الاتحاد

الاقتصادي

النظام التجاري العالمي إلى أين؟

إعداد- أيمن جمعة:
بعد أربعة أعوام من المحادثات المتعثرة حول جولة محادثات الدوحة للتجارة العالمية يبدو الآن أن العالم يقترب بشكل سريع نحو لحظة الحقيقة التي قد تعيد رسم مستقبل المعاملات الدولية بأسرها· انطلقت جولة مفاوضات الدوحة المعروفة باسم 'مفاوضات برنامج الدوحة للتنمية' خلال المؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية الذي استضافته قطر في نوفمبر عام ·2001 وإضافة إلى المسائل المتشعبة الكثيرة للمفاوضات فهناك أيضا مأزق الوقت حيث أن الموعد النهائي فعليا هو يونيو ،2007 وذلك عندما تنتهي فترة الصلاحية التي منحها الكونجرس للرئيس الاميركي جورج بوش للتفاوض على موضوعات التجارة الدولية· ويرى البعض أن هذا الموعد سيف مسلط على الرقاب· ورغم انه يبدو نظريا انه لا تزال هناك فسحة من الوقت حتى حلول ذلك الوقت فان تعقد طبيعة المفاوضات التي تضم 148 دولة وعشرات اللجان الفنية يعني انه يتعين الانتهاء من صياغة تفاصيلها الدقيقة خلال عام 2006 قبل التصديق عليها، فإذا لم يتم التوصل لاتفاق في 2006 فانه سيتم رسميا إعلان فشل الجولة التي أطلق عليها البعض وصف 'جهد طموح لم يشهد له العالم مثيلا بهدف دعم النمو في الدول الفقيرة'·
وذكرت صحيفة 'فاينانشال تايمز' في تقرير عن مستقبل التجارة والأعمال على مستوى العالم أن المشاركين في الاجتماع الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في هونج كونج الشهر الماضي أدركوا أن استمرار الفشل في حسم صراعاتهم لن يقضي فحسب على آخر آمال إنجاح مفاوضات الدوحة بل وسيعرض للخطر نظام التجارة متعدد الأطراف الذي دخل حيز الوجود قبل 58 عاما·
وانتهى الأمر بعد مفاوضات مكثفة في هونج كونج بالاتفاق على إنهاء إعانات الصادرات الزراعية بحلول عام ·2013 وقال باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة إن الاجتماع أعاد مفاوضات الدوحة إلى مسارها وجعله يشعر بالتفاؤل حيال إنهائها في الوقت المحدد·
يواجه أعضاء المنظمة الآن تحديا خطيرا يتمثل في إحراز تقدم بحلول أواخر ابريل المقبل بما في ذلك الاتفاق على صيغة واضحة لخفض الرسوم الجمركية الزراعية والصناعية وتعزيز خطط لفتح أسواق الخدمات التي تحمل في طياتها أفضل جوائز العولمة التجارية·
غير أن أبرز إنجازات الاجتماع كان 'النجاة من الفشل'· وكان ذلك على حساب تنحية كل الموضوعات الرئيسية الشائكة جانبا· وقال تشارلز جراسلي، رئيس اللجنة المالية في مجلس الشيوخ الاميركي بعد الاجتماع 'لقد ابتعدوا عن كل المناطق الرئيسية' بل إن بعض المراقبين أكدوا أن الأطراف الرئيسية خرجت من اجتماعات هونج كونج وهي أكثر تصميما على عدم تقديم أية تنازلات·
وتصر كثير من الحكومات على أن النجاح في التوصل لاتفاق هو أمر مرهون بموافقة الجانب الأوروبي على تخفيضات أكبر للإعانات الزراعية لكن بيتر ماندلسن المفوض التجاري الأوروبي يؤكد أن الاتحاد قدم ما يكفي من التنازلات وانه غير مستعد لأية مساومات جديدة· وهو يلقي بالكرة في ملعب الدول النامية قائلا 'على الدول النامية الآن أن تدفع المحادثات قدما باتخاذ إجراءات أكثر شجاعة بالنسبة للرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية والخدمات· وترفض كتلة الدول النامية ومعها الصين والهند التراجع عن مواقفها وتقول إنها التزمت تماما بكل قواعد منظمة التجارة العالمية، وإن الكرة في ملعب الغرب·
ويرى بعض المتفائلين أن مثل هذه المواجهات مطلوبة ولا يجب أن تقلص أجواء التفاؤل بالتوصل إلى تسوية لكن المحللين لهم رأي آخر، حيث يؤكدون أن مفاوضات جولة الدوحة تتسم بشراسة لم يسبق أن شهدتها الجولات السابقة وذلك لعدة أسباب··
أولا: مشاركة عدد كبير جدا من الدول في هذه المفاوضات، فمنظمة التجارة تضم حاليا في عضويتها 148 دولة يمثلون أكثر من 90% من التجارة العالمية· وهناك نحو 30 دولة أخرى تتفاوض للحصول على العضوية· والغالبية العظمى من الأعضاء هم من الدول النامية التي تشعر بخطورة الانفتاح والتحرر على أوضاعها الاقتصادية المترنحة بالفعل· وتعتقد غالبية هذه الدول أنها خسرت الكثير في الجولات السابقة خاصة جولة اوروجواي، ويسود شعور حاليا داخل كثير من الدول النامية بان الأغنياء يحاولون امتصاص ثرواتها تحت شعار تحرير التجارة·
ثانيا: جولة الدوحة تركز على أمور تتجاوز فتح الحدود وتصل إلى قضايا حساسة جدا مثل قطاعات الخدمات والزراعة وهي عصب الحياة في غالبية الدول النامية· وتفيد تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن حجم المساعدات والتعريفات في هذا القطاع يبلغ حوالي 280 مليار دولار سنويا· ويرى كثيرون أن موقف الغرب من الزراعة كشف عن نواياه الحقيقية، فهو لا يريد تنظيم وضبط سياسات التجارة الدولية إلا عندما تصب في مصلحته· وتفرز قضية الزراعة السؤال العفوي: كيف يطالب الغرب، الدول النامية بالالتزام بقواعد التجارة الحرة وفتح أسواقها والمخاطرة باضمحلال صناعاتها الاستراتيجية أمام المنافسة الدولية الشرسة، في حين انه يرفض الإقدام على أية خطوة مماثلة إذا شعر بأي خطر منها· ويقول منتقدو العولمة: 'الوجه القبيح للسياسات الغربية ظهر في أول اختبار حقيقي'· ويرون أن العالم يقف الآن أمام 'عولمة أحادية الجانب تدفع فيها البلاد الغنية، البلاد الفقيرة إلى إزالة قيود الاستيراد وخفض التعريفات الجمركية بطريقة متزايدة، بينما تزيد من دعمها المالي وبالتالي تزيد من مستويات الإغراق التي تدمر وسائل كسب رزق المزارعين'·
ثالثا: تزايد وجهات نظر بان الحوافز الاقتصادية لمثل هذا التكامل العالمي المنشود صارت أقل· وخفض البنك الدولي مؤخرا توقعاته للمكاسب المتوقعة للدول الفقيرة في حين يشير البعض إلى أن الاقتصاد الدولي تطور بالفعل إلى مستوى لم يعد عنده بحاجة لأجندة جولة الدوحة· وهذا يجعل البعض يستهين بأية عواقب محتملة لفشل الجولة·
وفي هذا الإطار يبدو أن الأعوام المقبلة ستشهد تراجعا عن فكرة العولمة لصالح التجمعات الإقليمية والاتفاقيات التجارية لكن لا احد يعرف بشكل يقيني إلى أي مدى يمكن أن تصل الأمور في هذا الاتجاه·

اقرأ أيضا

رئيس الجزائر المؤقت يعين قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي