الاتحاد

عربي ودولي

الانتخابات الفلسطينية انتصار للهوية ورفض للفساد

حسين هرهره :
تراوحت ردات الفعل الفلسطينية والعربية والدولية على الفوز الساحق الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية بين الأفعال المتشنجة والصدمة غير المتوقعة والرفض المطلق الذي قادته الحكومة الإسرائيلية بتصريحات قادتها وتهديداتهم وتأليب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من اجل تركيع الحركة وابتزازها ماديا إذا لم تعترف بحق الدولة اليهودية بالوجود·
وبالرغم أن الأنظمة العربية قد منحت إسرائيل صك الحياة من خلال الاعتراف بها إلا أن الدولة الإسرائيلية تعتبره شهادة مزيفة غير معترف بها شعبيا وإسلاميا، وقد وجدت فرصتها في فرض هذا الشرط على حماس لأن قبولها به يعطيها شهادة ميلاد حقيقية، ولعل هذا هو السبب الحقيقي لإصرار الدولة اليهودية على هذا المطلب·
ومن جانب آخر اعتبر معظم المحللين السياسيين أن هذه الانتخابات تعتبر سابقة لا مثيل لها في المنطقة العربية وترقى إلى منافسة الديمقراطيات الغربية ، ومن خلال ردود الأفعال الأولية بين معسكر فتح وحماس والمستقلين فأن هذه الانتخابات عبرت عن مستوى عال من الوعي الشعبي في منطقة حساسة ينتشر فيها السلاح بين المواطنين كانتشار النار في الهشيم، وقد سلمت فتح بهزيمتها واعتبرت أن من حق حماس استلام السلطة، ولكنها رفضت المشاركة وانكفأت على نفسها لإعادة تنظيم صفوفها ودراسة أسباب تخلي الناخب الفلسطيني عنها بعد مسيرة أكثر من أربعين عاما من الكفاح السياسي والمسلح·
نور وسط الظلام
لقد عبر كثير من المتابعين عن مدى تأثير هذه الانتخابات على مستقبل المنطقة العربية التي يعرف عن انتخاباتها التزوير وعدم السماح للمعارضة بالوصول إلى السلطة، ويعتبر المراقبون أن هذه الانتخابات مثلت فضيحة لكل الأنظمة العربية التي تتشدق بالديمقراطية والنزاهة زورا وبهتانا، بسبب عدم تطابق واقع الحال بين توجهات السلطة وتوجهات الشعوب في كل الأقطار العربية التي تقوم بانتخابات ديكورية تكون نتيجتها فوز الحكومة بأغلبية مريحة في مجلس الشعب ومعارضة منتوفة الريش الغرض منها تجميل وجه النظام أمام الرأي العام العالمي للحصول على شرعية الشحاته من البنك وصندوق النقد الدولي باعتبارها أنظمة منتخبة تمثل شعوبها·
ويقول احد المحللين السياسيين أن الغرب يشاهد بأم عينيه عمليات التزوير ولكنه يغض الطرف حسب ما تقتضيه المصلحة، فإذا شق أي نظام عصى الطاعة استخدمت ضده' فزاعة' التزوير، أما إذا خضع لمصالح الدول الكبرى فتعتبر الانتخابات نزيهة حتى وان اتى الحاكم بانقلاب عسكري على ظهر دبابة·
ومن ناحية أخرى فان الانتخابات الفلسطينية يعتبرها الكثير من المراقبين فرصة نادرة لمعرفة مدى قدرة التيار الاسلامي على القيادة وعلى قبوله بالتعددية السياسية ومقدرته على إدارة الدولة، ويقول احد المختصين بالحركات الإسلامية أن الولايات المتحدة الاميركية تبحث عن كيفية التفاهم مع هذا التيار باعتباره الأكثر قبولا في الشارع العربي والإسلامي من الأنظمة الحالية·
وقد شاع مؤخرا عن لقاءات كثيرة بين قادة من التيارات الإسلامية ومسؤولين أميركيين للبحث عن قواسم مشتركة لإعطاء شهادة حسن سلوك لبعض التيارات المعتدلة من اجل تشجيعها على الدخول في المعترك السياسي تحسبا لما قد يحدث من سيطرة الإسلاميين المتشددين على مقاليد الحكم في المنطقة مما يفلت الزمام وتخرج المنطقة عن السيطرة·
البقاء للأصلح
أما في الشأن الفلسطيني فقد تعددت الروايات والاجتهادات عن أسباب الهزيمة الساحقة لحركة فتح، حيث أن الفتحاويين يعترفون بفساد السلطة ويحملونها ما وصلت إليه الحركة من خسارة كبيرة لرصيدها الشعبي، ويقول بعض الفتحاويين أن المسؤولين في السلطة من أعضاء فتح قد أصبحوا مليونيرات من خلال نهبهم للمال العام بينما يعيش معظم الشعب الفلسطيني تحت خط الفقر ·
وقالت إحدى الطالبات الفلسطينيات : ' أنا نها فتحاوية لكنني انتخبت حماس لما شاهدته من عبث بأموال الفلسطينيين من خلال مشاهدة أبناء هؤلاء الوزراء والمتنفذين في السلطة الذين يمتلكون السيارات الفارهة ويعبثون بالأموال بدون حساب بينما يتضور الشعب الفلسطيني من الجوع '
،وقال بعض الفلسطينيين أن ما تقدمه لهم حماس من مساعدات اجتماعية وصحية برغم من قلة إمكانياتها كان واحدا من الأسباب الرئيسية لفوزها في الانتخابات ، أما على النطاق الإسرائيلي فقد عبر الكثير من المسؤولين عن قلقهم من فوز حماس، غير أن بعضهم اعتبر أن الوصول إلى اتفاق مع حماس أفضل بكثير من الاتفاق مع السلطة السابقة، وقد عبرت استطلاعات الرأي بين الإسرائيليين عن رغبة الشارع الإسرائيلي بالاتفاق مع حماس باعتبارها قادرة على تنفيذ وعودها·
الحقيقة الضائعة
لقد اعتبرت مراكز الدراسات العالمية أن فوز حماس ذات الأيدلوجية الإسلامية يصب في نفس الاتجاه الجارف للمد الاسلامي الذي يجتاح الكثير من العواصم والمدن العربية والإسلامية، غير أن هذه المراكز البحثية لم تصل إلى معرفة دقيقة يمكن اعتبارها الأسباب الحقيقية الكامنة وراء انتصار هذا التيار برغم كل الوسائل الداخلية والخارجية التي سعت إلى تهميشه واستئصاله وتجفيف منابعة، وقد اعترفت كثير من الدوائر الغربية عن فشل جميع هذه المحاولات، وعبر عن ذلك احد القادة العرب المناوئين للتيار الاسلامي على هامش احد مؤتمرات الجامعة العربية بقوله أن أي محاولة حقيقية لفتح صناديق الاقتراع ستكون نتيجتها نفس نتيجة الانتخابات الجزائرية، ويقصد فوز التيار الاسلامي بأكثر من 80 بالمئة من أصوات الناخبين·
ولم تستطع كل الدراسات أن تصل إلى حقيقة ظاهرة المد الاسلامي الذي ينتشر بطريقة أسرع من كل التوقعات، ولعل ما حدث من استطلاعات للرأي في الانتخابات الفلسطينية الأخيرة يؤكد ذلك، حيث لم تحصل حماس على أكثر من 40 بالمئة في أحسن التقديرات، غير أن الظواهر الاجتماعية على امتداد الساحة العربية يؤكد على ما يمتلكه هذا التيار من قدرة على التغلغل بين الجماهير من خلال طروحاته الأيدلوجية·
البحث عن الذات
من جانب آخر لم يجد المحللون أي تفسير لظاهرة سقوط التوجهات العلمانية والليبرالية في البلاد العربية والإسلامية برغم كل الدعم الداخلي والخارجي ومحاولة رموز هذا التيار الظهور بمظهر الإصلاحيين والداعين إلى الحرية، ويقول احد المحللين السياسيين أن هذه المفارقة العجيبة تفسر أمورا في غاية الأهمية يمكن من خلالها تفسير هذه الظاهرة·
وأضاف: أن الأمة العربية والإسلامية قد مرت بأزمة يمكن تسميتها بفقدان الهوية من جهة وتشزيهها من جهة أخرى خلال الخمسين عاما الماضية تسببت فيها قوى اليسار والأنظمة البعثية والناصرية والقومية خلال حكمها للعالم العربي والإسلامي، وهذه التيارات محسوبة على التيار العلماني المعادي للإسلام، وقد كانت نتائج حكم هذه الأنظمة كارثية بكل معنى الكلمة على هذه الشعوب، وأضاف أن كل الشعارات الرنانة التي نادت بها هذه التيارات لم يتحقق منها شيئا بل سقطت سقوطا مريعا جعلت هذه التيارات في نظر هذه الشعوب سببا لكل الكوارث التي عانت ولا زالت تعاني منها، فالوحدة العربية تبخرت وصارت من تراث الأجداد بسبب الإقليمية التي أحدثتها هذه التيارات ·
إن انهيار الثقة بالأنظمة أدى إلى هزائم عسكرية مذلة بطريقة لم تشهدها الأمة في تاريخها مما أدى إلى ضياع فلسطين والتنازل عنها لصالح الكيان الصهيوني الغاصب من خلال السكوت عما يحدث للفلسطينيين وعدم دعمهم بينما يقف الغرب بكل قوته إلى جانب الكيان الإسرائيلي وهذه حالة شاذة في تاريخ الأمة،وقد ولد ذلك شعورا مزدوجا لدى الشعوب برفض النظام الحاكم الذي يعتبر سببا في كل ما حدث، بالإضافة إلى رفض كل ما يأتي من الغرب عموما الذي يتهم بالوقوف ضد مصالح الأمة ويقف مع إسرائيل في كل جرائمها البشعة ويؤيد احتلالها للمقدسات الإسلامية في فلسطين التي يعتبر التنازل عنها تفريطا في كرامة الأمة ودينها·
واعتبر كثير من المراقبين ذلك سببا رئيسيا في سقوط العلمانيين والليبراليين العرب كونهم سببا لكل ما جرى لهذه الشعوب من جهة، ومن جهة أخرى فأن دعوة الليبراليين والعلمانيين إلى تطبيق القيم الغربية وخصوصا التي تتنافى مع القيم الإسلامية تعتبر مرفوضة باعتبارها قيم المحتلين، وقد ادى ذلك إلى ظهور المد الاسلامي لما يحمله من قيم بديله والذي عبر عنه احد المتابعين بقوله أن التيارات الإسلامية قد ولدت من رحم الرفض الشعبي لاحتلال فلسطين ولمقاومة الخنوع الحكومي للاملاءات الغربية ·
احترام الهوية
ويعتبر أنصار هذا التحليل أن الاكتساح الاسلامي لأي انتخابات هو رد فعل طبيعي باعتباره حفاظا على الهوية الإسلامية لهذه الأمة التي تريد التيارات العلمانية والليبرالية انتزاعها، ويستشهد أصحاب هذا الرأي بالنتائج التي حققتها التيارات الإسلامية في المغرب ومصر والسودان والجزائر ولبنان واليمن والسعودية والكويت والعراق ، غير أن الذي حدث في فلسطين يمثل تعبيرا حقيقا على ما يدور في الشارع العربي والإسلامي والذي تبذل بعض الأنظمة جهودا جبارة لعدم السماح بظهورة، غير أن احد المحللين ذهب إلى القول أن كل هذه الأساليب لن تجدي نفعا وان الحل الوحيد أمام النظام العربي بصفة خاصة هو التصالح مع هذا التيار من خلال احترام هوية الأمة لأن سياسة تجفيف المنابع لن تكون أجدى من أساليب اليهود مع الفلسطينيين ·

اقرأ أيضا

كوشنر سيعلن خطته للسلام في الشرق الأوسط خلال يونيو بعد رمضان