صحيفة الاتحاد

ثقافة

ألبير قصيري.. ذكرى الغياب العاشرة

ألبير قصيري (أرشيفية)

ألبير قصيري (أرشيفية)

إيهاب الملاح (القاهرة)

على مدار يومين كاملين (أمس الاثنين، واليوم الثلاثاء)، يحتفي المعهد الثقافي الفرنسي بالقاهرة بالذكرى العاشرة لرحيل الكاتب الفرنسي، مصري الأصل ألبير قصيري (1913- 2008)، والذي أنتج على مدار عمره عدداً من الأعمال التي احتلت مكانها فيما يعرف بالأدب العربي الفرانكفوني، أو الأدب العربي الناطق بالفرنسية؛ وبرغم أن «قصيري» عاش معظم حياته في شوارع باريس وأزقتها، فإنه لم ينس أبداً أصوله المصرية، وتركت سنوات النشأة الأولى في مصر آثارها الغائرة على نفسه وروحه.
ويعد قصيري في رأي عدد من النقاد «من أهم الروائيين المصريين الذين ظهروا في القرن العشرين»، وهو ينتقي شخصيات هامشية استثنائية، ويحوّل أصحابها ببراعة إلى فلاسفة يتأملون كل شيء، وكأنهم يعيدون تعريف المسلّمات من جديد، وكأنهم يراقبون مأساة لا تخصهم وحدهم، ثم يمزج قصيري ببراعة بين السخرية والشقاء الإنساني، كوميديا سوداء فريدة تأخذ أبطاله إلى نظرة لامبالية تقترب أحياناً إلى العدمية.
وقد حازت أعماله شهرة كبيرة، وترجمت إلى أكثر من عشر لغات؛ منها الإنجليزية والألمانية والإيطالية والعربية، وإن كان هناك نقاد ومترجمون يرون أن ترجمته إلى العربية لم تكن بالمستوى المطلوب، وحتى قصيري نفسه قبل رحيله لم يكن راضياً عن مثل هذه الترجمات، خاصة روايته الشهيرة «شحاذون ونبلاء» التي ترجمها إلى العربية محمود قاسم، وبسبب ما أثير من لغط حول الترجمة، اضطر قاسم إلى الاعتراف بذلك في مقالة نشرت بجريدة «الحياة» بعنوان «هكذا ترجمته إلى العربية.. وأعتذر».
لكن هذا لم يكن حائلاً دون ترجمة بعض أعماله الأخرى إلى العربية عن طريق المركز القومي للترجمة، فصدرت عقب وفاته الترجمة العربية لروايته «ألوان العار» بتوقيع منار رشدي أنور، وهي رواية قصيرة تقع في 116 صفحة فقط من القطع الصغير.
بعض النقاد وصف الرواية بـ«الجوهرة الصغيرة الساحرة»، وهي تدور حول «نشّال»/‏‏‏‏ لص يرتدي أفخر الثياب، والده كفيف يعيش في بيت ينتظر السقوط، يسرق اللص بالمصادفة «محفظة» لص آخر كبير، مقاول ثري عماراته تسقط عقب بنائها، في المحفظة خطاب خطير يكشف تورط هذا المقاول مع شقيق وزير بالحكومة في فضيحة بناء تلك العمارات الهشة، يلجأ النشّال إلى أستاذه اللص الثالث الذي يتخفى وراء لحية رجل متديّن، فيأخذه الأستاذ إلى صديقه المعارض الذي اختار أن يسكن في مدافن أسرته، تُرى ما الذي سيفعله المعارض والنشال واللص الثالث لابتزاز المقاول في شأن إعادة المحفظة والخطاب الخطير للمقاول/‏‏‏‏ اللص؟
بهذه الحبكة المتقنة، تناقش الرواية مفهوم السرقة بطريقة غير مسبوقة وشديدة الطرافة، اللصوص الصغار في مواجهة اللصوص الكبار، الحوارات ساخرة وتدفع قارئها إلى الضحك المرير.
قصيري من مواليد حي الفجالة عام 1913 وتوفي في فرنسا عام 2008، وكان قد استقر بها منذ العام 1945، ومع ذلك فلم تفارقه مصر أبداً، كان يقول: «لست في حاجة إلى أن أعيش في مصر، ولا أن أكتب بالعربية، فإن مصر في داخلي، وهي ذاكرتي».
في حجرة متواضعة بفندق لويزيانا الباريسي، عاش ومات ألبير قصيري، الساخر الذي كان صديقاً مقرباً لكبار كتاب القرن العشرين؛ مثل ألبير كامي، وسارتر، وهنري ميللر، ولورانس داريل، والذي قدمت السينما المصرية ثلاثة أفلام مأخوذة عن رواياته.