الاتحاد

تقارير

ضرب غزة··· والتغيير المطلوب في الدور الأميركي

ضرب غزة··· والتغيير المطلوب في الدور الأميركي

ضرب غزة··· والتغيير المطلوب في الدور الأميركي

ليست الكارثة التي تضرب قطاع غزة حالياً سوى لحظة قاتمة أخرى من لحظات الكابوس المخيم على الشرق الأوسط والمتكرر دائماً، حيث يقوم الطرف الضعيف بشن هجمات بأسلوب حرب العصابات لتنتهي برد عنيف وكاسح من الطرف الأقوى، ثم تعقب ذلك دوامة الاتهامات المتبادلة وتعزيز مواقف المتشددين لدى الجانبين مع كل نقطة دم تراق في المعارك وأعمال العنف المتواصلة· وقد شاهدنا نماذج كثيرة لهذه الحلقة المفرغة من العنف التي تقود إلى مزيد من التشدد سواء كان ذلك في حرب لبنان ،2006 أو على امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993)، أو في بيروت أثناء الحرب الأهلية، بل حتى أثناء قيام دولة إسرائيل وما ترتب عن ذلك من طرد الفلسطينيين من ديارهم عام ·1948
لكن ما أن ينقشع غبار المعركة في غزة وتبدأ منظمات حقوق الإنسان في إجراء تحقيقاتها حول قتل أطفال المدارس بسبب القصف المتواصل، أو تدمير مخبأ للنساء حتى تبدأ الأصوات المتزنة في الارتفاع متسائلة عن سبب استمرار إسرائيل في جهلها وعدم استخلاصها الدرس الأهم: أنه بسعيها إلى سحق عدوها وإلحاق الخسائر الفادحه به تساهم فقط في تعزيز موقفه وتقويته على الساحة السياسية· فقبل عامين لم تستطع إسرائيل هزيمة ''حزب الله'' وإقصائه عن الساحة اللبنانية، رغم قتلها للمئات من اللبنانيين- مقاتلين ومدنيين وتهجير ما لا يقل عن 800 ألف من منازلهم ليعود الحزب بعد انتهاء الحرب أقوى مما كان وأشد مراساً على خوض الحروب الطويلة· والمفارقة أنه بالنسبة لبلد مثل إسرائيل يتخذ من مقولة ''إن المحرقة لن تتكرر أبدا'' شعاراً له، يواصل تكرار أخطائه بعناد غريب وغير مفهوم· لكن الأمل الوحيد المتبقي اليوم أن تنبعث من بين الأنقاض في غزة أرضية خصبة صالحة لتشييد صرح جديد من السلام، إذا أبدى الرئيس الأميركي المنتخب، باراك أوباما، ما يكفي من الجرأة للقيام بما عجز عنه الرؤساء السابقون· فعلى غرار الأزمة المالية الحالية التي تعصف بالولايات المتحدة يتيح الخطأ الفادح والجسيم الذي ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة فرصة سانحة للرئيس المنتخب لإدخال تغييرات كاسحة لم يكن أحد ليتصورها خلال حملته الانتخابية·
ويمكن لأوباما في هذا السياق أن يبدأ بالتذكير أن أيام إفلات إسرائيل من العقاب وانتهاكها للمواثيق الدولية دون رقيب ولا حسيب قد ولت من دون رجعة، ذلك أن الرد الإسرائيلي المفرط في قوته على صواريخ ''القسام'' لم يؤدِ فقط إلى قتل أكثر من 350 فلسيطينيا خلال الأيام الثلاثة الماضية، بل دفع الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج نحو مزيد من الراديكالية التي قد تقود إلى انتفاضة ثالثة·
ولا يعني ذلك تغاضي الولايات المتحدة عن إطلاق صواريخ ''القسام''، بل فقط أن يُنظر إلى قدرتها المحدودة على إيقاع الخسائر في سياق القوة الهائلة التي تستخدمهـــــا إسرائيل، لا سيمـــا وأنها دولة نووية تمتلك أحـــد أقوى الجيوش في العالم· ومهما كانــت ''العلاقة الخاصة'' التي تربط إسرائيل بأميركــا على أوباما أن يكون واضحاً بأن الدولة اليهودية ستُحاسب على أفعالها، وبأن هناك حدوداً للدعم الأميركي، ويستطيع أوباما أيضاً في هذه اللحظة إيصال رسالة واضحة إلى العالم مفادها أن أميركا تعترف بقيمة حياة الفلسطينيين وبمشروعية تطلعاتهم الوطنية· هذه الحقائق قد تبدو بديهية، لكن عدم التأكيد عليها والسعي إلى تحقيقها ولد انطباعاً لدى العرب بأن هذه ''العلاقة الخاصة'' بين أميركا وإسرائيل تنال من مصداقية واشنطن في رعاية عملية السلام والاضطلاع بدور الوسيط النزيه·
وعلى مدار ستين عاماً من المفاوضات المتعثرة، لم يساعد التحيز الأميركي في إحداث اختراق واحد في عملية السلام، ففي العام 2000 أفشل فريق كلينتون مفاوضات كامب ديفيد من خلال تبنيه الأجندة الإسرائيلية وإقصائه للتصورات الفلسطينية، وخلال هذه السنة عندما حضر الرئيس بوش احتفالات إسرائيل بذكرى قيامها الستين رفض حضور مناسبة مماثلة تخلد ذكرى النكبة بالنسبة للفلسطينيين عندما طُرد أكثر من 750 ألف فلسطيني من منازلهم·
فاعتراف إدارة أوباما بالقيمة المتساوية للتطلعات الفلسطينية سيعزز أخلاقيات جديدة في التعامل مع الصراع العربي- الإسرائيلي ويؤسس لبراجماتية جديدة، ولكي تنجح المباحثات على الولايات المتحدة أن تقول الحقيقة لأصدقائها القدامى، وأن تقطع مع أساليب الماضي التي جُربت وأثبتت عدم جدواها· وفي هذا السياق يتعين على أوباما الإصغاء إلى نصيحة وزير الخارجية السابق، كولين باول، والتفاوض مع ''حماس''، ذلك أن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع محمود عباس فقط، لن يحظى بتأييد فلسطيني واسع، ناهيك عن الحقائق الجديدة على الأرض التي ستواجهها المفاوضات، ففي عام 1993 عندمـا تصافح ياسر عرفات وإسحاق رابين في حديقة البيت الأبيض وهما يوقعان على اتفاق أوسلو لم يكن عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية يتجاوز 109 آلاف نسمــة، أما اليوم وبعد مرور 15 سنة على بدء عملية السلام وصل ذلك العدد إلى 275 ألفا· وفيما يتعلق بالقدس الشرقية التي يفترض أن تكون عاصمة الدولة الفلسطينية القادمة أصبحت تحيط بها المستوطنات من كل جانب، ومع هذا التهويد المتواصل للضفة الغربية بات حل الدولتين صعب التحقق على أرض الواقع ما لم تسارع إسرائيل إلى لجم الاستيطان والحد من انتشاره·
ولحد الآن توحي الإشارات الأولى أن فريق أوباما سيحافظ على الوضع الحالي في الشرق الأوسط، لكنه يدرك مع ذلك أنه يتعين عليه بعد انتهاء المجزرة في قطاع غزة أن يبادر إلى إحداث التغييرات الضرورية لمصلحة الطرفين، لأنه يعرف جيداً أن الخيارات البديلة مثل اندلاع انتفاضة جديدة، أو حدوث مشاكل دبلوماسية مع العالم العربي، أو حتى نشوب حروب لا نهائية سيضعف الجهود الجارية حالياً لتحسين صورة أميركا في العالم·

ساندي تولان
أستاذ الاتصال بجامعة جنوب كاليفورنيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا