الاتحاد

لا أحد ينسى الطيب


ما أكثر من يجحد في هذا الزمان، وما أكثر هؤلاء الذين لا يشكرونك، ولا يهتمون بما تقدمه لهم، والعديد منهم لا يعرف سوى الانتقادات اللاذعة والتعليق على عملك بتعليقات ساخرة والاستهزاء بك وبعملك وبشكلك وكل شيء فيك، فهم أناس لا يعجبهم العجب، ولا الصيام في رجب·
نعم، هؤلاء موجودون بيننا، ودائماً وأبداً نسلط الضوء عليهم في أحاديثنا ومقالاتنا، ولكن هل فكرنا في الفريق الثاني منهم؟ الفريق الفائز في الدنيا والآخرة بإذن الله، الذي لا يبخل في تقديم الشكر والتقدير والاعتزاز؟ نعم نسيناهم في زحمة انشغالنا بمن لا يشكرون الغير، وللأمانة أقلامنا مقصرة جداً في الذين يشكرون ويثنون على أعمالنا وخدماتنا وأخلاقياتنا وكل شيء، وكما عودتكم دائماً وأبداً على المواقف التي تحصل لي في مختلف حياتي أذكر لكم قصة بسيطة فيها عبرة وتذكير بعظمة المولى عز وجل وبرحمته ورأفته على عباده·
في أحد الأيام كنت مهمومة حزينة ومتضايقة من إرهاصات العمل، ومن ضغوطات المنزل، فاستيقظت وكعادتي منذ الصباح الباكر، وانتهيت من ترتيباتي لأتوجه الى سيارتي، عندما خرجت من بيتي لمحت ملامح فتى ليس بالغريب علي، ولكنني لم أدقق فيه لاستعجالي ، ركبت سيارتي وانتظرت السائق الذي كان يحادث الفتى، ثم طرق نافذة السيارة ليقول لي: هذا الفتى يريد أن يحادثك ويسلم عليكِ!
استغربت كثيراً أن يأتي أحد ليسلم علي في الصباح الباكر، المهم فتحت نافذة سيارتي وأطللت على الفتى، نعم لقد تذكرته، إنه فتى من ذوي الاحتياجات الخاصة، إعاقته: تخلف عقلي بسيط، كان تلميذاً وطالباً عزيزا علي أثناء تدريبي في أحد مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة في رأس الخيمة، وكنت وزميلتي نحرص على محادثته والسؤال عنه وإلقاء السلام عليه والاهتمام به خلال الأيام التي جمعتنا في رحاب ذلك المركز، هذا الفتى لم ينس المعاملة الطيبة التي نالها من زميلتي ومني ومن معلماته، فجاء اليوم ليلقي التحية ويسأل عن أحوالي وأموري الحياتية·
تأثرت كثيراً لزيارته، وتبدل حزني الذي كان يلوح في وجهي الى ابتسامة أمل مشرقة، تخبرني بأن الدنيا بخير، ولا زال هناك من يذكرنا ويشكرنا، الحمد لله، والله ان سؤاله عني أغلى علي من الدنيا كلها، لأن قدومه في صباح ذلك اليوم وفي البرد القارس الذي كان يلف الجو برهن لي بأن ذوي الاحتياجات الخاصة أبناء نفخر بهم مهما كانت إعاقاتهم، وبأنهم تغلبوا على كثير من العقلاء في كثير من الأمور، أهمها شكر الناس وتعزيزهم ولو بالشيء البسيط·
نحن لا نطالب أحدا بمدحنا وشكرنا وصناعة تماثيل لنا والمدح فينا ليل نهار ولكن ما يهمنا هو التقدير والاحترام والشكر عند الحاجة، فمن لا يشكر الناس لا يشكره الله، والحمد لله على أن هنالك أناسا طيبين يشكرون ويثنون ويحاولون تشجيعنا بكل ما يملكون، والثناء والشكر لا يكمن في الهدايا الغالية والباهظة، ولكنه يكمن في الكلمة الطيبة لما لحلاوتها من طعم مميز يدفع الإنسان الى تقديم الأفضل، وخدمة الناس والسعي الى ارتقاء المجتمع·
نصيحة أخوية: تيقنوا وتأكدوا بأنه على الرغم من جحود العديدين في هذه الدنيا، يبقى هنالك أناس طيبون يخلدون ذكراك، ولا ينسون الطيب أبداً في حياته وفي مماته، ففي حياته يشكرونه ولا يذكرونه إلا بالطيب وبالخير، وفي الممات يترحمون عليه، فصفوا النية واجعلوا أعمالكم كلها خالصة لوجهه الكريم حتى تكسبوا محبة الناس وطيبتهم في الدنيا والآخرة·
ريا المحمودي

اقرأ أيضا