الاتحاد

قصة التأريخ الهجري (2)

ذكر جلال الدين السيوطي (911هــ) في كتابه 'تاريخ الخلفاء' نقلاً عن كتاب 'الأوائل' لأبي هلال العسكري (395 هــ) أن أول من كتب التأريخ من الهجرة هو عُمر بن الخطاب بمشورة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فإليكم قصة ذلك؟ نحن الآن في شهر ربيع الأول في السنة السادسة عشرة من الهجرة، في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتحديد زمن أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد مضت من خلافته سنتان ونصف، وفي هذه اللحظات يرفع إلى الخليفة صكا مكتوب فيه لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال عُمر رضي الله: 'أي شعبان؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها أم التي بعدها؟'·
وفي الحقيقة أنه من الصعوبة تحديد ذلك، كونه لم يظهر تاريخ يُعتمد عليه لتحديد أي شهر شعبان هو ليوفي من عليه الدين دينه؟ فجمع عمر رضي الله الناس وقال: 'ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول دينهم' واجتمع الناس وكان فيهم كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصغارهم وفيهم التابعون أجمعون، فرأى بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الذي بعده، وعرض هذا الرأي، فكرهوا ذلك، ومنهم من قال: 'أرخوا بتاريخ الروم، من زمان اسكندر' وكان مصير هذا الرأي كمصير من سبقه، وذلك لطولهما·
وقال قائلون: 'أرخوا من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم' وقال آخرون: 'من مبعثه عليه السلام'· وأشار علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وآخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة، لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد والمبعث·
فاستبشر عُمر بن الخطاب رضي الله واستحسنه هو والصحابة رضي الله عنهم، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول الله صلى الله عيه وسلم وأرخوا من أول تلك السنة من مُحرمها، لأنه اضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية·
هذا ما ذكره ابن كثير (774 هــ) في كتابه 'البداية والنهاية' عن محمد بن عمر الواقدي (207 هــ) في قصة عمر بن الخطاب مع كتابته للتاريخ الهجري·
هذه هي قصة التاريخ الهجري، وهكذا كانت البداية التي انطلقت منها مسيرته، ذكرى تهز القلوب، وعمر وسنون تمضي، شهدت أحداثاً جساما، آمالاً وآلاما، وإن القارئ والمتأمل لكتب التراث والتأريح يجد معظمها قد سار على منهج السنين والحوليات، بل حتى مصلحة البلاد والعباد من خلال دواوين الدولة في الحضارة العربية الإسلامية قد سارت على هذا التأريح الإنساني العظيم، وها هي ذي سنة هجرية جديدة تطل علينا، جعلها الله سنة خير وأمن وأمان علينا أجمعين·
منصور محمد المهيري

اقرأ أيضا