الاتحاد

دنيا

هل كان عقاب عقــــــاباً للجمـــهور؟


استطلاع ـــ إبراهيم الملا
بعيدا عن رأي الصحافيين المهللين والمطبلين الذين وصفوا فيلم 'عقاب' بالرائع والاستثنائي، والذين عبروا عن هذا الرأي من وجهة نظر ربما تكون 'مأخوذة' بالأجواء الاحتفالية وبأضوائها وبهرجتها التي صاحبت الإعلان الرسمي عن ولادة وانطلاق أول فيلم محلي بشروط سينمائية خالصة، وبعيداً أيضا عن الحملة الترويجية الضخمة التي رافقت ظهور هذا العمل، فإن الصدمة التي عكسها بالنسبة للجمهور وللسينمائيين والمهتمين كانت موازية لحجم الوهم الكبير الذي اقترن هو الآخر بوهم النجاح الهائل والمُنتظر· هذا الوهم المرتبط بالأسبقية والريادة في إنتاج أول شريط سينمائي في الإمارات، والذي تحوّل للأسف إلى شريط مبتور وممزّق في أكثر من جهة وأكثر من محور·
يهدي المنتج مجيد عبد الرزاق الفيلم لنفسه ويشارك فيه كممثل رئيسي رغماً عن كل المسوغات التي لا ترشحه لهذا الدور· وهذا الإهداء الذي يشع بدلالات نرجسية واضحة، لابد وأنه وضع الفيلم أمام مأزق التصنيف، وجعله مكشوفا أمام الهدف الشخصي المبيّت قبل إنتاجه وعرضه في الصالات التجارية·
نعرف أن العمل السينمائي لابد وأن يكون مشفوعا بجماليات خاصة وعمق منتمٍ لكونه فنا مخلصا لأساسيات وبداهات الصناعة السينمائية قبل أن يكون أي شيء آخر·وحتى قصة الفيلم المقتبسة من رواية (الكونت دي مونتي كريستو) للروائي الفرنسي ألكساندر دوما، ومن خلال تفاصيلها اللاواقعية تبدو أقرب لتكنيك الرسوم المتحركة منه إلى تكنيك السينما الروائية الرصينة·من جانب آخر عجز الفيلم أيضاً من خلال الزمن المشوش والسيناريو المهلهل والحوارات المحلية العرجاء من ترتيب البناء الداخلي للعمل، والوصول لصيغة منطقية في ترتيب المشاهد واللقطات· ونستغرب هنا عدم عرض السيناريو على كتاب محليين لهم خبرتهم المعروفة في هذا المجال· كما نستغرب أيضا عدم تحكم الفيلم بأدوار الممثلين الذين لجأوا للارتجال والاجتهاد الشخصي، فكان كل ممثل يلعب في منطقته الخاصة دون أي ربط وتناغم مع الممثلين الآخرين·على أية حال ولكي لا نبدوا متجنين على هذه التجربة، حملنا أوراقنا وذهبنا إلى المختصين، لكي لا نقدم رواية من جانب واحد·
نقد وتحليل
وفي هذا الاستطلاع نحاول أن نستشف رأي مجموعة من السينمائيين والمهتمين الذين نظروا الى الفيلم بعين ناقدة ومحللة، بعيداً عن بهرجة المناسبة وضجيجها الآني والمؤقت·
يقول السيناريست والكاتب أحمد سالمين: إنها معادلة صعبة؛ هل تظل السينما الإماراتية المنتظرة، الرقم المفقود في حسابات كلًّ من مالكي رأس المال، و المفلسين منه؟!
لا شك أن السينما صناعة، والصناعة بحاجةٍ إلى رأسمال· هذا شيءٌ بديهي، و لكن أن نظن أن رأسمال وحده كفيل بإيجاد سينما إماراتية، فهذا هو'الظن السيء' بعينه، الذي فاجأنا به صناع 'عِقاب'·
ويضيف سالمين: أن تُعاقب التجربة السينمائية الإماراتية التي لم تبدأ بعد، بهذا الفعل القاسي، و بهذه الركاكة في الحوارات، و بالخلل الكبير في أنساق الحوار اللغوية، والتي هي إنشائية في الأصل، فهذا شيءٌ لا يحتمل· ولهذا اعتقد بأن الشيء الوحيد الذي وُفق فيه صناع عِقاب، هو اختيار مفردة 'عِقاب' تسميةً لما شاهدناه على شاشات العرض· فعلاً، لقد كان عقاباً للحلم الإماراتي في خلق سينما خاصة، بل لنقل، سينما قياسية تحقق أبسط شروط الفيلم السينمائي المتعارف عليها لدى المتلقي القياسي· فما بالنا بالمتلقي المهتم والمنشغل بهذا الهم، والذي يتطلع إلى خروج التجارب الأولى عبر أفلامٍ طلائعيةٍ، تمنحه الثقة في إمكاناته الإبداعية ليخوض هو نفسه تجربته الأولى في صناعة فيلم سينمائي إماراتي·
ويستطرد سالمين: أنا هنا ألوم وزارة الإعلام، وتحديدا اللجنة التي أجازت النص السينمائي ذا الحوارات الركيكة التي تعاني من خلل كبير في توصيل المعنى المباشر للغة المنطوقة عبر الفيلم، و كذلك أُعاتب - بحب - جميع الفنانين من أصحاب التجارب الناضجة، على عدم تحفظهم على أهم وأوضح المشاكل التي عانى منها السيناريو في نسخته التي خرج بها الفيلم من خلال أسمائهم التي نكن لها كل الإعجاب والاحترام في جميع ما شاهدناه لهم من أعمال، سواء في المسرح، أو في الدراما التلفزيونية·
أمانة كبيرة
يقول الشاعر والسيناريست محمد حسن أحمد:
' للحظة أشعر بأن لدي لسان لا أريد أن أتبرأ منه، لأحيط نفسي ببعض الصدق وأنا أدخل عملاً سينمائياً ضخماً تجاوز إنتاجه الملايين، عمل إماراتي خليجي جاء بعنوان ممتد ' أضخم قصص الحب والكراهية '· ولأنني أؤمن بالحب والكراهية معاً إلا أنني لا أتفق مع الضخامة في حجمه، لمشاهدة الفيلم اجتمعنا مع أصدقاء سينمائيين في رأس الخيمة، قطعنا التذاكر بقلب مفتوح، وكانت الصالة خالية إلا من أجسادنا التي توزعت على المقاعد رغم تمنياتنا الكبيرة مع بداية العرض بأن نجد حضوراً مكثفاً، جئنا بأمانة كبيرة لدعم العمل بالتواجد وبفرحة كبيرة ونحن نشاهد فيلماً تم تصويره بكاميرا سينمائية وطاقم سينمائي كبير ولكن ··· عفواً، أرفض تماما أن أشاهد فيلماً سينمائياً جاء إلى دار العرض ببنود كبيرة وإنتاج ضخم ويخرج لنا بهذا الشكل الرديء·
وتابع محمد حسن أحمد كلامه فيما يخص الحوار قائلاً: هل هناك تعريف آخر للرداءة، أو ربما للشعور الذي يصيبك وأنت تستمع خلال ساعتين وربع الساعة لحوارات لا صلة لها تماما بالسينما ولا حتى بالواقع· ألفاظ على شكل خواطر باهتة تجاوزت بشكل حاد رتابة الشخصيات لدرجة أننا بقينا طوال الساعتين في ضحك بارد، نحاول فقط أن نبلع ما نسمع· وهل يمكن لممثلين لهم أسماء لامعة في الإمارات والخليج أن يقبلوا بهذا الشكل من الحوارات؟· وأضاف احمد: اما التأليف والإخراج، فلا اعرف كيف يمكن أن يصنع احدهم الفشل، ويقدمه كفيلم سينمائي يعرض للجمهور· تجاوبت مع الصورة السينمائية التي خانتها المشاهد المركبة بشكل لا خيال فيه ولا واقع، بحيث تتكور الشخصيات ببعضها ليخرج لنا بطل الفيلم العائد ليعاقب الجميع· ففي لحظة شعرت بأنه ' قادم من كوكب آخر'، ويستطيع أن يشفي ويعاقب ويجزي من يريد، بتجاوز لا خيال فيه ولا واقعية عكس الرواية الحقيقية· ولا أريد أن ادخل في تفاصيل السيناريو كي لا يصيبني الضجر أكثر، ولا أستطيع سوى أن أهنئ المخرج على مشهد المحكمة لأنني شعرت في البداية وكأننا في برنامج سين وجيم في أحد القنوات الفضائية!وأنهى أحمد كلامه مقترحاً: شخصيا اعتذر على السكوت، وأمنيتي الكبيرة أن تكون هناك جلسة أو ندوه مفتوحة مع مؤلف ومخرج العمل وكاتب الحوار والممثلين للتحاور حول الفيلم ·
قيمة فنية
يقول الممثل ناصر اليعقوبي: لم أعثر في الفيلم على تلك القيمة الفنية والموضوعية التي قرأت عنها في الصحافة· الفيلم مصور بكاميرا سينمائية، والصورة نظيفة، الصوت أيضا كان مستوفيا لشروط العرض السينمائي، ولكن لا شيء خلاف ذلك يمكن ذكره أو الالتفات إليه، إلا من قبيل المحاكمة والنقد· فمستوى التمثيل كان ضعيفاً جداً، كما أن دور البطولة الذي أداه 'منتج العمل' مجيد عبدالرزاق بصوت مركب للفنان إبراهيم سالم، كان فاقداً للإحساس والتناغم بين انفعالات الممثل وبين تدرجات النبرة الصوتية لإبراهيم والتي ظلت طوال الفيلم محكومة بوتيرة واحدة وثابتة، ما أثر في النهاية على أداء الممثل الرئيسي الذي ظل باهتاً ومنفصلاً وغير متفاعل مع جو المشهد وطبيعته· ودهشت أيضا من مستوى الأداء الفقير والمساحات المحدودة التي شغلها ممثلون معروفون، ولهم قيمتهم في الساحة المحلية أمثال سميرة أحمد ومرعي الحليان وحبيب غلوم الذين سقطوا في فخ السيناريو المتهالك والحوار الركيك والمختلط بين عدة لهجات، والذي وللأسف لم يبادر فنانونا لتعديله من دافع الغيرة على الأقل في الدفاع عن لهجتهم المحلية التي جرّحت وأهينت كثيرا في هذا العمل· وأنا أستغرب أيضا من دور وزارة الإعلام في تمريرها لسيناريو الفيلم ومن دون أي تعديل ومراجعة وتشذيب للنص بشكل عام وللحوارات بشكل خاص·
أما الديكورات والملابس فلم تكن متوافقة مع الفترات الزمنية التي عرّج عليها الفيلم· فزيّ الشرطة في الثمانينات لم يكن بالشكل الذي ظهر فيه حبيب غلوم داخل القسم· والمساجين في الدولة أثناء فترة الثمانينات لم يتم حبسهم في قلاع بحرية أوفي جزر معزولة، وغيرها من الأخطاء الكثيرة التي امتلأ بها الفيلم والتي تحتاج لصفحات وسجلات طويلة كي يتم جردها وإبرازها·
خبرات وتراكمات
أما المخرج خالد المحمود فيقول: يمكن تلخيص مشاكل العمل في عنصرين أساسيين: أولهما أن منتج الفيلم لا يملك التراكمات والخبرات السينمائية التي تؤهله لخوض غمار الإخراج والتمثيل في هذا المجال الصعب والذي يحتاج لجهد تأسيسي ومعرفي وجمالي قبل أي شيء آخر· والعنصر الثاني يتمثل في السيناريو المدرسي الضعيف جداً الذي حطّم الأساسات الداخلية لبنية الفيلم· كما أن المحتوى الدرامي المقتبس أصلا من رواية' الكونت دي مونتي كريستو' يصعب نقلها بواقعية مثالية إلى السينما، فحتى السينما الأميركية وبكل قدراتها التقنية والإنتاجية والادائية لم تستطع أن تترجم الرواية إلى فيلم مقنع وملم بكامل التفاصيل والتشعبات والأجواء والمقاصد التي بثها الكاتب في ثنايا النص· وهذان العنصران أديا لظهور كل المشاكل الأخرى في الفيلم· فكلما طال زمن الفيلم (ساعتين وعشرين دقيقة) وكلما قل فيه التكثيف والترميز كلما أخذت هذه الأخطاء في النمو والتشعب لدرجة تم فيها فقدان السيطرة تماماً على التركيبة الداخلية والبنائية للفيلم، ابتداء من أداء الممثلين المشتت وليس انتهاء بالمشاهد غير المترابطة والأخطاء الكبيرة في (الراكورات) وفي توزيع الأدوار والأمكنة والأزمنة· اقترب الفيلم أيضا وبشكل كبير من الأسلوب الهندي في الإخراج والذي يعتمد على المبالغات في الصورة وفي الأداء، مثل تصرفات البطل في السجن، ووقوفه في النهاية على قمة برج العرب بشكل غير مبرر وغير منطقي ولا يخدم تسلسل الأحداث التي سبقت هذا المشهد المقحم·
استغلال الإمكانيات
ويقول المخرج عبدالله حسن: 'لم يتم للأسف استغلال الإمكانيات والميزانيات الكبيرة التي توفرت لهذا العمل في تقديم قصة متماسكة وموضوع متوائم مع روح السينما ومع ثرائها البصري المتنوع والعميق· صدمت أولاً في هذا الفيلم بالحوارات الإنشائية الركيكة التي كتبها محمد الطريفي· وصدمت ثانياً بأداء الممثل الرئيسي مجيد عبدالرزاق· وما صدمني أكثر هذا الاستسهال الكبير في الأداء من ممثلينا المعروفين في الساحة والذين يعرفون جيداً كيفية انتقاء أدوارهم، والذين سقطوا هذه المرة للأسف في امتحان الأداء وفي فخ الإغراء المادي· وأعتقد أيضا أن هؤلاء الممثلين لم يقوموا بقراءة السيناريو بالكامل واكتفى كل واحد منهم بقراءة المشهد الخاص به دون حاجة لوجع الرأس، ولكن وجع الرأس هذا سيضعهم بلا شك أمام مسؤولية فنية وتاريخية بظهور أسمائهم على تترات أول فيلم سينمائي في الإمارات·
عمق الطرح
ويرى المخرج وليد الشحي أن الفيلم كان دون المستوى من ناحية الجدية والعمق في الطرح، ومن ناحية التماسك الدرامي والزمني والسردي الذي كان عشوائيا ومشتتا في خطوط متباعدة وغير منطقية، وكان هناك خلل واضح في خلق وحدة المشهد وربطه بالمشاهد التالية أو السابقة، وكان السيناريو يدور في حلقة مفرغة ومربكة من أجل توصيل معلومة صغيرة في ثنايا الفيلم، مع أن هناك ألف طريقة وطريقة لتوصيل هذه المعلومة من دون اللجوء لاختراع مشاهد زائدة ومنهكة لزمن الفيلم ولكثافته التعبيرية· ولهذا السبب كان الفيلم ممطوطا ومليئا بمشاهد لو حذف نصفها لما أثر ذلك على مسار القصة وعلى تسلسلها الدرامي·
حفل الفيلم أيضا بمشاهد استعراضية لم يكن لها داع أصلا مثل مشهد وقوف البطل على برج العرب والذي أتى بشكل كاريكاتوري ساخر، وعلى عكس توقعات المنتج ورغبته في إضفاء نوع من الهيبة على شخصيته، ولابد هنا أن أعرّج على مشهد البداية والذي عادة ما يكون هو واجهة الفيلم وهو أول المفاتيح التي يمكن من خلالها استكشاف هوية العمل وملامحه، في هذا المشهد الاستهلالي كان دور ربان السفينة الذي يموت في بداية الفيلم ضعيفا وركيكاً جداً، ما جعلني أوقن أن الفيلم نفسه لن يعمر سريعا في الذاكرة وأنه سيلفظ أنفاسه مباشرة قبل بداية المشهد الثاني!
والمشكلة الكبيرة هنا أن الصدى السلبي لهذا الفيلم سينعكس وسينسحب بلا شك على تجربتنا كسينمائيين جدد نحاول النهوض بهذا الفن على أسس واعية ومتراكمة بشكل سليم ومنتم بقوة لقيمة هذا المنتج الإبداعي والجمالي البعيد عن الإبهار والاستعراض وطرح حسابات تجارية وشخصية لا علاقة لها بفن محايد ومستقل ورؤيوي كالسينما·
الهوى الشخصي
وأخيرا يرى المخرج عمر إبراهيم أن الهوى الشخصي للمنتج وتدخله الكبير في القصة ووجوده في تسعين بالمائة من مشاهد الفيلم، هو الذي جعل الفيلم يخرج من نطاق السيطرة والتماسك، سواء كان ذلك من خلال المخرجين الهنديين اللذيْن أدارا الفيلم شكليا أو من خلال البعد الموضوعي الذي أفرزه النص المكتوب بعدم مسؤولية وأداء الممثلين الباهت وتوزيع المشاهد المنفصل والمشتت· بصراحة خرجت بعد مشاهدتي للفيلم بإحساس ان لا لون ولا طعم ولا رائحة له، واكتشفت أنني في النهاية لم أصطحب معي خارج القاعة أية ذاكرة فنية وجمالية، وأنني أصبحت أسيراً لعدم الفهم ولفوضى الحواس، فما معنى وجود أشخاص خليجيين يحاولون الإنتحار بهذا الشكل المجاني؟ وما معنى أن يقف بطل الفيلم على قمة برج العرب وينطق بكلمات وكأنها هابطة معه من السماء· هذا البطل الذي يتحول إلى شخص خارق يشفي المرضى ويحقق المعجزات· لقد دخلت قاعة العرض وأنا مدفوع بإغراءات مشاهدة فيلم منقول من رواية عالمية ومصاغ على قياس محلي وخليجي، ولكن الذي رأيته كان لا يمت بصلة لكل ذلك، فلكثرة الأخطاء وزحمة الهفوات في هذا الفيلم، تحولت الصالة إلى مسرح ضاج بالضحكات والقهقهات وكأنني أشاهد فيلماً كوميدياً لا علاقة له بجدية ورصانة الفكرة أو القصة التي كان من الواجب نقلها بأمانة موضوعية على أقل تقدير·

اقرأ أيضا