الاتحاد

تقارير

ألمانيا... التداعيات الاجتماعية للأزمة الاقتصادية

لقد تحولت بلدة "زوفنهاوزن" الصغيرة التي تنتج السيارة الرياضية الأغلى ثمناً والأكثر رفاهية في العالم، إلى مكان مهجور تنبت فيه الأعشاب الطفيلية وتمتلئ شوارعه بالقاذورات. وكان "أنتون دويتشتش" قد اعتاد قيادة سيارته في كل يوم من أيام عمله في خط تجميع سيارات البورش، ماراً بكازينوهات البلدة ومتاجر بطاقات اليانصيب، حيث يكثر الباحثون عن فرص سريعة للثراء والصعود الاجتماعي السريع. وكان "دويتشتش" سعيداً جداً بكونه استطاع الحفاظ على وظيفته بمصنع سيارات البورش لمدة 32 عاماً دون أن يخسرها أو يضطر للانتقال إلى وظيفة أخرى ولو ليوم واحد. لكنه ربما تحول اليوم إلى أحد الألمان الأسوأ حظاً على الإطلاق. فقد تناقص كثيراً عدد زملائه وأصدقائه بالمصنع، وزادت مهامه وساعات عمله، بينما ظل دخله كما كان عليه قبل بضع سنوات. وفي كل يوم يمر يسمع هذا العامل حديثاً جديداً عن شد الأحزمة والبطون، ولم يعد يدري إلى أين تتجه الأمور ببلاده كلها. "لقد ازداد العمل كثيراً هذه الأيام وأصبح أكثر صعوبة. هذا ما قاله "دويتشتش" البالغ من العمر 57 عاماً، وهو يتجه إلى عمله اليومي".
والمعروف عن ألمانيا أنها ظلت فردوساً أوروبياً للعاملين من ناحية الحقوق والامتيازات المهنية، لكنها تواجه اليوم مشكلات اقتصادية حقيقية. كما تمكنت الصناعات والمستثمرون الأثرياء من الحصول على تنازلات كبيرة من جانب الحكومة من ناحية السياسات الضريبية، ما جعل من ألمانيا إحدى الدول العالمية الأكثر صداقة مع الاستثمار. فليست فيها ضرائب على الثروة الشخصية، إضافة إلى محدودية الضريبة المفروضة على الميراث العائلي.
غير أن ألمانيا تتجه الآن إلى إخضاع نظام رعايتها الاجتماعية للمزيد من الإجراءات التقشفية، مستجيبة في ذلك لتأثيرات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية. وفي المقابل ارتفعت أصوات قادة الكنيستين الكاثوليكية الرومانية والبروتستانتية بالاحتجاج على ما وصفوه بالظلم الاجتماعي الفادح الذي يهدد حياة المجتمع ويفتح الطريق أمام استقطاب اجتماعي أكثر حدة بين الفقراء والأغنياء.
ويقول منتقدو السياسات التقشفية التي تتبعها ألمانيا الآن، إنها تضع العبء الأكبر الناجم عن إنقاذ الحكومة للبنوك والمؤسسات المالية، وكذلك إنقاذ دول جنوبي أوروبا من أزمة ديونها، على كاهل الفقراء الألمان دون غيرهم، لا سيما الطبقة العاملة الألمانية الفقيرة. ففي المصانع وفي أوساط العاملين الفقراء بصفة خاصة، ساد استخدام "الأمن الوظيفي" وسيلة للضغط على العمال وإرغامهم على القبول بساعات عمل أطول وأجور متدنية راكدة مقابل الحفاظ على وظائفهم. هذا ما أكده "أوي ماينهارد -مسؤول قيادي باتحاد الصناعات الألمانية في مدينة شتوتجارت- بقوله: الناس غاضبون هذه الأيام. فهم يشعرون بقدر كبير من الظلم الاجتماعي، ولكن معظمهم يحتفظون بوظائفهم.
يجدر بالذكر أن الوصفة التي أخذت بها ألمانيا، تتناقض تماماً مع تلك الوصفات التي تبنتها إدارة أوباما في الاستجابة لتأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة. ويتلخص أشد مظهر من مظاهر تناقضها مع سياسات واشنطن في رفض ألمانيا للنداءات التي وجهها أوباما إلى القادة الأوروبيين فيما يتعلق بدورهم في حفز الطلب الاقتصادي العالمي بتحسين القوة الشرائية للمواطنين وحفزهم على الاستهلاك. والمعروف عن العمال الألمان أن معدل إنتاجهم يرتفع قليلاً عن غيرهم في معظم الدول، مع قلة ساعات العمل التي يؤدونها. فهنا في بلدة "زوفنهاوزن" الواقعة في ضواحي شتوتجارت، تمكنت شركة سيارات البورش من تطبيق تقنيات خطوط تجميع، شبيهة بتلك المطبقة في اليابان، حرصاً منها على جعل سياراتها أكثر كفاءة.
وكانت مبيعات الشركة من سياراتها قد انخفضت بمعدل الثلث خلال العام المالي السابق الذي انتهى في منتصف عام 2009، إلا أنها عادت لترتفع مجدداً. وعلى حد قول "ديرك إيرات" الناطق الرسمي باسم الشركة، فإن سيارات البورش التي تعتبر من النوع الأكثر كفاءة في العالم. وبسبب هذه الميزة تحقق الشركة هامشاً ربحياً كبيراً.
والحقيقة أن صناعة السيارات الألمانية، خاصة سيارات "البورش" و"ديملر-بنز" تمكنت من تجاوز عاصفة الأزمة المالية العالمية، وعادت إلى تحقيق الربحية العالية واستئناف تصدير منتجاتها، دون أن ينعكس ذلك على حياة عامليها التي لم يطرأ تحسن يذكر فيها. بل أضافت شركة "ديملر-بنز" ساعات عملها لتشمل "ورديات" يوم السبت في خطوط تجميعها خلال شهري يونيو ويوليو المنصرمين، حتى تتمكن من الوفاء بالتزامات طلباتها الخارجية. كما يلاحظ أن الشركات الألمانية قد ارتفع اعتمادها أكثر من قبل على المقاولين الباطنيين والعمالة المؤقتة، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بين العاملين، وتدهور مستوى معيشتهم إلى حد ما.
"فنحن نكدح أكثر في العمل الآن، وارتفعت الصادرات وزادت الأرباح، غير أن رواتبنا وأجورنا ظلت كما هي". ذلك هو تعليق فرانك إنجلمان، أستاذ كلية إدارة الأعمال والاقتصاد والعلوم الاجتماعية بجامعة شتوتجارت. وفي الوقت نفسه خفضت الحكومة الضريبة المفروضة على الأغنياء. وعلى رغم شهرة ألمانيا باعتبارها دولة يحكمها النظام الديمقراطي الاشتراكي، فإنه ليس هناك حد أدنى للأجور، بينما ارتفعت سن التقاعد فيها عن العمل من 65 إلى 67 عاماً. وبالنتيجة فقد ازدادت الحياة قسوة وصعوبة على الطبقات الاجتماعية الفقيرة بالذات. ويتحدث الخبراء الآن عن طبقة مفقرة ظل أفرادها قادرين على العمل طوال حياتهم، إلا أنهم أجبروا الآن على طلب المساعدات من الآخرين لتوفير أبسط متطلبات حياتهم.
وقد فقد معظمهم وظائفه إثر إغلاق الكثير من حزام المصانع الصغيرة الممتدة في المنطقة ما بين مدينتي شتوتجارت وإيسلنجن في محاذاة نهر نيكار، متأثرة بالأزمة الاقتصادية المالية العالمية.


بروزو دراجاهاي - ألمانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"

اقرأ أيضا