الاتحاد

دنيا

خيري شلبي: الفقر وعمال التراحيل أساتذتي


القاهرة - حمدي ابوجليل:
الفقر هوالسمة الغالبة على ادباء جيل الستينات في مصر، البارزون منهم ولدوا في اسر شديدة الفقر ونالوا تعليما متواضعا في المدارس المجانية التي أقامتها ثورة يوليو ،1952 واشتغلوا في حرف اكثرها يدوي وشديدة البعد عن مهنة الكتابة وعالمها، وأبرزهم في هذا الشأن وشأن الكتابة أيضا الروائي الكبير خيري شلبي، فهو كما يقول دائما لم يولد في اسرة فقيرة وحسب بل معدمة، وفي طفولته اكتتبت قريته لتشتري له نظارة 'نظر' حتى يلتحق بالمدرسة، وفي صباه اشتغل في الفلاحة وخرج مع عمال التراحيل وزاول مهنا شتى، وفي شبابه اشتغل في مهن الحدادة والنجارة وكي الملابس والخياطة، غير ان الفقر صقل تجاربه ونوعها وأغناها بالعديد من النماذج البشرية الحية وجعله صاحب المشروع الاعرض بين ابناء جيله·
خيري شلبي أدلى بشهادة حول تجربته الطويلة مع الفقر في معرض القاهرة الدولي للكتاب نعرض هنا بعضاً منها:
بدأ شلبي بظروف ولادته في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، وقال: تزوج ابي ثلاث زيجات فشلت تباعا بسبب عدم الانجاب، وفي أواخر عمره تزوج صبية عمرها 12 عاما وانجبت له 17 ابنا وبنتا، وكان عليه، وهو بحكم السن اقرب للموت، ان يبدأ الحياة من جديد، وكان همه كبيرا، فلم يكن راتبه يكفي حتى طعام هذه الكتيبة من الاولاد، وأصبح واضحا ان من يود ان يواصل التعليم فعليه ان يعتمد على نفسه، وأنا واجهت هذه الحقيقة في الصف الاول الابتدائي واشتغلت مع عمال التراحيل في التاسعة من عمري، وكنت أحمل زوادتي على ظهري وأسافر الى بلاد بعيدة للبحث عن عمل·
عمال التراحيل
وتجربة عمال التراحيل تعرضت لها في روايتي 'السنيورة' و'الاوباش'، وهي أخطر تجربة في حياتي، وافادتني كثيرا في الكتابة الروائية، فوسط العمال تكشفت لي اسرار السير الشعبية، واكتشفت ان العمال هم ابطالها ومؤلفوها ومعهم انتقلت من مكان الى مكان، وكل مكان اضاف سماته وتقاليده وطابعه وأبطاله حتى اصبحت عملا يعبر عن الروح الجماعية، فرغم ان العمال فقراء معدمون فان قرائحهم تنتج الحكمة والفن، وهم في الغالب لا يتنازلون عن قيمهم واخلاقهم في سبيل تحقيق أي مكسب، وقد رأيت بينهم نماذج للانسان الصلب المحتفظ بقيمه والمتمسك بما يعتز به رغم البؤس والشقاء· ومن الناحية الادبية تعلمت من عمال التراحيل فنون التعبير وكيف ان اللغة، وهي أداة التوصيل والتواصل، يمكن ان تكون عامل تفرقة لو فقدت حساسية وخبرة الاستخدام، فقد كنت الوحيد بينهم الذي يعرف القراءة والكتابة، وكنت أقوم بشكل شبه يومي بكتابة رسائلهم الى ذويهم، وكان لكل واحد منهم اسلوبه الخاص، ويصرون على ان اكتب رسائلهم بالعامية ويرفضون الفصحى التي لا يفهمونها، ومن رسائلهم التي تعبر عن مشاعر حية وساخنة اكتشفت ان الكاتب الحقيقي لا يصوغ آلام الناس بلغته الفصحى ولكن بلغتهم هم، لان صياغة آلام الناس بلغة فصيحة لا يفهمونها هو الكذب بعينه، فآلامهم تزخر بفيضان من المشاعر تعجز عن التعبير عنه الفصحى القديمة، ومن هذه الرسائل اكتشفت ان معظم مفردات العامية فصيحة ولاتختلف عن اصلها الفصيح إلا في علامات الاعراب، وهذه الحقيقة استفدت منها في كتابة اول اعمالي الاذاعية وهو مسلسل اذاعي مأخوذ عن رواية 'الايام' لطه حسين، وقد كتبتها بلغة تقرأ بالفصحى إرضاء لطه حسين الذي أصر على ان تكون فصيحة كما كتبها وبالعامية لكي يفهمها المستمعون ويتجاوبوا معها ·
شقاء ممتع
واضاف خيري شلبي: الكتابة بالعامية تستدعي خبرة طويلة بالذات البشرية، وهذا لا يأتي إلا من تجارب انسانية طويلة ومتنوعة، وانا تعلمتها من العمال الذين زاملتهم سنوات، فقد عملت نجارا وحدادا ومكوجيا وترزيا، وبين العمال والصنايعية خضت تجربة طويلة وشاقة، ولكنه الشقاء الممتع، واعتقد انني ولدت للكتابة، وأحد الكتاب الاسبان زارني في المكان الذي كنت اكتب فيه وسط مقابر القاهرة وقال ان الكتابة استعبدتني، وهذا صحيح لاني لا استمتع بشيء في الحياة إلا الكتابة·
وأضاف: لحسن حظي انني حُرمت من المال والجاه منذ الصغر، ووضعت في موضع حتم علي ان أكون مسؤولا منذ الطفولة، فأنا انحدر من عائلة كانت مرموقة في الثلاثينات، غير ان المال والجاه انسحبا عنها في سنوات معدودة، وجاءت ثورة يوليو فأحدثت انقلابا مروعا في اوضاعها المالية وأصبحت في القاع بعد ان كانت في القمة، وهذا الوضع خلف تناقضا حادا بين ماضيها وحاضرها، وهذا ما وعيته مبكرا، كنت ارى في بيتنا صورا ضخمة لجدي الذي كان في التشريفات الخديوية وعمي الذي كان يعمل في السراي الملكية، وارى ايضا ما تبقى من اثاث فخم منه جرامفون واربعون اسطوانة لأساطين ورواد الغناء العربي، ومنها عرفت تاريخ الغناء العربي في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كما كان في بيتنا قطع من السجاد ذات قيمة عالية من بقايا السراي الخديوية، وفي نفس الوقت كنا نعيش في فقر مدقع، وكانت امي تخيط لي قمصان ابي القديمة حتى البسها في المدرسة، والحقيقه انه كان قميصا واحدا، وحينما كنت أخلعه للغسيل كنت اذهب للمدرسة بجلباب احشره في البنطلون حتى يبدو وكِأنه قميص·
بطل شعبي
والتناقض بين ما كنا نعيش فيه وما أصبحنا نعيش فيه بالفعل كنت اراه بشكل اكثر تأثيرا في شخصية ابي، فقد كان عملاقا وكان الناس يبجلونه ويهابونه في الشارع، ولكن هذا العملاق يتحول الى أرنب صغير حينما تخاطبه أمي في شأن الدقيق والخبز، وكنت أقف طويلا أمام صور جدي وأعمامي وقطع الاثاث، وأتخيل نوعية الحياة التي عاشها أبي وسفرياته الغابرة كواحد من الاعيان الى القاهرة واسطنبول، وأملأ الفراغات بينها وبين ما يعانيه من شظف العيش، وأول كتاب راودني هو قصة أبي، وهذا يرجع لتأثري بالسير الشعبية، فقد كنت أرى في حياته وسلوكه كل ما يمثل الابطال في السير الشعبية، وبالمناسبة نحن، ككتاب وروائيين عرب أجرمنا في حق السير الشعبية، فقد فضلنا عليها الادب الرسمي بداية من اعمال المنفلوطي وحتى اليوم، رغم ان السير الشعبية العربية فيها البذرة الاولى لفن القص والرواية في كل لغات العالم، ولو اعتمدنا عليها لصرنا اساتذة العالم في فن الحكي·
الامراض الطبقية
خيري شلبي عاد لتجربته مع الفقر والكتابة، وقال: من حسن حظي انني اخذت تجربتي الطبقية المتناقضة بسخرية، والحقيقة ان جيراننا في القرية هونوا الامر عليّ وساعدوني في هذا الشأن، فقد كانوا يعاملوننا بتبجيل واضح، ربما يكون هذا نوعا من الخبث بحيث لا نطلب منهم شيئا، ولكنه حفظ لنا كرامتنا، فنحن نحترم ابناء الاصول حتى لو كانوا جلادين، وهذه المعاملة ساعدتني في الترفع على الامراض الطبقية، وتعلمت ان الفقر ليس عيبا، ولكن العيب هو الانسحاق والتنازل عن القناعات لتحقيق نجاحات شخصية، في حين ان نجاح التنازل والتفريط ليس نجاحا بل انحطاطا، وهذا ما حاولت توصيله في رواية 'موال البيات والنوم'، كما ان كل ابطال رواياتي ابحث عنهم بين البسطاء الذين لا يقدمون أي تنازلات رغم فقرهم الشديد·
وأضاف خيري شلبي: تجربتي هي تجربة أبناء الفقراء المعدمين الذين تعلموا بفضل دعوة طه حسين الى مجانية التعليم، وأسطورة حياتنا اننا تعلمنا في ظل ثورة يوليو ،1952 ومع شعارات الثورة كنا نعتقد اننا عنصر الجدية الحقيقي في مستقبل مصر، وفي بدايتنا كرسنا ادبنا لهذه الفئة التي ستبني مصر على اسس من العزة والكرامة، ورأينا في جمال عبد الناصر أول حاكم مصري لمصر، ورفعنا معه شعارات القومية والوحدة والعدالة الاجتماعية، وفجأة حدث أخطر انقلاب وهو هزيمة 1967 التي انكشفت فيها الحقائق المروعة وانهارت آمالنا وأصبنا بجروح غائرة، ونسبة من ابناء المعدمين وقعوا ضحايا، وقدموا العديد من التنازلات للحصول على المال والجاه، ثم جاء الانقلاب الاخطر وهو الانفتاح الاقتصادي الذي قام به الرئيس السادات، ومعه انهارت كل القيم، واصبحت النماذج التي تمثل روح مصر المحبة والمخلصة تتخفى في الحارات والازقة الفقيرة والمقابر، وانا شخصيا انعزلت في المقابر وواصلت الكتابة فيها طوال ما يقرب من ربع قرن، ولحسن حظي انني بحكم ظروف النشأة أنفر من مظاهر الثراء والفخامة وكل الاشياء المصقولة كما ان طموحاتي المالية وئدت منذ الصغر، وفي فترة ليست بعيدة من حياتي كان منتهى أملي ان اشتغل عاملا في مصنع للغزل والنسيج، وكنت انظر الى هذه الوظيفة باعتبارها طوق النجاة· ومن ناحية اخرى قصرت جهودي ككاتب على الامساك بجوهر الانسان، وهذا ما وجدته في الانسان المهمش الذي يعيش في قاع المجتمع، والمهمشون الذين حاولت كتابتهم هم جانب من الشعب المصري تخلت عنه الدولة تماما وأصبح كاليتيم، رغم انه هو الذي بنى مصر ويبنيها، غير انني اتوقع ان يتحول الهامش الى متن في المستقبل القريب، لانه لا يصح إلا الصحيح، ولأن الطبقة التي تنهب المجتمع المصري ما هي إلا قشرة رغم سمكها لن تقوى على الصمود أمام عوامل كثيرة تتفاعل وتتضافر لتغيير المجتمع المصري·

اقرأ أيضا