تقارير

الاتحاد

«سد داهلا»: تحديات إعادة الإعمار في قندهار

عندما بحثت وكالة المساعدات الدولية التابعة للحكومة الكندية إمكانية إعادة بناء سد ضخم للري هنا في بداية 2007، لم تكن البدايات مشجعة؛ ذلك أن الفريق المكلف بدراسة المشروع لم يستطع حتى الوصول إلى موقع السد، الذي يبعد بحوالي 32 كيلومتراً إلى الشمال من قندهار في وادي نهر أرغنداب. وقد وصف تقرير لوكالة التنمية الدولية الكندية الأوضاعَ الأمنية بأنها "هشة للغاية"، محذراً من أن "البيئة ستطرح تحديّاً كبيراً".
والواقع أن العمل في أرغنداب ربما يكون أكثر صعوبة اليوم، حيث تضم المنطقة الطرق التي تسلكها "طالبان" للتسلل إلى قندهار، وتعد أكثر منطقة خطورة في أفغانستان بسبب العبوات الناسفة التي تزرع على قارعة الطريق، ولكن كندا مضت قدماً في تنفيذ مشروع إعادة تأهيل وإعمار وادي أرغنداب والمناطق الأخرى المحيطة بمدينة قندهار باعتبارها المصدر الرئيسي للمحاصيل الزراعية في البلاد؛ حيث تم جرف الطمي والحجارة من القناة الرئيسية وقنوات التوزيع الأصغر وجُلبت مياه الري إلى المزارعين الصغار، مما ساهم في إنجاز محصول رمان يتوقع أن يكون وافراً هذا الخريف. كما تم توظيف أكثر من 2000 من السكان المحليين كعمال في المشروع منذ بدايته في 2009، على أن الهدف هو استقطاب 10 آلاف عامل مع توسع المشروع الذي يستمر على مدى عشر سنوات. ومن اللافت أنه على رغم اغتيال حاكم منطقة أرغنداب، عبدالجبار، في يونيو الماضي، وتهديدات "طالبان" للأفغان الذين يتعاونون مع الغربيين، إلا أن وتيرة المشروع المطردة لم تتوقف، وفي هذا السياق، تقول ليزا فانديهي، الرقيبة السابقة في الجيش الكندي والمحللة الرئيسية للمشروع: "هذا هو نموذج الأشياء التي تُحدث حقاً الفرق، والأفغان يدركون ذلك"، مضيفة "إنه شيء كان يطالب به السكان المحليون منذ سنوات". وعند انتهائه، يتوقع أن ينتج هذا المشروع التحولَ الاجتماعي والاقتصادي الذي يكافح الجيشُ الأميركي وحلفاؤه من أجل تحقيقه ضمن جهودهم لنشر الأمن والحكامة الجيدة في قندهار، التي تعد المعقل الروحي التقليدي لـ"طالبان".
والواقع أن الماء كان دائماً وما يزال أساسيّاً بالنسبة للتنمية في أفغانستان، وهي بلد قاحل تشكل فيه الأراضي القابلة للزراعة 10 في المئة فقط من مجموع المساحة، حيث يأتي حوالي 85 في المئة من المحاصيل المنتجة من الأراضي المروية. وحسب فانديهي، فإن السد ونظام الري يتوقع أن يؤثرا إيجاباً على ظروف معيشة 80 في المئة من سكان إقليم قندهار، حيث يمكن أن يخلق المشروع حوالي 60 ألف وظيفة زراعية جديدة بفضل زيادة الأراضي المزروعة ومضاعفة المحاصيل. صحيح أن مياه الري يمكن أن تحول أو يساء استخدامها من قبل مزارعي الأفيون؛ غير أن المشروع لديه كافة الإمكانيات للمساهمة في ثني المزارعين عن زراعة الأفيون عبر جعل المحاصيل الأخرى المشروعة -مثل القمح والرمان والعنب والمشمش- أكثر إنتاجية وربحية.
وبتكلفة تناهز 47.9 مليون دولار للسنوات الثلاث الأولى، يُعتبر مشروع سد داهلا صفقةً جيدة -وبخاصة في ضوء الـ51.5 مليار دولار التي أنفقتها الولايات المتحدة على جهود إعادة إعمار أفغانستان، مقارنة مع تواضع نتائجها. ولكن العقبات أيضاً ما تزال كثيرة؛ فنظراً للأوضاع الأمنية الخطيرة، يقوم مسؤولو المنطقة الأفغان بأعمالهم الحكومية وراء الجدران العالية لمجمع عسكري أميركي؛ ذلك أن العبوات الناسفة وكمائن المتمردين منتشرة بكثرة، مما يهدد المزارعين والعمال الأفغان، وكذلك القوات الأميركية والكندية.
وعلى رغم أن المتمردين كثيراً ما يقتلون الأفغان الذين يعملون لحساب الغربيين أو يهددونهم، إلا أن "فانديهي" تقول إن التهديدات ضد العمال في مشروع السد قليلة نسبيّاً، موضحة عدم تعرض أي عامل للقتل، وأن واحداً فقط أصيب، مستطردة: "إن السكان المحليين يدركون قيمة المشروع ولا يرغبون في أن تتوقف أعمال بنائه".
جدير بالذكر أيضاً أنه قد تم التعاقد مع شركات محلية من أجل توفير الإمدادات والمعدات، مما يمنح السكان حافزاً آخر لمساعدة المشروع على النجاح. أما توفير الأمن، فقد أوكل إلى شركة كندية خاصة تعاقدت معها الحكومة الكندية من أجل إدارة المشروع. غير أن القوات الأميركية، أو الكندية، تقوم بمرافقة وحماية "فانديهي" ومدنيين آخرين يعملون مع الحكومة الكندية أثناء زيارة مواقع المشروع؛ كما أنهم يرتدون بدلات واقية من الرصاص، ويسافرون في مركبات أو طائرات عسكرية. غير أن اهتمامهم يبقى منصبّاً على التحدي الهندسي المتمثل في إعادة بناء وتحديث نظام ري قديم ومتهالك بنته الولايات المتحدة في الخمسينيات وطواه الإهمال والنسيان على مدى عقود -وسط حركة تمرد عنيفة.
والواقع أن مجرد إيجاد التصاميم الهندسية الأصلية كان مهمة شاقة وعسيرة، حيث عثر عليها الباحثون أخيراً في صندوق قديم ومتعفن في قبو مكتبة تابعة لإحدى الشركات في "بويسي"، بولاية آيداهو الأميركية، كما تقول "فانديهي"!
وبعد أن بنت الولايات المتحدة سد داهلا في عام 1952 وأكملت إنشاء نظام قنوات الري في 1956، ازدهر الإقليم حينها حيث كان المزارعون يصدِّرون المشمش والرمان والعنب ومحاصيل أخرى إلى البلدان المجاورة؛ وكان نظام الري يمتد من السد إلى وادي أرغنداب، ومنه إلى مدينة قندهار، والصحارى الجنوبية للإقليم. يذكر أن القناة الرئيسية يبلغ طولها 58 كيلومتراً، بينما يبلغ طول القنوات الفرعية الـ 55 قرابة 290 كيلومتراً، إضافة إلى الآلاف من القنوات الأصغر. ولكن ثلاثة عقود من الحرب تركت نظام الري في حالة يرثى لها؛ ذلك أن ثلث الخزان منسد بالطمي، ولابد من تغيير أو إصلاح المولدات والجسور وأنظمة الرفع الهيدروليكية وغيرها من المعدات وعن ذلك تقول "فانديهي": "إن بعض القنوات منسدة إلى درجة أنها باتت تبدو كالطريق"، مضيفة أن تنظيف قناة فرعية واحدة فقط يوفر ما يكفي من مياه الري لإعالة 400 عائلة فلاحية من سكان المنطقة.


ديفيد زوكينو
وادي نهر أرغنداب - أفغانستان

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم. سي. تي. إنترناشيونال"

اقرأ أيضا