ثقافة

الاتحاد

انقراض الثقافة

أعتقد غير جازم، أن أحد جوانب وأهداف ثورة تكنولوجيا المعلومات، كان يرمي إلى توفير المعلومة والفكرة للأفراد والمؤسسات، وتحقيق التواصل الثقافي بين شعوب المعمورة، وأعتقد غير جازم أيضاً، أن أحد جوانب وأهداف ثورة الاتصال، كان يستهدف المجتمعات وتسهيل الاحتكاك بين أعضاء فصيلة بني البشر، وأعتقدت لوهلة أن الفضائيات التلفزيونية، التي هي نتاج ثورتي تكنولوجيا المعلومات والاتصال، كانت تهدف إلى نشر الثقافة والوعي بين الناس، ونتيجة لهذه الاعتقادات والقناعات غير المؤكدة، كنت أظن أن طبقة المثقفين ستتسع، ودائرة المهتمين بالإبداع ستنفتح، لتحتوي وتشمل نسبة من الأجيال، إلا أنني أعتقد الآن، وبناء على معطيات الواقع، في العالم أجمع، وعلى وجه الدقة في عالمنا العربي، أن طبقة المثقفين تضيق، ودائرة المهتمين بالإبداع تنكمش، وإذا ما استمر الواقع على ما هو عليه، واستمرت تغذيته بالقيم الاستهلاكية البعيدة عن الإنتاج بكل أنماطه، فإنه سيأتي يوم تتحول الثقافة فيه إلى كائن معرّض للانقراض، ويتحول الإبداع فيه إلى عملة نادرة، ولا أدري إن كان العلماء سيكفّرون عن فتوحاتهم العلمية، بإنشاء جوائز عالمية، كما فعل ألفريد نوبل مخترع البارود.
وأقول بعجالة، خوفاً من أن يتهمني البعض بالنظر إلى الإنجازات البشرية بعين واحدة، إن أهداف الفتوحات العلمية كانت نبيلة وإنسانية، إلا أن العبرة في استخدامها، ولكنني أتأنى حين أقول: إن المسؤولية كلها تقع على الأفراد، وعلى كيفية استخدامهم لهذه الإنجازات، إذ هناك سياسات وإستراتيجيات ينتهجها ويطبقها أصحاب رؤوس الأموال، الذين يتحكمون بالاقتصاد العالمي، تهدف إلى ترويج السلع الأكثر ربحية، وبالتأكيد، ليس من بينها الكتاب أو أشكال الإبداع المختلفة، وبالتالي، فإن هؤلاء، يعملون على مدار الساعة، لنشر قيمة الاستهلاك وبمختلف الطرق الخيّرة والشيطانية، بهدف تحقيق عائد مادي هائل، يتحكمون بواسطته في إيقاع حياة الناس، والأجيال الصاعدة، يدفعونهم إلى الخروج من منازلهم، لممارسة حياة مملوءة بكل ما هو مبهر وجذاب، وإذا ما عادوا إلى بيوتهم، فإنهم سيجدون أنفسهم أسرى لمواد إعلامية وإعلانية براقة وشديدة الخطورة، تسرق منهم أنفسهم وأرواحهم، حتى أن الواحد منهم لا يجد خمس دقائق للجلوس مع نفسه، الأمر الذي ينشر الجنون والأمراض العصبية.
إن إطلاق ماكينة تكنولوجيا المعلومات الجبارة، وماكينة تكنولوجيا الاتصال المذهلة، دون رقابة من المنتج أو المنشأ، أتاح للعالم أن يكشف عن تناقضاته المخيفة، فنشطت الحروب المذهبية والعنصرية، وبات المتطرفون في كل المجالات يمتلكون أداة سهلة للتعبير عن آرائهم، وعرضها أمام الناس، ولا أعتقد أن المواقع الإلكترونية يجب أن تكون بهذا الفلتان القيمي، ولم تُخلق في الأساس لهذا الهدف.
إن مستقبل الثقافة مظلم إلى حدٍ بعيد، استناداً إلى طغيان الروح الاستهلاكية، واضطراب القيم الإنسانية، وتراجع معايير الإنسان النظيف الواعي المنتمي، والمثقف والمبدع والمفكر، كلهم يشعرون بهذا الخطر، إلا أن الهجمة أقوى منهم.


akhattib@yahoo.com

اقرأ أيضا

«حين تُغني الأشجار».. مشروع فني أطلقه اللوفر أبوظبي