الاتحاد

دنيا

الصدفة تقود الى اكتشاف جعيتا أردنية


عمان: توفيق عابد
الأردن ذاكرة تاريخية بجمالياتها وكل فترة وجيزة يكتشف علماء الآثار أو تلعب الصدفة دورا في الكشف عن منجزات حضارات مضت تضاف إلى مواقع ومعالم سياحية تزخر بها أرض الأنباط وأقواس الرومان ومدرجاتهم·
وما حدث مع السيدة أميرة الحمصي حجيج وهي مصورة فوتوغرافية محترفة ومبدعة يثير الدهشة والإعجاب، فقد غامرت وخاطرت بحياتها من أجل أن تكون سباقة، وأول سيدة اردنية تسيرت في المجهول لتسجل بكاميرتها كنوزا مخفية وتثبت للعالم أن وطنها الأردن خزانة للتاريخ والجمال·
نتيجة المغامرة أو المجازفة كما قالت أميرة الحمصي لـ 'دنيا الاتحاد' حملت مفاجآت سارة وغير متوقعة ففي وسط محمية 'برقش' بلواء الكورة في محافظة اربد (عروس الشمال) المعروفة بغاباتها الساحرة الجميلة التقطت صورا نادرة وواضحة لمعجزة طبيعية في باطن الأرض كما وصفها جيولوجيون رغم العتمة والبرد الشديد والخوف من الانزلاق·
جعيتا ثانية
وقالت أميرة الحمصي وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء قليلا: نزلت برفقة 12 من أعضاء الجمعية الأردنية للتصوير إلى عمق 3 أمتار في جوف الأرض، وكنت السيدة الوحيدة واجتزت ممرا ضيقا لا يتسع إلا لمرور شخص واحد، وقد عانيت قليلا في ذلك لأصل إلى فتحة ضيقة دخلتها بصعوبة أيضا لأتفاجأ بصخور ملساء متنوعة الأشكال والألوان تشكلت عبر آلاف السنين·
وترى الحمصي أن مغارة 'الظهر' كما يطلق عليها غاية في الروعة والجمال وربما تتفوق على أجمل مغارات العالم المكتشفة، وتضيف: لا أجانب الحقيقة إذا قلت أن اكتشافها جاء بالصدفة وهي مشابهة تماما لمغارة 'جعيتا' في لبنان التي يؤمها السياح من مختلف دول العالم·
وتتابع قائلة: أنها أجمل من مغارة جعيتا اللبنانية ويمكن إذا حصلت على اهتمام وتسويق سياحي أن تستقطب ملايين السياح من العالم فتشكيلاتها الطبيعية غريبة وجميلة جدا ليس لها مثيل في ألوانها·
وأثناء وجودي داخلها لم أشعر بصعوبة التنفس فالهواء نقي والمزعج فقط هو وجود أعداد كبيرة من الخفافيش التي تعيش في الأماكن المعتمة·
وتقول إن علماء آثار ألمان يدرسون الموقع للتعرف على تكويناته وكشف عمره بالضبط وقيمته الأثرية والتشكيلات الصخرية إضافة إلى نوع المادة البلورية اللامعة في هذه الصخور·
ذكرى وذاكرة
وتقول اميرة الحمصي في معرض ردها على سؤال: كنت دائما أحب الأشياء الغريبة الجديدة التي لم يلتفت أو لم تجذب انتباه أحد، لكن عيوني على الدوام تلتقطها وتحاول أن تفك رموزها وتسجل جمالياتها عبر الكاميرا لأعرف أشياء لأول مرة لم يعرفها آخرون وتكون ذكرى وذاكرة تغني عن الكلمات؛ فعندما سمعت عن المغارة من الزميل يحيى بني حمد هرعت إلى الموقع مصطحبة كاميرتي غير عابئة بالأخطار لأسجل حدثا فريدا يشبع فضولي ويشكل نقلة نوعية في حياتي ويحدث ضجة عالمية تلفت الانتباه وتضع الأردن مجددا على الخريطة السياحية العالمية·
ومنذ سنوات عمري الأولى أحببت الاكتشافات وحب الفضول للأشياء الجميلة فقد كنت تواقة لأعرف ماذا يدور وراء الأشياء وأتميز على نظرائي، فقد كنت أذهب إلى المدرج الروماني وأتسلق حجارته لأتفرج على الآثار وأعود لأحكي لأمي المرحومة يسرى الحمصي ماذا رأيت! وكنت أستأجر كاميرا وأتوجه إلى جبل الحسين لأصور سنابل القمح وهي ترقص مع نسمات الهواء الخفيفة، وللأسف لم تعد الحقول موجودة في الوقت الحاضر وحلت مكانها الأبنية·
تذكرت الله
وتقول أميرة الحمصي: عندما دخلت المغارة نسيت نفسي ولم أعد أتذكر شيئا في الخارج ولا أبالغ إذا قلت أنها عالم من السحر الحقيقي عمره ملايين أو آلاف السنين·· أنها جعيتا أخرى في المنطقة العربية، فهي معتمة وباردة جدا تغمرها مياه خفيفة ونقاط المياه تتساقط من سقفها وتتطلب حرصا في الحركة·· ألوانها رائعة جدا بتموجاتها من البنفسجي إلى البرتقالي فالأزرق ودرجات البني المختلفة وصخورها أشبه ما تكون بلوحات تجريدية ربانية لا يمكن ليد إنسان مهما أبدعت أن ترسمها، كما أن تشكيلاتها طبيعية غاية في الجمال والروعة يزينها تداخل الألوان·
وتضيف: لم أملك أمام هذا الجمال إلا أن أسبح لله تعالى على قدرته فهذا الجمال من الصعب وصفه بالكلمات ورغم مرور وقت ليس بالقصير على مغامرتي فما زلت مصابة بالاندهاش والانبهار، ومهما ملكت من ناصية اللغة فمغارة 'برقش' أو الظهر كما يسميها سكان المنطقة أكبر وأجمل من كل حديث·
وتواصل الحمصي حديثها بالقول: إنها عالم من الدهشة وقد سجلت بكاميرتي كل زاوية في الجزء الذي استطعنا الوصول إليه وهو 100 متر فقط لاحتمال تعرضنا للانزلاق والضياع في شعابها أو السقوط في إحدى الآبار غير الظاهرة فما زالت هناك مناطق غير مكتشفة لم تصل لها قدم إنسان·
فمغارة 'برقش' أو كما أطلقنا عليها 'جعيتا' الأردنية عالم رائع من الجمال فقد زرت مغارات في يوغسلافيا وتركيا ولبنان لكنها بكل أمانة أجمل بتشكيلاتها الطبيعية وألوانها المتفاوتة بين الأحمر والبرتقالي، فهي مغارة ربانية لن تصنعها يد إنسان فحبات المياه تتساقط من فوق والمياه تغمر أرضيتها ولا أحد يعرف من أين تأتي!·
لا كنوز مدفونة
وردا على سؤال قالت أميرة الحمصي حجيج: لا أعتقد بوجود كنز مدفون فيها وليس من السهل دخولها على انفراد فهي كما قلت معتمة وباردة ومن يدخلها دون إنارة قد يضيع ويموت من البرد وكل الذين يدخلون يستعينون بحبل أو 'دليل' ليتمكنوا من العودة سالمين·
وقبل فترة وجيزة حاول شابان أخذتهما الحمية وربما روح المغامرة دخولها فضاعا في دهاليزها وممراتها الضيقة لعدة ساعات ولم ينقذهما إلا فكرة تفتقت بعد أن دب اليأس في قلبيهما وهي قيام أحدهما بخلع بنطاله وإشعال النار فيه لإنارة الموقع والتعرف على مكانهما والعودة بسلام·
معرض فوتوغرافي وجوائز وملكية فكرية
وحول مشاريعها في المستقبل تقول إنها تخطط لاقامة معرض فني لمجموعتها الفوتوغرافية النادرة في شهر يوليو المقبل لتطلع الناس والمهتمين على هذا الكنز الأثري الذي لا يقدر بثمن، مشيرة إلى أنها قامت بتسجيل عدد كبير من صورها باعتبارها ملكية فكرية وشكت من سلوك بعض الشركات الخاصة التي 'سطت' على بعض الصور واستخدمتها في 'بروشوراتها' دون الإشارة إلى اسمها باعتبارها المصورة الوحيدة المالكة التي تنفرد بهذه الصور وتغاضت في الوقت ذاته عن حقوقها المالية ولم تتلق منها سوى وعود تنتظر الوفاء·
وقالت إنها عائدة من السودان بعد رحلة نظمتها الجمعية الأردنية للتصوير التي تحظى برئاسة فخرية من الأميرة منى الحسين وتحدثت بإعجاب عن حديقة 'الدندر' الحيوانية التي تقدر مساحتها بقدر مساحة لبنان، وقالت إن السودان يضم مقومات سياحية متنوعة تؤهله لاستقبال أفواج سياحية من مختلف دول العالم وشكرت السفير الأردني هناك على جهوده وتسهيل زيارة الوفد·
وختمت حديثها بالقول: مصورو الأردن بلا حقوق فصورهم تسرق ويقتات البعض على جهودهم وهم جالسون في مكاتبهم، وتمنت رعايتهم من مختلف المؤسسات سواء أكانت حكومية أم خاصة والحفاظ على حقوقهم المعنوية والمادية وأبدت استعدادها بإهداء أية جهة في الداخل والخارج الصور التي تريدها·
بقيت الإشارة إلى أن أميرة الحمصي حجيج فازت بأربع جوائز محلية ودولية ونالت عدة شهادات تقدير وأقامت معرضها الشخصي الأول عام 2002 بعنوان 'الذي أحب' وشاركت في 17 معرضا عربيا ودوليا و7 مهرجانات أردنية وعربية و12 مسابقة عربية ودولية·

اقرأ أيضا