الاتحاد

الاقتصادي

المصريون بالخارج يتجهون بمدخراتهم إلى الأسهم والعقارات


القاهرة ـ محمود عبد العظيم:
تعاني سوق النقد والصرف في مصر هذه الأيام أزمة ذات وجهين يلقيان بظلالهما وآثارهما السلبية على تحويلات ومدخرات المصريين العاملين بالخارج·
ويتمثل الوجه الأول للأزمة في استمرار تراجع سعر صرف الدولار امام الجنيه بفعل عوامل متعددة وهذا التراجع وان كان يمثل احد علامات التعافي للاقتصاد المصري فانه يمثل انخفاضا في القيمة الحقيقية لمدخرات العاملين بالخارج وقدرتها الشرائية بينما يتمثل الوجه الثاني في استمرار تراجع اسعار الفائدة على الودائع بالجنيه في البنوك المصرية لتتراوح في حدها الأقصى بين 8 و8,5 في المئة الأمر الذي يخلق مشكلة معقدة امام أصحاب المدخرات فيما يتعلق بتوظيف واستثمار هذه المدخرات ويجعل خيارات استثمارها محدودة بعد ان سقط خيار ايداعها في البنوك·
وفي ظل تأكيد عدد من المؤشرات استمرار تراجع الدولار وانخفاض اسعار الفائدة يرشح خبراء سوق الصرف في مصر هذه الأزمة لمزيد من التعقيد والتشابك خلال المرحلة المقبلة خاصة وان تنامي مؤشر التضخم يهدد بتآكل الفارق بين سعر الفائدة على الودائع ومعدلات التضخم الحقيقية التي تدور بين 6 و7 في المئة رغم ان الأرقام الرسمية المعلنة من وزارة التخطيط تحصر معدل التضخم في مصر خلال الربع الأخير من العام 2005 في حدود 4,5 في المئة·
وهذه الأزمة التي يسدد فاتورتها 4 ملايين مصري يعملون خارج البلاد ويدور اجمالي تحويلاتهم السنوية حول ثلاثة مليارات دولار تدفع أصحاب المدخرات إلى البحث عن آليات توظيف بعيدة عن الجهاز المصرفي مما يهدد بعودة ظاهرة شركات توظيف الأموال خاصة بعد ان تمكنت اجهزة الأمن من ضبط عدة شركات توظيف أموال ظهرت في القاهرة والإسكندرية وبعض مدن الدلتا مثل طنطا والمنصورة على نطاق ضيق خلال الشهور الماضية مما يعني ان الظروف العامة باتت مهيأة لعودة هذه الشركات· اما الذين لن يتجهوا بأموالهم لهذه الشركات ممن يتمتعون بدرجة من الوعي فانهم يجدون أنفسهم مدفوعين إلى طريقين للاستفادة بهذه المدخرات وهما بورصة الأوراق المالية وسوق العقارات وهو ما بدا واضحا في الفترة الأخيرة حيث شهدت السوقان نوعا من الانفلات السعري غير المسبوق تحت وطأة سيولة ضخمة خلقت واقعا جديدا في عالم العقارات المصري وسوق الأوراق المالية على السواء·
عوامل متعددة
ويرى حسين عبدالعزيز - رئيس البنك الأهلي المصري - ان ثمة عوامل عديدة تقف وراء حالة الاستقرار النسبي في سوق صرف النقد الأجنبي في مصر واستمرار انخفاض سعر الدولار عكس توقعات جميع المحللين· ومن بين هذه العوامل ارتفاع صافي الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي المصري ليتجاوز 22 مليار دولار نهاية ديسمبر الماضي مما عزز الثقة ووفر المعروض من الدولار ومنح المستوردين شعورا بالاطمئنان بإمكانية تلبية طلباتهم وتغطية احتياجاتهم من الدولار عبر الجهاز المصرفي في أي وقت وساهم ذلك في تخفيف الضغوط النفسية على السوق·
وأوضح ان هذه العوامل تشمل أيضا التدفق الدولاري الكبير على مصر خلال شهور الصيف في شكل استثمارات مباشرة من خلال شراء الشركات والاصول العامة بعد تنشيط برنامج الخصخصة حيث بلغت قيمة هذه الصفقات أكثر من ملياري دولار على مدى العام الماضي أو في شكل استثمارات غير مباشرة متوجهة إلى البورصة قادمة من مؤسسات وصناديق عربية وأجنبية متنوعة وهي استثمارات يتم تحويلها إلى العملة المحلية قبل ان توجه للبورصة·
ويضاف إلى ذلك انتعاش القطاع السياحي وتدفق موارد ضخمة من العملات الأجنبية عبر هذا القطاع بعد ان بلغ عدد السياح الذين زاروا مصر العام الماضي أكثر من 8 ملايين سائح· كما ان موارد قناة السويس شهدت ارتفاعا ملموسا في العام الماضي لتبلغ -حسب بيانات البنك المركزي- 3,8 مليار دولار وهو الدخل الذي يعد الأعلى في تاريخ القناة بالاضافة إلى زيادة عائد الصادرات بعد ان حققت الصادرات المصرية قفزة كبيرة لتتجاور أكثر من 7 مليارات دولار مع خفض فاتورة الواردات·
واكد ان هذه العوامل ساهمت في توفير المعروض من الدولار في السوق وفي شركات الصرافة وادت إلى اختفاء الهاجس النفسي لدى الأفراد خاصة في المواسم مثل الحج والعمرة وأوقات مراجعة الميزانيات· كما ان اتباع آلية 'الانتربنك الدولاري' وفرت الدولار بين البنوك وانهت عدم التوازن الذي كان قائما في الجهاز المصرفي بين بنوك كانت تعاني من الندرة واخرى تتمتع بالوفرة الدولارية· والآن 'الانتربنك' ضمن عملية تدفق في كل الاتجاهات بين البنوك ولم يعد لدى أي بنك نقص في احتياجاته الدولارية·
ويؤكد رئيس البنك الأهلي ان هذه الأسباب تضافرت لتدفع بسعر صرف الدولار لأسفل في الشهور الماضية حيث تراجع من 625 إلى 575 قرشا في أقل من عام ثم واصل تراجعه من 575 إلى 572 قرشا خلال الشهرين الماضيين· ويتوقع حسين عبدالعزيز ان يواصل سعر صرف الدولار تراجعه في السوق المصرية خلال الفترة المقبلة ويرى ان البديل الذي يلجأ إليه أصحاب المدخرات من المصريين العاملين بالخارج هو الاحتفاظ بمدخراتهم بالدولار لدى الجهاز المصرفي وان كان يؤكد ان التحويل إلى الجنيه هو الأفضل للاستفادة بفارق سعر الفائدة على الودائع بالجنيه مقارنة بسعر الفائدة على الودائع بالدولار وهو الذي يرتبط بالسوق العالمية ولا دخل للبنوك المصرية به·
سياسة مستهدفة
ويرى عبدالرحمن بركة - العضو المنتدب لبنك 'بلوم-مصر' -مصر رومانيا سابقا- ان ما يجري في سوق أسعار الفائدة في مصر هو انعكاس لتحرير سياسة أسعار الفائدة واطلاق حرية البنوك في تحديد سعر الفائدة الدائن والمدين كل حسب ظروفه وسياسات نقدية غير مباشرة للبنك المركزي تستهدف ضبط معدلات التضخم· من هنا يمكن تفهم عمليات الخفض المتوالي لسعر الاقراض والخصم -وهو السعر الذي يعلنه البنك المركزي- على مدى الشهور الماضية مما ترتب عليه تراجع نسبي لمعدلات اسعار الفائدة التي كانت تدور بين 11,5 و12 في المئة قبل نحو عام ونصف إلى أقل من 8,5 في المئة حاليا ومع ذلك فان عمليات الخفض مستمرة وتقودها البنوك الخاصة التي خفض بعضها الأسعار إلى 6 و7 في المئة مؤخرا·
ويفسر بركة أسباب لجوء البنوك إلى خفض اسعار الفائدة بعدد من العوامل في مقدمتها توفر سيولة هائلة لدى الجهاز المصرفي المصري حيث سجل معدل الودائع بالعملة المحلية نموا هائلا عامي 2004 و2005 بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المئة وبلغ حجم هذه الودائع أكثر من 524 مليار جنيه وهذه السيولة تشكل أزمة معقدة للبنوك التي يجب ان تبحث عن آليات توظيف جيدة وآمنة ومربحه لهذه الأموال وفي ظل محدودية قنوات التوظيف وانكماش الائتمان في الفترة الماضية كان لابد من خفض أسعار الفائدة ويسعى البنك المركزي المصري من وراء خفض أسعار الاقراض والخصم وفوائد الليلة الواحدة في قروض 'الانتربنك' بالعملة المحلية بين البنوك لاعطاء اشارة ايجابية لسوق الاستثمار بهدف تخفيف الضغوط على المشروعات الاستثمارية التي تلجأ للحصول على تمويل توسعاتها من الجهاز المصرفي عبر خفض تكلفة التمويل حتى تستطيع هذه المشروعات خلق مزيد من فرص العمل وتعزيز قدراتها التنافسية في الأسواق الخارجية·
كما يأتي هدف آخر يتمثل في مواجهة معدلات التضخم لأن جزءا من العوائد على الودائع المصرفية يذهب إلى الجانب الاستهلاكي ومن ثم يحدث في احيان كثيرة ان ترتفع أسعار السلع والخدمات وتعد اسعار الفائدة احدى أدوات السيطرة على التضخم في إطار حزمة السياسات النقدية في كل بلاد العالم·
ويرى العضو المنتدب لبنك 'بلوم' ان هذه الظاهرة وان كانت تبدو ذات آثار سلبية على مدخرات المصريين العاملين في الخارج فان لها وجها ايجابيا يتمثل في دفع أصحاب المدخرات للبحث عن بدائل استثمارية غير تقليدية للاستفادة بفائض الأموال حتى لا تتعرض 'للتآكل' أو تتراجع قيمتها الشرائية بعيدا عن القنوات المصرفية لأن البنوك لم تعد آليات الاستثمار الوحيدة·
ويؤكد أحمد قورة - رئيس البنك الوطني المصري - ان ثمة فكر استثماريا جديدا يسود المنطقة العربية في هذه المرحلة وهو فكر يتسم بالايجابية والديناميكية وعلى المصريين العاملين بالخارج وأصحاب المدخرات الاستفادة من هذا التوجه فعلى سبيل المثال في دول الخليج العربي هناك قليل جدا من المواطنين الذين يحتفظون بأموالهم لدى الجهاز المصرفي وتتجه الغالبية العظمى لاستثمار أموالها اما بطريقة مباشرة في سوق الأسهم أو في سوق العقار أو بطريقة غير مباشرة من خلال صناديق الاستثمار العديدة والمتنوعة في منتجاتها والتي تلبي كافة احتياجات هؤلاء الأفراد خاصة وان المصارف الخليجية لعبت دورا في تعزيز هذا الاتجاه من خلال مبادراتها المتعددة بانشاء الصناديق والمؤسسات المالية الأخرى·
واكد وجوب التوسع في تطبيق هذا الفكر الجديد في السوق المصرية لاستيعاب فائض السيولة لدى الأفراد وتوجيهه التوجيه السليم وقد بدأت بنوك عدة الانتباه لمخاطر هذه الظاهرة وهي سيولة ضخمة وفوائد أقل وبدأت انشاء صناديق استثمارية جديدة ومنها البنك الوطني المصري الذي بدأ قبل أيام قليلة إجراءات اطلاق صندوق استثماري جديد برأسمال 200 مليون جنيه وإذا قام كل بنك بتأسيس صندوق أو اثنين يمكن امتصاص جزء من فائض السيولة المتاح·
واوضح ان هناك متغيرا آخر في المنطقة العربية وهو انفتاح البورصات العربية على بعضها وتعديل التشريعات الحاكمة لعمل هذه البورصات خاصة في أسواق المال الخليجية حيث سمحت الدول لغير مواطنيها بتملك الأسهم وأصبح من الممكن للمصريين العاملين في دول الخليج الاستثمار في اسهم الشركات المتداولة في بورصات هذه الدول أي أن هناك بدائل استثمارية متعددة ومتنوعة وتزداد يوما بعد يوم كما شهد مناخ الاستثمار في مصر تحسنا كبيرا يتيح مزيدا من الفرص الاستثمارية الواعدة والتي يمكن ان يوجه العاملون بالخارج أموالهم إليها بالاضافة إلى سوق المال التي تعيش مرحلة من الازدهار الكبير ويحقق البعض فيها أرباحا طائلة·

اقرأ أيضا

«دبي للطاقة» تبحث إضافة «مربان» كخام إضافي