وأنا لا أسعى في هذا التقرير أبداً لانتقاد أصدقائنا البريطانيين الذين يعتبرون من أهم حلفائنا، لأنهم في حقيقة الأمر يبذلون أقصى ما في وسعهم لعمل ما هو في مصلحة مواطنيهم؛ ولكن قد يكون من المفيد لنا للغاية مع ذلك أن نستمع لما قاله قادتهم، كي يبيعوا تلك الاستقطاعات العسكرية لشعبهم. كان التبرير الذي قدمه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون للاستقطاعات واسعة النطاق تلك -التي قلصت حجم القوات الجوية إلى 200 طائرة فقط وقلصت القوات البحرية إلى درجة أن عدد الجنرالات فيها أصبح أكبر من عدد البوارج- كالآتي: "إن ما قمنا به لم يكن الغرض منه خفض النفقات تماشيّاً مع أكبر عجز للميزانية نواجهه في تاريخنا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن الأمر يتعلق في المقام الأول باتخاذ القرارات الصحيحة لحماية أمننا القومي في السنوات القادمة".
وقال كاميرون أيضاً إنه على رغم تلك الاستقطاعات فإن بريطانيا ستظل قادرة على توفير "قوات تعتبر الأكثر عصرية ومرونة واحترافية في العالم". وبعده بعام وترديداً لنفس المعنى تقريباً قال أوباما: "إن قواتنا العسكرية ستظل خفيفة الحركة، مرنة، وعلى استعداد للاضطلاع بكافة أنواع العمليات والتصدي لكافة المواقف والأوضاع الطارئة".
وقد أكد كل من الزعيمين أيضاً على الموازنة بين الإنفاق الداخلي والدفاعي، حيث قال رئيس الوزراء البريطاني إن تلك الاستراتيجية "تعد جزءاً حيويّاً من الطريقة التي تعالج بها بلادنا العجز وتعزز أمنها القومي"، أما أوباما فقد ردد هو أيضاً ذات النبرة: "لقد حان الوقت لاستعادة ذلك التوازن الذي كان قائماً بين البرامج الوطنية".
وفي كلتا الحالتين أكدت المراجعتان الاستراتيجيتان على النقطة الخاصة بالاحتفاظ بالقدرات العسكرية، ولكنهما مرتا مرور الكرام مع ذلك على النقطة الخاصة باسترداد القدرات التي يمكن أن تفقد في هذا السياق. وعلى رغم أن الاثنتين قد دافعتا عن النظرية القائلة بإمكانية تعزيز المصالح الوطنية حتى مع إجراء استقطاعات جذرية في القوات، إلا أن أيّاً منهما لم تشرح الكيفية التي يتم بها ذلك في المستوى العملياتي.
وأنا هنا لست معنيّاً بمساءلة الاستراتيجية البريطانية، ولكن لا يخالجني أي وهم بشأن ضرورة نقد استراتيجيتنا نحن الخاصة. فعلى رغم أن القوة الأقل عدداً والأصغر حجماً، لابد أن تكون أكثر رشاقة، ومرونة، وقدرة على الحركة؛ إلا أن الحقيقة التي لا يمكن أن يختلف عليها اثنان هي أن تقليص حجم قواتنا يقلص في نفس الوقت من قدرتنا على الاستجابة للأزمات غير المنظورة.
فالمدافعون عن تلك الفكرة يدعون أن القوة العسكرية "الأصغر" تعتبر في الآن ذاته مرادفاً لقوة عسكرية "أذكي" وهو ما يعد في رأيي مجرد وهم من الأوهام. فالقوة العسكرية "الأذكي" هي قوة يتم تصميمها خصيصاً للتعامل مع نوعية معينة من التهديدات، بحيث توفر ميزة تفوق نوعي على أي عدو محتمل. أما خوض الحرب بقوة "أصغر" وبالتالي "أذكى" كما يذهب إلى ذلك المدافعون عن تلك الفكرة، فيمكن أن يؤدي إلى خسائر مدمرة كما حدث بالفعل في بداية الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك في بداية الحرب الكورية وبداية الحرب الفيتنامية .
إن القوة "المرنة" و"الرشيقة" هي ما يشبه تلك القوة التي كانت لدينا عام 1991 عندما قمنا بحشد نصف مليون جندي في منطقة الخليج العربي، وتمكنا من تمزيق رابع أكبر جيش في العالم في ذلك الوقت وهو الجيش العراقي، وطرده من الكويت بأقل قدر ممكن من الخسائر في الوقت نفسه الذي حافظنا فيه على حذرنا من قوة كانت لا تزال إلى ذلك الحين -قوية- حتى وإن كانت تبدو عليها بوادر علامات الاحتضار.
وخلاصة القول إن البريطانيين لديهم استراتيجية أمنية فريدة، ولديهم في الوقت نفسه تحديات مالية خاصة بهم، وهم يواجهون تلك التحديات بالطريقة التي يرونها مناسبة لظروفهم. في حين أن من بين أهم المسؤوليات الملقاة على عاتق أي رئيس للولايات المتحدة، مسؤولية المحافظة على نظام عالمي مستقر. إن رخاءنا ذاته يتوقف على الممرات البحرية المفتوحة، وشبكات الإنترنت المتاحة، واستخدام الأقمار الاصطناعية، والفضاء الخارجي. واستراتيجية الرئيس الدفاعية الجديدة يمكن أن تؤدي -في نهاية المطاف- إلى القضاء على الحارس الذي يحافظ على أمن وسلامة أمننا القومي في جميع تلك المجالات.

هوارد بي. ماكيون
رئيس لجنة الخدمات المسلحة في مجلس النواب الأميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس"

اقرأ أيضا