الاتحاد

دنيا

أبو فخر والربابة··· صحبة عمر


دمشق ـ الإتحاد:
بين الربابة ومَزْيَد عبد الحي أبو فخر صحبة عمر كامل، فهو يرافقها، ويعزف ألحانها منذ خمسة وخمسين عاماً· بدأ معها متعلماً وعمره اثنا عشر عاماً، واليوم وهو في السابعة والستين يقدم تعريفات طريفة لهذه الآلة الموسيقية الشعبية التراثية، فيرى أنها كانت قديماً بمثابة وزارة الإعلام! وأن شاعرها هو صحفي الزمان الماضي الذي يروي الأحداث، ويقدم العبر والحكمة ويمتع السامعين والساهرين·
ويبدو مَزْيَد متمسكاً بربابته، مصمماً على أن الزمن لا يمكنه أن يتجاوزها، فهي ستظل موجودة وحية، طالما أن العربي يقدم القهوة المرة، فهي مثلها وصنوها في الحضور·
يروي لنا (مَزْيَد) قصته مع الربابة، فيقول: بدأت العزف عليها في سن مبكرة وأنا طفل، وقد تعلمتها على أيدي عازفي الربابة المعروفين الذين كانوا يتقنون العزف والأداء لهذا اللون الشعبي المحبب، وقد أحببتها جداً، وأغراني في صحبتها الدائمة أنها كانت موجودة دائماً في جميع سهرات السمر في المضافات، وكانت المتعة الوحيدة للسمّار، ووسيلة التسلية والترفيه لهم· وهكذا تعلمت العزف وبرعت فيه، وحفظت الكثير من الألحان وأضفت الكثير منها·
غذاء روحي
ويصف لنا مَزْيَد شعوره وهو يعزف على الربابة، فهو يمتع ويستمتع، ويضيف: أنا أعزف أحياناً لأغذي نفسي، لأن الشعر والموسيقا غذاء الروح وأحياناً أعزف تلبية لطلب راغب، ولأعطي هذه الآلة حقها، وحق الذواقة في سماعها، وأنا أشارك المستمع في متعته، بل ربما أستمتع أكثر منه، ومع حبي واستمتاعي، فإني أحاول دائماً الحفاظ على هذه الآلة التراثية ودورها في حياتنا، لذا أعلّم من يرغب العزف على الربابة·
ويشرح لنا مَزْيَد بشغف وحب أن الربابة ـ كما نعلم ـ ذات وتر واحد، لكن طاقتها اللحنية غير محدودة، فهي آلة سماعية، ولا تخضع لنوتة الموسيقا، وكلما كانت ذاكرة العازف قوية، وقدرته بارعة فإنه يقدم ألحاناً لا حدود لها· لأن من يملك الأذن الموسيقية، والذاكرة المميزة يقدم ألحاناً وأساليب كثيرة· أما الألحان والأساليب التي يقدمها، فيذكر منها على سبيل المثال: (الشروقي ـ الهجيني ـ العتابا ـ المطلوع ـ الفن ـ الأهازيج ـ الجوفيات ـ الحداء ـ وغيرها كثير)·
ويعتقد مَزْيَد أن الربابة لا تزال تشكل الآلة الرئيسة في سهرات التراث والشعر الشعبي بمختلف أنواعه، وهي آلة تراثية متصلة بالعادات والتقاليد العربية الأصيلة، وهي كالقهوة المرة· لكنه يعترف بحزن أن استخدامها صار يندر في الأفراح، ولم يعد كما كان في السابق· وشدد على أن الربابة ترفض أن تكون ضيف شرف على سهرة أو أمسية، بل تصر على أن تكون العامل الرئيس في هذه السهرات، حيث يمكن أن يعزف عليها ما يناسب الشباب أو الشيوخ، وما يتلاءم مع أي موضوع يطرح في هذه الأمسيات·
كيف تصنع الربابة
يعرّف مَزْيَد أو بفخر الربابة بأنها آلة موسيقية بسيطة الشكل والصنع، وهي تتألف من إطار خشبي يشد عليه الجلد، وهناك عصا تدخل وسط هذا الإطار من الأسفل إلى الأعلى، أما طول الربابة فيتراوح تقريباً بين 35 سم طولاً و25سم عرضاً، ويستخدم في صنع الربابة خشب عادي، وليس مطلوباً أن يكون من نوع معين· أما الجلد الذي يشد على الإطار الخشبي فإنه يكون على أنواع: من جلد السمك، وهو يعطي الصوت قوة أكبر، ويكون محمياً من الرطوبة، أو من (كرش) البقر، وهو أرق وأكثر حساسية للصوت، والنوع الثالث هو جلد الجدي الذي يجعل الصوت أقرب للعاطفة والحنان·
أما وتر الربابة الوحيد، فتقاس سماكته بعدد الشعر فيه، وهو شعر يؤخذ من ذيل الخيل غالباً، ويحتاج الوتر إلى حوالي أربعين شعرة، وهو يربط بمفتاح بمقاييس معروفة ومدروسة ومجرّبة، ويشد حتى القسم البارز من العصا في الأسفل· وهناك قطعة خشبية صغيرة ترفع الوتر عن جسم الربابة قليلاً وتسمى (غزال الربابة)، وهي تضبط النغمة وسعتها، كما تبقي القوس بعيداً عن جسم الربابة· أما القوس فيصنع من خشب الخيزران أو الجوز أو اللوز، ولا يفوت (مَزْيَد) أن يعلمنا أن وتر الربابة المؤلف من شعر ذيل الخيل لا بد أن (يفرك) بمادة اسمها (القلفونة) وهي تستخرج من بعض الأشجار، ودون هذه المادة لا يصدر صوت عن الربابة أبداً·
سامر قديم
الربابة كانت سامر العرب منذ القديم، وقد رافقت القبائل والعشائر العربية البدوية المتنقلة حتى قبل أن يتحضّروا ويستقرّوا، واستمرت معهم بعد تحضرهم، وكانت ولا تزال ذات مهام اجتماعية وتسلوية، فهي توفر التسلية والمتعة، وتقدم ألحاناً شجية جميلة تعبر عن شجن العربي، كما أنها كانت وسيلة لنشر الفضائل بين الناس، كالكرم والصدق والشجاعة والإشادة بالمواقف الرجولية والنبيلة، ويعتبر (مَزْيَد) أن الربابة كانت بمثابة وزارة الإعلام في هذه الأيام، أما شاعرها فهو مثل الصحفي الآن، لأنه ينقل الأخبار والحوادث، ويعلق عليها، كما كان يتغنى بقصص الحب والعشق، ويمجد أحداث البطولات بأسلوب الشعر المغنى مع الربابة·
ولكن هل يشترط أن يترافق العزف على الربابة مع الإلقاء الشعري؟
يقول مَزْيَد: يمكن العزف على الربابة دون إلقاء الشعر، لكنه يفضل أن يترافق العزف مع الإلقاء الشعري، وبالطبع فليس كل من ينظم الشعر يعزف على الربابة، وليس كل من يعزف شاعراً، ولاشك أن من يجمع بين الموهبتين ينجح أكثر، ويكون أقرب لأذن ونفس المستمع·
الربابة والنساء
ليس باستطاعة أي شخص العزف على الربابة، هذا ما يقرره (مَزْيَد) مضيفاً: بما أن ألحان الربابة لم تنوط (!) فلا يوجد سوى ذاكرة العازف، لأن الألحان سماعية، وهي تتألق بالحب والهواية، لأنها كالسهل الممتنع بحاجة لأذن شفافة ونفس حانية وذاكرة قوية·
والربابة ما تزال على حالها منذ عرفت أول مرة، فلم تتطور، لكن تغيرها الوحيد انعكس في ألحانها، فقد كانت الألحان المعروفة منذ القديم خمسة أو ستة ألحان فقط، بينما يوجد الآن عشرات وعشرات الألحان التي أبدعها العازفون عبر الأجيال·
ولا علاقة للربابة بالنساء إلا كمستمعات، فلم يسمع مَزْيَد، ولم ير، ولم يعلم أن امرأة واحدة قامت بالعزف على الربابة، بينما يعلم أن كثيراً من القصائد المغناة على الربابة هي لنساء شاعرات·
محدثة الملوك ومعشوقة الدواوين
للربابة جلسات خاصة، وهي لا تحلق إلا في جو يلائمها، فقد كانت سابقاً تدعى بمحدثة الملوك، أو معشوقة الديوان، وهي تحتاج إلى الهدوء، وإلى الإنصات التام من قبل الساهرين أو السامرين، ويعبر مَزْيَد عن أسفه لأنها لم تعد تأخذ مكان الصدارة، وتقلصت أهميتها عن السابق، بسبب إهمال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لها، ولولا بعض الأعمال التلفزيونية البدوية لما ظهرت الربابة على شاشة التلفزيون· لكن محدثنا يدرك أن الزمن يتطور، والظروف تتغير، وأن جمهوره يتراجع، لكنه مع ذلك يصر على حماية هذه الآلة كجزء ثمين من التراث الشعبي الموسيقي الذي لا يمكنه أن يندثر مهما تضاءل تأثيره ودوره في الحياة الحديثة·

اقرأ أيضا