تقارير

الاتحاد

السياحة... أداة التقارب في شمال شرق آسيا

وقفت السائحة الصينية الشابة" لي وينكينج" وس ط الصخب والضجيج الذي يلف منطقة "مايونجونج" التجارية الشهيرة في العاصمة الكورية الجنوبية وهي تتعجب. سبب هذا التعجب، أنها باعتبارها مواطنة في أكثر بلدان العالم اكتظاظا بالسكان، وأقدمها حضارة، لم تر شيئاً يلفت النظر في زحام المنطقة ولا آثارها التاريخية لأنها ببساطة لا تقارن بما في بلدها. ولكن كانت هناك مع ذلك أشياء لا تراها كثيرة في بلدها ومنها على سبيل المثال لا الحصر منتجات العناية بالجلد، التي همست في أذن إحدى رفيقاتها قائلةً: "إنها جيدة جداً ورخيصة الثمن للغاية في ذات الوقت".
في منطقة تحتدم فيها المنافسات السياسية، والحمولات الدبلوماسية، تقدم اليابان وكوريا الجنوبية في الوقت الراهن على اتخاذ خطوة، يقول النقاد إنها تقوم على اعتبارات تجارية بحتة. فالبلدان يفتحان في الوقت الراهن أبوابهما لاستقبال السياح الصينيين، كما يجهزان ماكينات عد النقود في المحال لإحصاء الأموال التي سينفقها هؤلاء السياح. وسعياً لاستقطاب ملايين السياح، والمسافرين الصينيين المتوقعين، ممن ازدهرت أحوالهم في بلادهم، وامتلأت جيوبهم بالمال، وازدادت قدراتهم الشرائية تبعا لذلك، قامت كوريا الجنوبية واليابان بتقديم تسهيلات في إجراءات إصدار التأشيرات، ورفعتا في شهر يوليو الماضي كافة القيود، التي كانت مفروضة في السابق على زيارة مواطني تلك الدولة الشيوعية العريقة لأراضيهما. فكوريا الجنوبية شرهة للسياحة في الوقت الراهن، واليابان كذلك، خصوصا في هذه المرحلة التي يعاني فيها اقتصادها من بطء الحركة، في الوقت الذي واصلت فيه الصين نموها -ولا تزال- وازدادت أوضاعها الاقتصادية متانة، وهو ما انعكس على مستوى معيشة قطاعات كاملة من سكانها ودفعت العديد منهم للتفكير في السفر إلى الخارج للسياحة وقضاء العطلات، بل وربما للتسوق في أحايين كثيرة. وهكذا فإن هاتين الدولتين الأصغر، بدأتا في التطلع باهتمام للسياح القادمين من جارهما العملاق الذي حرصا طويلا على تجنبه، والابتعاد عن دائرة تأثيره.
يقول "جين جونج - هوا" المسؤول الكبير في "وحدة الصين" المنشأة حديثاً في مؤسسة السياحة الكورية:"نحن نعتبر الأقرب للمناطق الساحلية الصينية التي يفترض أنها المناطق التي يعيش فيها الصينيون الأكثر ثراء... بالنسبة لهؤلاء السياح لا تبعد كوريا عن بلادهم سوى بمسافة يمكن قطعها في ساعة ونصف الساعة". ويضيف قائلاً:"بلوائح التأشيرات المطبقة حديثاً وسياسات الدخول لم يعد هناك أي مشكلة بالنسبة لزيارة الصينيين لكوريا الجنوبية كما كان الأمر في السابق إذ كل ما يتطلبه الأمر هو أن يشتري الواحد منهم تذكرة طائرة ويحضر لكوريا في أي وقت يريده". من جانبهم، يقول المسؤولون اليابانيون إن اليابان لديها كل ما يطمح فيه السائح الصيني من سلع من كافة الأنواع وبالذات الأجهزة الإلكترونية. حول هذه النقطة يقول"كويشي أوينو" الموظف في الوحدة الدولية لوكالة السياحة اليابانية التي تديرها الحكومة:"يهتم السياح الصينيون اهتماماً خاصاً بشراء السلع الإلكترونية الفاخرة، واليابان أفضل لهم في هذا الشأن... صحيح أن الكوريين الجنوبيين لديهم سلع إلكترونية جيدة، ولكن السلع اليابانية من النوعية نفسها أفضل كثيرا".
بموجب قوانين الزيارة الكورية الجنوبية الجديدة، يمكن للمدرسين والمتقاعدين وخريجي الجامعات الصينيين أن يتقدموا للحصول على تأشيرة دخول متعددة، وهو إجراء هدفه التيسير على السياح الصينيين الذين كان لا يسمح لهم في السابق بزيارة كوريا الجنوبية إلا في مجموعات سياحية كبيرة ومربكة. أما القوانين اليابانية الجديدة فتنص على إصدار تأشيرة دخول لأراضي اليابان لأي صيني يزيد دخله السنوي عن 8800 دولار وهو انخفاض كبير عن المبلغ السابق وهو 37 ألف دولار في العام. مع ذلك يرى العديد من المراقبين أن السياحة الصينية تجلب معها خطر الهجرة غير الشرعية، لكل من اليابان وكوريا الجنوبية.
يقول سوج جن-وينج استاذ العلوم السياسية في جامعة كوريا تعليقا على ذلك: لكل شيء في هذه الدنيا جوانبه الإيجابية وجوانبه السلبية ولا بد أن نقبل بهذه الحقيقة ونقبل في نفس الوقت أن تخفيف القيود على زيارات وسياحة الصينيين هي الطريقة المثلى لتعزيز الاقتصاد في دول شمال شرق آسيا والمساهمة في تحويل المنطقة إلى مجتمع واحد".
في نفس الوقت تعرضت الحكومة اليابانية لانتقادات بسبب الخطوات التي قامت بها لاستقطاب السياح الصينيين. يقول السيد "يووينو" من وكالة اليابان للسياحة:" اليابانيون يعتقدون أن الصينيين ليسوا سياحا من نوعية جيدة وأن البعض منهم قد يحاول البقاء بعد انتهاء الفترة الممنوحة له في حين أننا نعتقد أن معظم الصينيين يعيشون حياة طيبة وأنهم سيغادرون إلى بلادهم عند انتهاء الفترة المحدد للزيارة. ولكن ليس قبل عقد بعض الصفقات المربحة في مجال المشتريات الاستهلاكية.
فالسيدة لي المذكور اسمها في بداية المقال من المغرمين بالمنتجات الجلدية، ولذلك راحت تطوف شوارع مقاطعة مايونجدونج متأملةً وزائرةً لمحلات تحمل أسماء الماركات العالمية الشهيرة في مجال الجلود مثل"سكن فود" و"لانيج" و"بافيفات" تقول لي: "النوعية جيدة وكل شيء يقل في السعر بنسبة 30 في المئة عن سعره في الوطن". على بعد خطوات منها كان يقف سائح آخر هو "مايك لي" من شنغهاي الذي يقول إنه لم يأت لكوريا للتسوق وإنما "لأنه يريد الخروج من الصين مرة على الأقل كل عدة سنوات كي يرى ما هو الجديد في هذا العالم". يقول "لي" إنه حتى الآن لم ير في سيؤول شيئا يستحق أن يكتب لأصدقائه وعائلته في الوطن عنه.


جون إم. جيلونا - سيول

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم.سي. تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا