تقارير

الاتحاد

رأسمالية الكوارث

تعتقد وكالة ''مودي'' المتخصصة في مجال تقييم الائتمانات، أن المفتاح الرئيسي لحل المعضلات الاقتصادية الأميركية، هو أن تخفض الحكومة حجم إنفاقها على برنامج الضمان الاجتماعي، أما الاتحاد القومي للمصنّعين، فمن رأيه أن سبيل الحل هو تبني الحكومة الفيدرالية لقائمة التخفيضات الضريبية التي يقترحها الاتحاد· ويتراءى الحل من وجهة نظر صحيفة ''إنفيزستورز بيزنيس'' اليومية، في بدء عمليات التنقيب واستخراج النفط في مناطق المحميات الطبيعية في المحيط المتجمد الشمالي·
غير أن الواجب هو إعادة كل هذا التدافع من أجل إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية الحالية التي تعانيها أميركا، بحيث تصب في خدمة مصالح أصحاب المال والاستثمارات في نهاية الأمر، وحسب رأي ''لورانس ليدنسي'' المستشار الاقتصادي السابق للرئيس بوش، والذي لخصه في صحيفة ''وول ستريت'' فإن الحل يكون في السعي لتوسيع الخدمات الائتمانية المثيرة نفسها للجدل والتساؤلات، فمن رأيه أن ''أبسط ما يمكن عمله هو السماح للمصنعين وتجار التجزئة، بفتح أبواب مؤسساتهم المالية على مصاريعها، بحيث يسهل عليهم إقراض واقتراض الأموال دون عوائق أو صعوبات''، وهكذا لا يأبه ليندسي لمحنة الأعداد المتزايدة من الأميركيين الذين يعجزون عن الانتظام في تسديد فواتير بطاقاتهم الائتمانية، والتغول على حسابات توفيرهم السنوي، بل وحتى خسارتهم لبيوتهم· وإن بدت هذه النزعة الانتهازية، القائمة على اقتصاد الأزمات مألوفة وعادية، إلى درجة أنها لم تعد تثير تساؤلات أحد، فلأنها كذلك بالفعل· ومن جانبي فقد عكفت خلال الأربع سنوات الماضية على دراسة جانب من تاريخ بلادنا الاقتصادي، قلما طرقه الباحثون والدارسون: الكيفية التي مهدت بها الكوارث الاقتصادية، الطريق أمام صعود الثورة الاقتصادية اليمينية، على امتداد العالم بأسره· فما أن تحدث أزمة أو كارثة ما، حتى تعم مشاعر الخوف والقلق، فيسارع الأيديولوجيون إلى ملء الفراغ الذي تحدثه الأزمة، عن طريق إعادة تخطيط المجتمعات وفقاً لمصالح الشركات ورؤوس الأموال العملاقة· وهذه هي المناورة التي أطلقتُ عليها اسم ''رأسمالية الكوارث''·
وقبل أكثر من عقد مضى، كان قد عكف الباحث الاقتصادي ''داني رودريك'' -كان يدرّس الاقتصاد حينها بجامعة كولومبيا-، على دراسة الظروف التي تبنت فيها الحكومات والدول سياسات التجارة الحرة، وقد توصل من خلال تلك الدراسة إلى نتائج جد مذهلة، ''فما من دولة من الدول النامية سعت إلى إجراء إصلاحات تجارية جذرية في نظامها الاقتصادي خلال عقد الثمانينيات كله، خارج إطار أزمة اقتصادية خطيرة مرت بها''، وقد أكد عقد التسعينيات برمته، صحة هذا الاستنتاج الذي توصل إليه ''رودريك''·
وإنه لمما لا ريب فيه أن الدول المتعلقة بأي قشة نجاة، لن تتردد في فعل كل ما من شأنه أن يخرجها من أزمتها الاقتصادية الخانقة التي تمر بها في الوقت المعيّن؛ كما توفر أجواء الخوف العام، فرصة ذهبية للساسة، يتمكنون عبرها من الدفع بسياسات راديكالية يصعب تسويقها في أي ظروف أخرى مغايرة، مثل خصخصة قطاع الخدمات الرئيسية، وإضعاف الحماية والضمانات الاجتماعية التي يتمتع بها العاملون، إضافة إلى الانهماك في إبرام صفقات التجارة الحرة، وفي فترات الأزمات هذه، عادة ما تتحول الديمقراطية والحوار العام، إلى ترف وكماليات لا مكان لهما في مواجهة الأزمة·
بيد أن السؤال المهم والواجب طرحه هو: هل توفر سياسات السوق الحرة التي عادة ما تقدم على أنها حل طارئ للأزمات الماثلة؟ وليس من عجب ألا تعني الإجابة عن هذا السؤال شيئاً في نظر أيديولوجيي سياسات السوق الحرة هذه؛ فالشيء الوحيد الذي يهمهم هو أن رأسمالية الكوارث تظل تفعل فعلها على النحو الذي يريدونه لها، وذلك ما عبّر عنه أدق تعبير، ''ميلتون فريدمان'' -الاقتصادي المدافع عن سياسات السوق الحرة- بقوله: ''وحدها الأزمات، سواء كانت متخيلة أم حقيقية·· هي القادرة على إحداث التغيير''؛ ويستطرد ''ميلتون'' إلى القول: ''فما أن تحدث أزمة ما، فإن الأفكار المحيطة بها هي التي تحدد السياسات والخطوات التي تتبع في مواجهتها· وهذه هي وظيفتنا الأساسية فيما أعتقد، أي أن نطور البدائل اللازمة للسياسات القائمة، وأن نُبقي على هذه البدائل حية ومتاحة، إلى حين يغدو فيه ما هو مستحيل سياسياً ضرورةً سياسية''· وذلك هو منطق ''رأسمالية الكوارث'' بعينه·


مؤلفة كتاب عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا