الاتحاد

الاقتصادي

مفاوضات الإمارات وأميركا التجارية واقتراب لحظة الحسم

n/a
قد تصدق التوقعات ويصبح عام 2006 علامة فارقة في مستقبل النظام التجاري ليس في منطقة الشرق الاوسط فحسب بل والعالم أجمع فمفاوضات التجارة الحرة بين الامارات العربية المتحدة والولايات المتحدة دخلت مراحلها الاخيرة وسط آمال عريضة بأن تكون هذه الاتفاقية هي الخطوة الرئيسية في جهود تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة عالمية للتجارة الحرة· ورغم ان واشنطن أبرمت سلسلة اتفاقيات مماثلة مع دول اخرى منها البحرين والمغرب والاردن فإن الخبراء يجمعون على ان اتفاقية الامارات لها وضع متميز جدا لانها سوف تشجع باقي دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز عملية الانفتاح والتكامل، وتبنّي المعايير المطلوبة لتنشيط حركة الاقتصاد وفق قواعد السوق الحر في منطقة يراهن المحللون على انها مستقبل الاستثمار في العالم· كما تنظر الادارة الاميركية باهتمام بالغ للاتفاقية التي ستؤدي لالغاء الكثير من الحواجز التي تقيّد التجارة بين البلدين، بما يوفر العديد من الفرص أمام الشركات الأميركية الناشطة في مختلف المجالات الاقتصادية·
وتكتسب اتفاقية الامارات أهمية اضافية نتيجة التخوف من مستقبل النظام التجاري العالمي، وسط تحليلات متواترة بأن الحوافز الاقتصادية لذلك التكامل العالمي المنشود صارت أقل، اضافة الى تحذيرات بأن العالم لم يعد بحاجة لاستكمال جولة مفاوضات الدوحة للتجارة والتي توصف بأنها حجر الاساس في النظام التجاري العالمي· اذا كان الامر كذلك فإن العالم ربما يكون يقترب بسرعة من 'لحظة الحقيقة' التي قد تعيد رسم مستقبل المعاملات الدولية بأسرها·· وبمعنى آخر فإن الأعوام المقبلة قد تشهد تراجعا عن فكرة العولمة لصالح التجمعات الإقليمية والاتفاقيات التجارية الثنائية·
إعداد - عدنان عضيمة:
مع انطلاق الجولة الرابعة من المفاوضات بين الإمارات العربية والولايات المتحدة يوم الاثنين الماضي حول بنود اتفاقية التجارة الحرة، تقترب لحظة الحسم والتوقيع لتكون الإمارات قد قطعت شوطاً جديداً من جملة خطوات حثيثة تتبناها في إطار مشروع طموح لزيادة ثقلها الاقتصادي على المستوى العالمي· وتتفق آراء العديد من الخبراء الذين تعرضوا لهذا الحدث بالدرس والتحليل على أنه يمثل شراكة اقتصادية استراتيجية تحمل صبغة التكامل بين طرفين لكل منهما وزنه الكبير والمؤثر في الأسواق العالمية· فالولايات المتحدة ما زالت تلعب الدور الأكبر في التأثير على حركة النشاطات الصناعية والتجارية، فيما تشهد الإمارات مرحلة التحول السريع إلى دولة مؤثرة في توازنات أسواق الطاقة إلى جانب تعاظم قوتها كبلد استثماري من الطراز الأول بعد أن أصبحت تضم شركات وطنية ضخمة امتدت أنشطتها إلى الكثير من المواقع الاستثمارية الحساسة في العالم·
ومن شأن بعض الإحصائيات والأرقام أن تثبت القوة الحقيقية التي تتمتع بها دولة الإمارات ففي عام 2003 بلغ الناتج القومي الإجمالي في الدولة 80,4 مليار دولار أو ما يعادل نصيباً للفرد يبلغ 19,9 ألف دولار سنويا· ويستأثر قطاع الخدمات بنحو 40 % بالمئة من الناتج القومي الإجمالي· ورغم أن النفط والغاز الطبيعي لا يزالان هما المصدر الرئيسي للثروة، فان الاستثمار في القطاعات الخدمية وخاصة الاتصالات أصبح يمثل مصدراً مهماً بشكل متزايد للدخل·
الميزان التجاري
وفي عام ،2004 بلغ حجم التبادل التجاري بين الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة 5,2 مليار دولار، حيث قفزت الصادرات الأميركية إلى 4,1 مليار دولار، في حين بلغت الواردات الأميركية من الإمارات نحو 1,1 مليار دولار· وتعد الإمارات العربية ثالث أكبر سوق أمام الصادرات الأميركية إلى الشرق الأوسط بعد كل من إسرائيل والمملكة العربية السعودية· ويضاف إلى ذلك أن الإمارات العربية المتحدة تؤوي نحو 500 شركة أميركية، وكلها تتمتع بأفضل الظروف والشروط لممارسة نشاطاتها وإنجاز عملياتها· وتشمل الصادرات الأميركية إلى الأسواق الإماراتية نطاقا واسعا من السلع والبضائع يبدأ بالأجهزة والآلات والعربات والأدوات والتجهيزات الكهربائية والأحجار الكريمة مرورا بالمعادن الثمينة والأدوات والأجهزة الطبية ووصولا إلى المنتجات الزراعية بما فيها المواشي واللحوم والخضار والفواكه والحبوب· وتتركز الواردات الأميركية من دولة الإمارات في النفط الخام والمنسوجات والمواد الكيميائية والألمنيوم والمصنوعات التقليدية· وبخلاف الأحذية والمنسوجات والملابس الجاهزة، فإن معدل الرسوم التي تفرضها المصالح الجمركية على الواردات الإماراتية تعد منخفضة بطبيعة الحال·
وتفيد الإحصائيات الرسمية أن اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة سوف تدعم مبادرة الرئيس الأميركي جورج بوش لتفعيل عملية الإصلاح والانفتاح الاقتصادي في الشرق الأوسط والخليج العربي شأنها في ذلك كشأن الاتفاقيات الثنائية المشابهة التي عقدتها الولايات المتحدة مع كل من الأردن والمغرب والبحرين وعمان، ويتمثل الهدف النهائي من هذه الاتفاقيات في تحويل الشرق الأوسط إلى منطقة عالمية للتجارة الحرة· ويضيف التقرير إلى ذلك إشارته إلى أن هذه الاتفاقية سوف تعزز الجهود الحثيثة التي تبذلها دولة الإمارات لتحقيق الشفافية الاقتصادية والانفتاح على العالم وتبني سياسة سيادة القانون، وهي جميعاً من الشروط الأساسية لزيادة سرعة النمو· ويضاف إلى ذلك كله أن هذه الاتفاقية سوف تشجع الدول الأخرى الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي على تبنّي المعايير الجديدة الكفيلة بتنشيط التجارة والاستثمار وتعزيز عملية الانفتاح فيما بينها مما سيؤدي بالضرورة إلى خلق المزيد من الفرص للولايات المتحدة لدخول هذه الأسواق·
وتنطوي الاتفاقية أيضاً على الكثير من الفوائد المباشرة للولايات المتحدة لأنها ستؤدي إلى إلغاء الكثير من الحواجز التي تقيّد التجارة بين البلدين، وسوف تخلق العديد من الفرص الجديدة أمام الشركات الأميركية الناشطة في مختلف المجالات الاقتصادية· ومن المتوقع أن تؤدي أيضاً إلى فتح قنوات جديدة للتجارة والاستثمار أمام الشركات والمؤسسات المالية الأميركية مع بقية الدول الخليجية، وسوف تعزز التكامل الاقتصادي الإقليمي بالإضافة لإسهامها في خلق المزيد من فرص العمل في منطقة الشرق الأوسط برمتها·
ومن أهم الشروط التي يتمسك بها الطرفان المتفاوضان أن تكون الاتفاقية مبنية على أسس راسخة للتعاون الاقتصادي· وفي عام ،2004 دخلت الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة في مفاوضات لعقد اتفاقية مبدأية للتجارة والاستثمار· ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين أن تسهم أيضاً في تعزيز سياسة الأسواق المفتوحة الذي تتبناه الولايات المتحدة في كل المفاوضات الثنائية التي تجريها مع الفرقاء المعنيين في العالم· وتتفق آراء مجموعة من الخبراء الأميركيين على أن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين سوف يكون أثرها على الاقتصاد الإماراتي أكثر وضوحاً وعمقاً من تأثيرها على الاقتصاد الأميركي، وخاصة من حيث دعم الجهود الرامية إلى إعادة الهيكلة الاقتصادية وتنويع مصادر الثروات·
وكان الممثل التجاري الأميركي روبرت زوليك الذي زار الإمارات في أكتوبر عام 2004 قد أشار إلى أن المفاوضات بين الولايات المتحدة والبحرين حول اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين استغرقت ما بين أربعة وخمسة أشهر إلا أن من الطبيعي أن تستمر بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة مدة أطول بحيث توقع رسمياً خلال عام ·2006
تطور طبيعي
ويشير بعض المحللين المتابعين إلى أن اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة تأتي امتداداً لتطور طبيعي ومتنامي للعلاقات التجارية بينهما· وتؤيد ذلك إحصائيات نشرت بداية العام الماضي وتفيد أن عام 2004 شهد نمواً كبيراً للميزان التجاري بين البلدين حيث بلغ مجمل قيمة صادرات الولايات المتحدة للإمارات في ذلك العام 4,1 مليار دولار· ويمثل هذا الرقم نمواً بلغ 16 بالمئة عن عام ·2003 ومن جهة أخرى، وفي العام ذاته، حافظت الصادرات الإماراتية للولايات المتحدة على معدلاتها المنخفضة حيث بلغت 1,1 مليار دولار، أو ما يمثل ارتفاعاً بمعدل 1 بالمئة فقط عما كانت عليه في عام ·2003 وبلغ فائض الميزان التجاري الأميركي مع الإمارات العربية المتحدة عام 2004 2,9 مليار دولار، وهو أعلى بمعدل 23 بالمئة عما كان عليه عام ·2003
وتوضح البيانات التجارية المتعلقة بالفترة بين عامي 2000 و2003 سرعة تطور العلاقة بين البلدين· ففي عامي 2000 و2001 تجاوزت الواردات الاميركية من الإمارات صادراتها إليها ما أدى إلى خلل بسيط في الميزان التجاري لصالح الإمارات· إلا أن هبوطاً في الواردات الأميركية من السلع والمنتجات الأميركية نسبته 21 بالمئة سجل في عام 2003 فيما سجلت زيادة في الصادرات الأميركية إلى الإمارات بلغت 36 بالمئة·
وتستأثر النتائج البيئية لاتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والإمارات باهتمام واسع من كلا الطرفين· وتعرض المكتب التنفيذي للبيت الأبيض للتأثيرات البيئية للاتفاقية خلال تقرير صدر مؤخراً، وأشار فيه إلى أن الإدارة الاميركية طلبت من كافة الخبراء والمعنيين والوكالات المتخصصة والمراجع ذات الخبرة موافاتها بالمعلومات اللازمة لوضع هذا التقرير المؤقت في صيغته النهائية·
وتشير المصادر الأميركية الخبيرة إلى أن تطبيق بنود الاتفاقية لن يكون له أي أثر يذكر على البيئة في الولايات المتحدة فيما ينتظر أن تكون له نتائج إيجابية على البيئة في الإمارات لأنها ستعزز الجهود المبذولة لإصدار قوانين أكثر تشدداً فيما يتعلق بالحفاظ على البيئة وسوف تسرع من وتيرة النمو الاقتصادي من خلال تنشيط التجارة والاستثمار وستقود بالضرورة إلى تبني استخدام تكنولوجيات بيئية جديدة ومفيدة· وتعد حماية البيئة من القضايا الحساسة في الإمارات، وكانت تصنف في قائمة اهتمامات المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وكان يتابعها شخصياً· والآن، تستمر هذه الجهود بالعزيمة ذاتها على يدي خلفه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة 'حفظه الله'·
وتتولى الهيئة الاتحادية للبيئة في الإمارات العربية المتحدة مسؤولية مراقبة تنفيذ القوانين البيئية كما تعمل كنقطة اتصال مع المنظمات والهيئات البيئية العالمية· وهي تتعاون مع العديد من الدول المجاورة وبعض دول آسيا في مجال صيانة البيئة والحفاظ على الحياة البرية من خلال برامج ومشاريع لحماية العديد من أنواع الأحياء البرية· وتعد حماية المياه الجوفية من التلوث والحفاظ على مكامنها من أكبر الاهتمامات البيئية في دولة الإمارات العربية المتحدة· وهي تصنف كثالث دولة في العالم من حيث معدل الاستهلاك الفردي من المياه بعد الولايات المتحدة وكندا· ومعظم المياه المستهلكة في الإمارات تأتي من تحلية مياه البحر· وتواجه الإمارات عدداً من التحديات البيئية بما فيها الارتفاع الكبير في الاستهلاك الفردي من الطاقة والصيد البحري الجائر وتناقص مصادر المياه العذبة الطبيعية وتدمير المناطق الشاطئية بسبب التجريف القاعي وتسرب النفط من الناقلات والآبار البحرية والمصافي النفطية· وكل هذه الأمور تناقش في إطار التعاون التقني بين البلدين لحلها·
وتتوقع كافة التقارير الصادرة عن الهيئات الحكومية المتخصصة في الولايات المتحدة أن تكون للاتفاقية نتائج بيئية إيجابية في الإمارات لأنها ستعزز الجهود الحكومية لإصدار القوانين الصارمة الرامية إلى حماية البيئة، كما ستؤدي إلى تسريع الوتيرة التنموية من خلال تنشيط القطاع التجاري والاستثماري· ولا شك أن الحكومة الاتحادية في دولة الإمارات سوف تتبنى كافة التقنيات الحديثة التي تضمن الحفاظ على البيئة خلال انطلاقتها التنموية الجديدة التي ينتظر أن تزداد زخماً عقب توقيع الاتفاقية· ومن المنتظر أيضاً أن تقدم الولايات المتحدة المساعدات التقنية اللازمة للحفاظ على البيئة في إطار النتائج المترتبة على الاتفاقية ذاتها· ويعمل البلدان الآن على إصدار مذكرة تفاهم حول خطة للتعاون البيئي تحدد مجمل أطر التعاون الفاعل في هذا الميدان الحساس· وتتضمن هذه الخطة تقديم المساعدة التقنية لدولة الإمارات لحماية وإدارة ثرواتها المائية الجوفية ومناطقها الشاطئية وحماية الأنواع النادرة من الأحياء البرية والبحرية من الانقراض ووضع القوانين الصارمة الرامية إلى صيانة البيئة·

اقرأ أيضا

حريق محدود في مصفاة بالكويت دون تأثير على الإنتاج