الاتحاد

دنيا

أستانا «عروس» آسيا الوسطى تحكي روايات في الإنجاز

خيمة «خان شاطر» مرآة أستانا المنتظر إدراجها في موسوعة «جينيس»

خيمة «خان شاطر» مرآة أستانا المنتظر إدراجها في موسوعة «جينيس»

يظل الوصف متواضعا في العاصمة الكازاخستانية أستانا إلى حين زيارتها والتعرف على معالمها التي تمنحها عن جدارة لقب “عروس السياحة” في آسيا الوسطى؛ فهذه المدينة الفتية التي لم يمر على تطويرها أكثر من 12 عاما، تضم عشرات المرافق الحيوية الفريدة بشهادة كبار خبراء العمارة. والتجول في شوارعها أشبه بمن يقلب صفحات خريطة فنية صممت بحرفية عالية تحاكي الفخامة في كل تفصيل. نبدأ من مركز التسوق والترفيه الأول من نوعه “خان شاطر” الذي افتتح الشهر الفائت، والمشيد على شكل هرم مخروطي أو خيمة زجاجية هي الأكبر في العالم. وينضم هذا الصرح إلى قائمة المعالم الأبرز مثل ساعة برج لندن وبرج إيفل في باريس وتمثال الحرية في الولايات المتحدة.

بمجرد الخروج من مطار أستانا الدولي، تلوح معالم حضارة مختلفة كل ما فيها جديد ومثير للاستفسار. الطقس الجميل والحدائق المرسومة بالزهور، تدعوك لأن تفتح نافذة السيارة، وتراقب بانتعاش تلك التشكيلة الهندسية من مبان وساحات تضعها ضمن الأماكن التي ستزورها خلال إقامتك. ولا يبخل عليك سائق التاكسي بالشرح عن المحطات التي شهدتها المدينة الحدث، والتي تشرف منذ سنوات على تخطيط أبرز مرافقها مؤسسة “سيمبول” التركية بالتعاون مع أهم الإستشاريين العالميين في مجال التصميم والتنفيذ.
تطل من هنا منتجعات مبنية على مساحات شاسعة ومن هناك تمتد أهم المرافق السياحية للبلاد في تقسيم هندسي تمت دراسته بشكل يتيح التنقل بخط مستقيم من مبنى فني إلى آخر. وعلى طول الشارع نفسه وعند تقاطعات متوازية يتربع نصب العاصمة الشهير والقصر الرئاسي ومسرح الهرم الزجاجي العجيب، وبرج “بايتيريك”، ومركز “خان شاطر” المنتظر أن يدرج في موسوعة “جينيس”. وعلى مقربة من رموز المدينة تتفرع المرافق التي تشكل كذلك مصدرا للجذب السياحي ومنها متحف “قصر السلام والمصالحة” والمدينة الرياضية ذات السقف المتحرك وجامعة نور سلطان نزارباييف.
شاطئ مغلق
بداية الرحلة في أيقونة آسيا الوسطى الغنية بمصادرها الطبيعية ومعالمها السياحية، لابد أن تكون من آخر مستجداتها في فن العمارة خيمة “خان شاطر” المركز الترفيهي الأضخم في المنطقة، والذي افتتح الشهر الفائت على شكل أكبر خيمة زجاجية في العالم تقديرا لأهمية الخيمة في التراث الكازاخستاني. ينتصب هذا الصرح المعماري الفريد الذي بات يشكل مرآة للدولة عند محور المدينة بارتفاع 150 مترا وبمزايا تقنية جديدة وماهرة ملتفة بالألواح الزجاجية، وهو من تصميم المهندس البريطاني الشهير اللورد نورمان فوستر المعروف بإبداعاته وأفكاره الفريدة على مستوى العالم.
المبنى من الداخل لا يقل روعة عنه من الخارج، وهو مزين بأشجار النخيل التي ترتفع حتى 7 أمتار. ويعتبر أول مركز تسوق في العالم يحتوي على شاطئ مغلق مع رمال يتم تسخينها صناعيا استقدمت خصيصا من جزر المالديف لتمنح الشعور بأجواء البحر الحقيقية غير المتوافرة في المدينة. وأكثر من ذلك حديقة ألعاب مائية وحوض سباحة ومسبح أمواج ضمن مشهد يثير الإعجاب في قدرة الهندسة الذكية على جعل المستحيل ممكنا. ويضم المركز مدينة للملاهي فيها آليات حمراء وزرقاء وصفراء تسير على أسلاك معلقة بالهواء تنزلق بدقة على شكل منحدرات من طابق إلى آخر. وفيه 160 متجرا وعلامة تجارية عالمية تدخل البلاد للمرة الأولى. والخبر السار لزوار أستانا في مختلف الفصول أن المركز تم تصميمه ليتيح أجواءً دافئة على مدار السنة في ظل الظروف المناخية للمدينة والتي قد تصل فيها الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء و40 درجة مئوية في الصيف.
والأنشطة المنوعة التي يوفرها تناسب مختلف الأعمار بحيث يتسنى لأفراد الأسرة أن يمضوا اليوم كله في أرجاء “خان شاطر” ويشعر كل منهم بالاستمتاع. فعشاق لعبة الجولف يمكنهم أن يمارسوا هوايتهم هناك أو تجربة منصات الألعاب الدوارة أو حتى الدخول إلى واحدة من قاعات السينما وعددها 6. أما المراهقون فلهم أن يتمشوا في المتنزهات الخضراء أو يجربوا حلبة السيارات الكهربائية أو الشاشات الإلكترونية والملاعب الرياضية. وللأطفال أن ينعموا بمنطقة مخصصة لهم تمتد على مساحة 9000 متر مربع فيها كل ما يشتهونه من فرص للهو ضمن بيئة آمنة. والمثير في هذا المركز المفعم بالأفكار الاستثنائية، أنه يوفر خدمات الحمام التركي وجلسات العلاج والتدليك في قسم “السبا”، إضافة إلى قاعة لممارسة اليوجا وصالات اللياقة البدنية.
أعجوبة عصره
في اليوم الثاني من زيارتك لأستانا ننصحك أن تبدأ جولتك من متحف “قصر السلام والمصالحة”. ويكفي أن تتأمل معروضاته التراثية حتى تتعرف على الوجه التقليدي للبلاد التي على الرغم من التمدن الملموس فيها غير أنها تعتز بإرثها. وأبرز خيوطه، عدا عن الخيمة المكتسية بأنواع البسط والأغطية الصوفية والمخملية، أصناف السجاد المحاكة يدويا. وكل ما يتعلق بالخيول من اكسسوارات لكثرة أعدادها في هذه المنطقة. والجدير ذكره أن إكرام الضيف هناك، هو بإطعامه من لحم الحصان الحلو المذاق والذي يقدم على شكل شرائح باردة. وعند الخروج من المتحف لا تنسى أن تلتقط الصور التذكارية في الباحة الخارجية وأن تتأمل في ألوان الزهور الصاخبة المماثلة لتلك التي ستراها أينما توجهت في تلك الربوع.
وعلى مقربة من المكان يمكن التنقل سيرا على الأقدام إلى الصرح الموازي للمتحف، وهو مسرح الهرم الزجاجي الذي اعتبر حين تشييده قبل 4 سنوات أعجوبة عصره. وأغرب ما فيه ذلك المصعد الكهربائي الذي ينقلك صعودا وهبوطا ما بين مستوياته التسعة، بدرجة منحنية بحسب انحناءات الهرم. وتلك الألواح الزجاجية التي تلفه من أعلى إلى أسفل تضمن حفاظه على حرارة معتدلة طوال الوقت. وتضم على سعتها 136 طائرا مرسومة باللون الأبيض تمثل عدد الجاليات التي تقطن البلاد. والمسرح يضم قاعات للاجتماعات والأفراح وإقامة الحفلات الرسمية والعروض المسرحية العالمية.
من هناك اسأل عن “ستاد أستانا أرينا” أو المدينة الرياضية وتوجه إليها لتكون واحدا من بين 30 ألف مشاهد يمكنهم الاستمتاع بالألعاب التي تستضيفها وكذلك بالحفلات والاستقبالات العالمية التي تنظم على أرضها. وقبل مغادرتك أرض الملعب تلفت إلى أعلى ولاحظ السقف المتحرك الذي يتم فتحه صيفا ومعاودة إغلاقه شتاء.
بعد هذه الجولة قد يكون من المناسب الخلود للراحة، ولكن وسط أجواء سياحية تضمن الاستفادة من الوقت. وأكثر مكان يقصده السياح العرب هناك، حديقة فندق “ريكسوس بريزيدنت” المصنف 6 نجوم. الحديقة الواسعة تنتشر فيها الخيم الزرقاء المفتوحة على الهواء إلا من ستائر حريرية بيضاء تتطاير حينا على اليمين وحينا على اليسار لتداعب المنظر العام للمدينة.
400 نموذج للمدينة
إذا كانت زيارتك لأستانا قصيرة ولا يسعك الوقت لاستكشاف كل رموزها المثيرة وكذلك مشاهدة مناطق أخرى من كازاخستان، فما عليك سوى التوجه إلى متحف الهواء الطلق “أتاميكين” واسمه يعني بالعربية أرض الأم. هذا المكان الرحب الذي لا يبعد عن قلب المدينة أكثر من 10 دقائق، يمنح السائح فرصة غنية بالمعلومات للتعرف على خريطة البلد بتفاصيلها المعمارية من دون الحاجة لمغادرة العاصمة. المتحف الذي أنشئ عام 2001، مشيدا وسط حديقة شاسعة فيها ارتفاعات هضبية مطابقة لطبيعة البلاد الجغرافية. والملفت فيه، أنه عند الباب يستقبلك فتيان وفتيات المدارس الذين يعملون خلال الإجازات كأدلاء سياحيين. يشرحون لك عن التاريخ العمراني لمحافظات بلادهم بأجزائها القديمة والحديثة بكل فخر واعتزاز. وفي المكان يتربع صيفا أكثر من 400 نصب ونموذج مصغر للمدن الكازاخستانية بطرقها وأنهرها وجبالها وقصورها ومساجدها وفنادقها وبيوتها وكل المرافق الحيوية والبنى التحتية فيها.


خيمة الإرث والحداثة

خيمة “خان شاطر” تظهر الإبداع في المزج بين أحدث خطوط فن العمارة مما يجعلها الأكبر من نوعها في العالم، وبين الحفاظ على قيمة الإرث التاريخي للبلد. فالخيمة الكازخية بمفهومها التقليدي كمكان للمسكن والمبيت والضيافة، لا تزال حتى اليوم تظهر في مختلف المرافق سواء في صالات العرض أو في الباحات العامة وعلى الطرقات وتباع بكثرة كمجسمات صغيرة في المتاجر والأماكن التي يقصدها السياح. وزائر أستانا لا بد أن يدخل إلى واحدة منها على الأقل، ويتلمس دفء المفارش التي تكسوها من السقف إلى الأطراف والأرضية. ولا بد له أن يجلس حينا على أرائكها ذات الألوان الصاخبة أو على أسرتها الخشبية المزخرفة بالنقوش الفتانة.

يوم تاريخي

شهدت أستانا في 5 يوليو الفائت الافتتاح الكبير لمركز التسوق والترفيه “خان شاطر” بالتزامن مع الذكرى السنوية الـ 12 لإعلان أستانا عاصمة للجمهورية الكازاخستانية. وشهدت منطقة وسط المدينة احتفالا رسميا حضره رئيس الدولة نور سلطان نزار باييف والكثير من أعيان البلاد المجاورة والصديقة. وأحيا اليوم التاريخي مغني الأوبرا اللإيطالي الشهير أندريا بوتشللي. ولعل أبرز المزايا التصميمية في المشروع هو استخدامه لمادة “الإثيلين تيترافلوريوثلين” الشفافة التي تتيح دخول ضوء النهار إلى داخل المركز مع توفير ملاذ آمن من الأحوال الجوية المتقلبة، مما يجعلها المادة المثالية للاستخدام في الأجواء المناخية القاسية.

مشاريع

ساهمت الشركة التركية “سيمبول للإنشاءات” في بلورة وجه كازاخستان الحديث عبر مشاريع رائدة تم إنجازها خلال زمن قياسي. وإلى جانب مركز “خان الشاطر” للتسوق والترفيه، أنجزت الشركة التي تأسست في تركيا عام 2000 على يد رجلي الأعمال فتاح تامينس وأيتكين جالتيكين، الكثير من المشاريع المهمة. بينها “ستاد أستانا أرينا” أو المدينة الرياضية، ومتحف “قصر السلام والمصالحة”، وفندق “ريكسوس بريزيدنت”، و”ريكسوس ألماتي”، و”قصر الاستقلال”، وبرج “باركفيو أوفيس تاور”. ومن بين المشاريع التي تقوم بإنجازها حالياً في البلاد “جامعة نور سلطان نزارباييف”، و”مركز التزلج على الجليد”، و”مسجد أستانا”، و”الأكاديمية العسكرية الوطنية”، و”المركز الإعلامي”، ومنتجع “بوروفوي ليك”.

اقرأ أيضا