غالية خوجة (دبي) الموسيقى لا تلامس حاسة السمع فقط، بل تؤثر في فضاءات الأرواح فلا تغادر إلاّ إليها، وهذا ما فعله خواكين رودريغو (1901/&rlm&rlm1999)، الموسيقار الإسباني الفالينسي، صاحب الذاكرة الأندلسية وهو يخطّ على الريح نبضات قلبه، خاصة، في الكونشيرتات وأشهرها معزوفة (آرانجوز/&rlm&rlm مونامور)، التي كتبها من خلال لاوعيه، حين فقد ابنه، وهو الموسيقار الأعمى الذي عانى من فقدان الأشخاص والبصر، لكنه عانى، أيضاً، من وافر الإحساس العالي، وكتابته، فكانت الآلات الوترية هي المتناغمة مع روحه (الغيتار) بشفافيته، وملامسته لـ(صول) الروح، والنبض، والحياة، رغماً عن البُعد النهائي الذي يدور في نفق اللاعودة، مثلاً (الموت). وهو حين تغلغل في احتمالات النغمة، ولاوعيها تغلغل أيضاً، في التساؤلات الكونية ذاتها من خلال الموسيقى، وحركتها الدرامية المشبعة بالطمأنينة، وتراتيل السكون، والغوص في الماوراء. المصغي لهذه المعزوفة، يشعر كيف يتحرك قلبه في اتجاه الشمس، ليشد خيوطها إلى أشجار اللغة، وغروبات المعنى، وتحولات الفلسفة الراحلة مع المخيلة إلى شواطئ النهايات الكونية والتكوينية، وانبعاثاتها في الغيب بهيئة حضور يحضر ولا يحضر. لكن، ما الذي يتشابك بين الرؤيا الفلسفية الحكيمة لخواكين وبورخيس؟ بلا شك، لا نقصد فقدان حاسة البصر، بل ما يتحرك في الاحتمال الذي لا ينتهي للسؤال، وما تُنتجهُ نقطة اشتباك الحواس بالبصيرة، والحدوس، وما تكشفه أصوات الصمت في أعماق الذات، والطبيعة، والعالم المصاب بروح أزلية، وملاحم من التكوينات والتشكلات والدوران الذي يبدأ مع هذه المعزوفة من الأعماق الجوانية، ثم يصعد، فجأة، إلى الألم، وقطرةً، إثر قطرة، تتراكم الموسيقى في الينابيع، ومدارات الكواكب، وما يهطل من أسئلة، ليصير لوحاتٍ وجدانية، يرسمها الإنسان في كل زمكانية. وتتفاوت ثقافة المتلقي، وعاداته، وتآلفه مع الصدى القادم من صوت الكونشرتو، ويتحول في عالمنا العربي إلى معزوفة رومانسية، حيناً، ربما لأن الإنسان العربي ليس على تداخُلٍ متناسب مع ما ترسله الموسيقى الكلاسيكية، أو ربما لأن بعض الإبداعات الموسيقية، تتعدد دلالاتها كالنصوص الأخرى، وتلامس شِغاف الآخر وتتركه في بحيرات من الحيرة والتساؤل. الموسيقى محاولة لمعرفة الذات، واكتشاف الكون، ولغة لا تترك بين درجاتها وحروفها ولغتها سوى ما تريد أن تتركه، وإلى الأبد. خواكين الذي تعلّق بالموسيقى منذ كان في عمر (8) سنوات، شعر بأن حياته سلسلة متواصلة من العذابات والتساؤلات، لا يختمها الموت، لماذا؟ لأنها بوابات مطلّة باستمرار على المجاهيل والكون، فلا هي تتلصّص عليه، ولا هي تنشغل بما دونه، لكنها تتواصل في الغوص بعيداً، بعيداً، إلى ضوء يجرّب ألاّ ينطفئ أو يغيب أو يمحو آثاره. هل تكفي العلوم لمعرفة الكون وفهْم الإنسان؟ وهل يكفي أن يموت الإنسان ليشعر بنهايات التفاعيل وجراحها وما تُراكمه من احتمالات موسيقية؟