الاتحاد

الطريق المسدود


مقالي يبدأ بقصة من وحي الخيال أو من التاريخ أو من الواقع لك أن تصنفها بما تهواه نفسك، وهذه القصة لطفل كان وحيد أبويه فاضا عليه حباً وحناناً وشفقة وعطاء وكان عيونهما التي يبصرون بها وفؤاديهما اللذين ينبضان حبا وشوقا له، حرم الوالدان نفسيهما من مباهج الدنيا ومفاتنها وعاشا حياة شقاء وذل ومهانة من أجل أن يوفرا لولديهما العيش الرغد والحياة السعيدة وأن يجنباه قسوتها وجبروتها، فحقق الوالدان حلمهما الذي كان يغازل خيالهما طوال سنين حياتهما بعد أن ذاقا الأمرين، فتخرج ابنهما ونال أعلى الشهادات وتقلد أسمى المناصب وبعد كل هذه الرحلة الشاقة نسى الابن العاق قصة كفاح والديه وجهادهما من أجل إسعاده فأخذ يسخر منهما ويهزأ بهما ويذيقهما ألوانا من العذاب والذل والمهانة بتجريحهما والتعالي عليهما بل تطاول عليهما بالسب الجارح والقول الفاحش والتهم المزيفة، طغى واستكبر وخان الأمانة وتطاول عليهما فكان غضب رب العالمين عليه من جنس عمله فصدمته سيارة ولم تود بحياته لتريحه من عذاب الدنيا بل فقد الذاكرة على أثرها وظل هائما على وجهه في الطرقات غائب العقل فاقداً حنان ربه ورحمته، ومضيعاً عطف والديه·
وهذا الإنسان العاق لوالديه والجاحد لنعم الله عليه قصته كقصة مسؤول ذات مكانة مرموقة، وفقه الله فتسلق سلم النجاح واعتلى أرقى المناصب وخلد ذكراه في كتب التاريخ بأحرف من نور كان خادماً لوطنه، وكان معروفاً عنه أنه صاحب مبدأ وصانع الأمجاد ولكن ها هي حال الدنيا ضل صاحبها لا تبقي على أحد، ففجأة وكما شرب من كأس عذوبتها تناول بيديه كأس المرارة والحرمان فترجل كرسيه لتجاور خطاه خطانا وتخالط أنفاسه أنفاسنا فتكشف لنا خطواته عن اعوجاج في دربه وتنم أنفاسه عن رائحة كريهة تملأ فمه، فيتاجر بوطنه ويلوث تاريخه ويشوه صورتنا ويصير كالجمل الأجرب يفر منه العالم أجمع ولا يجد له مكانا يأويه أو وطناً يقله أو صاحباً يحميه·· فما أقبحكم يا ذوي الوجوه المقنعة والألسن المزيفة، والأنفاس الكريهة والنفوس الضعيفة والخطى الملتوية خنتم عهودكم وضللتم أسمى معاني الانتماء وهو الانتماء للوطن·· اختم مقالي بوصية نابعة من أعماق قلبي:
اياكم ثم اياكم ثم آياكم ثم··· وعقوق الوالدين أو خيانة الوطن·
محمود عبدالباقي

اقرأ أيضا