الاتحاد

دنيا

المكانسي طيارة: مكنسة القـش سيدة النظافة


دمشق ــ فاطمة شعبان:
المكنسة أداة مركزية في المنزل، ولهذا طرأت عليها الكثير من التحسينات والتطويرات لكي تقوم بمهامها كما ينبغي، ومن المكنسة التقليدية التي تعرفها القرى والأرياف والمدن وصولاً إلى المكنسة الكهربائية المتعددة الاستعمالات، ظلت مكنسة القش هي سيدة البيوت السورية· فهي مصنوعة من نبات القش، وهو نبات يزرع عادة حول البساتين من أجل حمايتها، ويستخدم لصناعة المكانس· وما زالت صناعة المكانس اليدوية من القش مهنة رائجة في سوريا·
حول هذه الصناعة وفي بلدة صناعتها الأبرز 'يلدا' كان لنا مع صانع المكانس محمد طيارة الحوار التالي:
؟ كيف أصبحت صانع مكانس؟
؟؟ نحن بالأصل عائلة من الفلاحين، عمل أفراد العائلة أباً عن جد في الزراعة، وكان نبات القش من ضمن ما تقوم العائلة بزراعته للاستفادة منه في استخدامات متعددة· لكن والدي شذ عن هذه القاعدة واختار أن يتعلم صناعة مكانس القش، وأصبح واحدا من المعلمين فيها· فتح ورشة خاصة به علمنا فيها أنا وأخوتي الأربعة أصول المهنة منذ الصغر، لم يفرض علينا العمل بها وترك لنا حرية الخيار، فاخترت العمل بها لأنني أحببتها من جهة، ولأنها أسهل من العمل بالزراعة من جهة ثانية· وبدأت العمل في هذه المهنة فعلياً منذ سن السابعة عشرة، وما زلت·
؟ كم ساعة تعمل في اليوم، وكم يحتاج إنجاز المكنسة الواحدة من وقت؟
؟؟ نبدأ العمل منذ الصباح ويمتد حتى العصر، وإذا كان لدينا طلبيات مستعجلة يمكن أن يمتد العمل حتى المغرب· ويتطلب إنجاز المكنسة الواحدة من عشردقائق إلى ثلاثين دقيقة، حسب حجمها وسرعة العامل وخبرته· نحن هنا في الورشة نوزع العمل لإنجازه بسرعة، كل واحد منا يقوم بجزء من العمل، واحد يقوم بفرز القش حسب الحجم، وواحد يقوم بصنع قبضة المكنسة، وواحد يجهز الحشوة وواحد يخيط المكنسة، وهكذا ينتهي العمل بسرعة·
مراحل الصنع
؟ ما هي مراحل صنع المكنسة حتى تأخذ شكلها النهائي؟
؟؟ نبدأ بتحضير القش الجاف من خلال ترطيبه بالماء حتى يسهل علينا العمل به، ثم نقوم بفرزه حسب ثخن القشة ونعومتها، لأن لكل قشة وظيفة محددة في جسم المكنسة، وتأخذ كل قشة اسمها حسب هذه الوظيفة، فهناك قش 'الحشوة' الذي نبدأ به أول مرحلة ونحشو به قلب المكنسة، ثم نستخدم القش 'القلاب' الذي نقوم بقلبه وتنعيمه لصنع قبضة المكنسة، ثم نضيف قش 'الستارة' الذي يستر الحشوة ويغطيها من الخارج· بعد ذلك تأتي مرحلة 'المزايرة' وهي عبارة عن شد جسم المكنسة بين قطعتين من الخشب تسمى 'الزيارة'، ويتم خلالها طرق القش بمطرقة خشبية خاصة لفرد وتوزيع القش بشكل متناسق حتى تأخذ المكنسة شكلها النهائي، تبدأ بعد ذلك عملية خياطة المكنسة لشد القش بعضه مع بعض وتمتين المكنسة، بعد الانتهاء من خياطة المكنسة يتم قص نهايتها بشكل متساو· عند الانتهاء من صنع كل المقشات توضع جميعها في غرفة التبخير طيلة الليل، وهي تشبه غرفة الساونا، ولكننا نستخدم هنا غاز الكبريت، الذي يعطي المكنسة لوناً متجانساً، بعد عملية التبخير نقوم بفرد المكانس في الهواء الطلق تحت أشعة الشمس حتى تجف تماماً·
؟ هل يختلف حجم المكنسة ونوعيتها حسب استخدامها؟
؟؟ أكيد، نحن نصنع مكانس متعددة الأحجام حسب استخدامها، المكنسة الصغيرة الحجم خاصة بتنظيف الحمامات، والمتوسطة الحجم متعددة الاستخدام فهي تستخدم لشطف البلاط والرخام في الصيف ولكنس السجاد والموكيت والبسط في الشتاء، وهذه المكنسة هي المطلوبة كثيراً· وهناك مكانس كبيرة الحجم لها عصا طويلة تستخدم استخدامات متعددة في المنازل وخارجها، وهذه كلها مكانس خشنة الملمس· أما المكانس الناعمة وتسمى 'المعسفة' فتستخدم في كنس الغبار عن الجدران والأسطح الناعمة، ويستخدم بعض عمال البناء المكانس الناعمة لتنعيم طينة الجدران، كما يستخدمها عمال الموزاييك وعمال الدهان كفرشاة·
تأثير طفيف
؟ منذ سنوات غزت المكانس اليدوية البلاستيكية والمكانس الكهربائية العديد من المنازل وأزاحت مكنسة القش عن عرش النظافة، ألم تتأثر مهنتك بهذا الغزو؟
؟؟ التأثير كان طفيفاً جداً، المكنسة البلاستيكية لم تستطع أن تنافس مكنسة القش لأنها لم تقنع ربات البيوت، كما أن مكنسة القش أخف وزناُ على اليد من المكنسة البلاستيكية، وهي أكثر متانة وجودة، وفاعليتها بالتنظيف أكبر سواء استخدمت على البلاط أو على السجاد·
وكذلك الأمر بالنسبة للمكنسة الكهربائية لم تستطع منافسة مكنسة القش بسبب أسعارها العالية التي لا تتناسب مع دخل غالبية الناس هنا، فاقتناؤها ترف لا يقدر عليه الكثيرون· كما أن استخدام المكنسة الكهربائية على السجاد بشكل مستمر يضر بالسجاد ويتلفه مع مرور الوقت، وهي لا تستطيع الوصول إلى الزوايا والأماكن التي تصل إليها مكنسة القش، لذلك ظلت مكنسة القش سيدة النظافة في معظم منازل المدن والأرياف والبادية·
ثم هناك أمر آخر لا علاقة له بصناعة المكانس وإنما بالتوسع العمراني لمدينة دمشق، جعل من بلدة 'يلدا' (بلدة تقع جنوب دمشق)، حيث أنتمي وأعمل، مركزاً رئيسياً من مراكز صناعة مكانس القش وربما الوحيد في ريف دمشق، ففي الماضي كان هناك أكثر من بلدة في غوطة دمشق تقوم بتصنيع مكانس القش، مثل المزة وكفر سوسة اللتان أصبحتا منذ سنوات نتيجة التوسع العمراني من أحياء المدينة الراقية·
طلبات خارجية
؟ هل يقتصر زبائن ورشتكم والورش الأخرى على سكان دمشق وريفها، أم هناك زبائن من مناطق أخرى، أو من خارج البلد؟
؟؟ يقصدنا العديد من الزبائن من خارج سوريا لشراء المكانس من ورشتنا والورش المجاورة، فهذا النوع من المكانس ما زال مطلوباً في العديد من الدول العربية، حيث يزداد عليها الطلب بشكل خاص في فصل الصيف فصل السياحة، كما يقصدنا العديد من الزبائن من لبنان والعراق ودول الخليج وإيران بعد إتمام زياراتهم للأضرحة والمقامات الدينية خصوصاً مقام السيدة زينب الذي تقع بلدتنا على طرف الطريق المؤدية إليه تقريباً، يشترون المكانس بكميات كبيرة يحملونها معهم عند عودتهم إلى بلادهم·
؟ ألم تفكر بإكمال تعليمك، أو البحث عن مهنة أخرى؟
؟؟ نحن كفلاحين قلما نكمل تعليمنا، غالباً ما نكتفي بالابتدائية الإلزامية، لأن أغلب عملنا في الزراعة التي نتعلمها بالوراثة من أهلنا، ثم أن عملي بهذه المهنة لا يحتاج لشهادات علمية إنما الخبرة فقط· لا أفكر بالبحث عن مهنة أخرى طالما أنا مرتاح هنا، فأنا أعمل مع والدي وأخوتي، ولا أعمل تحت إمرة شخص غريب يفرض عليً شروطه في العمل، فأنا عندي كمية محددة من القش عندما أنتهي منها أعود إلى منزلي· هنا أشعر بالراحة أبدأ بالعمل ساعة أشاء وأنهيه ساعة أشاء، كما أن دخلها المادي يؤمن لي جميع احتياجاتي العائلية·

اقرأ أيضا