إعداد: محمود عبد الله (أبوظبي)- ثناء عطوي (بيروت)- ساسي جبيل (تونس)- إيهاب الملاح (القاهرة) ثمّن مثقفون وباحثون ومتخصصون عرب ملحق «الاتحاد الثقافي» الذي تصدره جريدة «الاتحاد» معتبرين أنه تجربة رائدة ومتميزة وعميقة على صعيد إرساء نسق ثقافي مختلف، ينبع من تفكيرها ورؤيتها الاستراتيجية المنبثقة من رؤية رائدة لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي كسبت السبق وحققت الانعطافة التاريخية التي جعلت منها اليوم حاضنة تنوير في المشهد الفكري العربي، ولاغنى عن دورها في سبيل ثقافة الحوار والاختلاف والتعددية والاعتدال، مؤكدة بذلك عملها الدؤوب من أجل إبعاد شبح التطرف ومقاومة الإرهاب والتكفير.. بالتفكير والتدبير. وكان «الاتحاد الثقافي» خصص عدده الصادر بتاريخ 10 أغسطس 2017، لمفهوم العلمانيّة في تفاعل ذكيّ مع خطاب سياسيّ وإعلاميّ متنوّع ومتفاوت حول هذه المسألة، إثر تصريح السّفير الإماراتي في الولايات المتّحدة الأميركيّة حول مسألة العلمانيّة، جرياً على عادته في التعاطي مع القضايا الثقافية المختلفة. وقد حرص «الاتحاد الثقافي» على طرح مفهوم العلمانية في إطاره الواسع، الشامل، وتبيان ما يعبر عنه المفهوم اصطلاحاً، وبسط دلالاته ومعانيه، ونشأته، وتفصيل مراحل تطوره التاريخية، لوضع القارئ أمام صورة شاملة حول مصطلح إشكالي، مشوّه في الذهن العام.. فضلاً عن التساؤل عن أسباب تراجع الفكر العربي العلماني اليوم، وما هي الدولة العلمانية وما هي الدولة الدينية، وإيضاح الفارق بينهما؟ وهل يمكن قيام دولة دينية، كيف؟ ولماذا؟ ثم كان من الضروري التساؤل عن آفاق العلمانية، هل لها مستقبل في العالم العربي؟ ولئن تناولت الكتابات التي تضمّنها الملفّ العلمانيّة من جوانب عدّة تتراوح بين البعد الفلسفيّ والبعد التّاريخيّ والبعد السياسيّ لقضيّة العلمانيّة فإنّ معظمها نوّه بكون العلمانيّة ليست في حرب ضدّ الدّين، وذلك ليس فقط على سبيل الرّدّ على حملة التّشويه التي طالت تصريحات السّفير يوسف العتيبة بل ردّا على مختلف الحملات التي كانت تستهدف باستمرار الخطاب العلماني عن سوء فهم حيناً، وعن سوء نيّة أحياناً. بل بيّنت بعض المقالات الواردة في هذا الملفّ أنّ مصطلح العلمانيّة، ولئن كان حديث الاستخدام في الأدبيّات السياسيّة العربيّة الحديثة، فإنّ كثيراً من مضامينه كان يعتمل في التّاريخ العربيّ الإسلاميّ في مناسبات مختلفة سواء داخل مؤسّسات الحكم السّياسيّ أو داخل مؤسّسات الفقه والتّشريع. ونقدّر أنّ النّظر والتعليق على مقالات هذه الملفّ من شأنه أن يحفّز على التّفاعل أكثر مع هذه المقاربات التي بسطها أمامنا كتّاب مشهود لهم بالصّرامة العلميّة. .سليمان موسى الجاسم: عودة إلى ألق المشروع الثقافي العربي لفت الباحث والأكاديمي الدكتور سليمان موسى الجاسم إلى أهمية أن يتصدى (ملحق الاتحاد الثقافي) لمناقشة موضوعة (العلمانية) في إطار تنويري، وفي ظل استغلال المتطرفين للدّين لزعزعة الأمن العالمي، مؤكداً أن هذه المبادرة تعيدنا إلى ألق المشروع الثقافي العربي، في العصر الذهبي لإبداع الستينيات، يوم أن كانت الصحافة والمنابر الثقافية منصات تنويرية للارتقاء بالثقافة الجماهيرية، موضحا أن المصطلح لا زال يحمل في طياته الكثير من اللّبس والغموض، كما أنّه يشير إلى أن الأنشطة البشرية والقرارات خصوصا السياسية منها يجب أن لا تكون خاضعة للمؤسسات الدينية، وقال الجاسم: العلمانية ليست ضد الدّين، وإن كانت قد اكتسبت دلالات سلبية في بعض دول الشرق الأوسط. وأضاف: يفهم البعض أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة، وهذا هو التعريف المغرض، بينما هي مفهوم سياسي اجتماعي نشأ إبان عصور التنوير والنهضة في أوروبا، وبالنسبة للإمارات فتتبنى مفهوم أن الحضارة الإسلامية مبنية على أساس الخطاب الديني الوسطي العقلاني، الذي يقوم على التقدم والفكر والاجتهاد والعمل والإيمان والحرية، لتحقيق وطن متسامح وعيش كريم للجميع، وبذلك أكدت الإمارات أنها النموذج الجديد لمجتمع متجانس عالمي. ..............................................خالد عمر بن ققة: نقلة نوعية في الصحافة نحو تنوير القارئ عبّر الكاتب والصحفي الجزائري «خالد عمر بن ققة» عن تقديره لما يصدره «ملحق الاتحاد الثقافي» بوجه عام، والملف الذي خصصه للحديث عن «العلمانية» بوجه خاص، وقال: كان من الضروري طرح هذا الملف في هذا الوقت، كون القضية التي طرحها ما زالت تمثل إشكالية معرفية سواء لدى النّخبة التي لم تتفق بعد على فهم المصطلح وتطبيقاته، أو على مستوى عامّة النّاس، وأضاف: هناك تراث تراكم لدى القارئ المثقف من أنّه حينما نتحدث عن هذا المصطلح فإن ذلك يقودنا بالضرورة للحديث عن الدّين أو (التدين) لأن الناس تلخص القضية كلها في فكرة فصل الدين عن الدولة، وهذا بالطبع يخضع لمظلتي التوظيف الديني والسياسي. وبيّن بن ققة، أن ما يمارسه الناس في أنحاء العالم هو الرهان على تطبيق العلمانية، التي أضحت مصطلحاً فضفاضاً يحتمل تأويلات عدّة، لكن المشاهدات في حياتنا تشير إلى أنّ كل ما نمارسه هو علماني بالأساس، لذا أثمن مبادرة الملحق بإثارة نقاش مشبع فرّق بين العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية. مختتماً بقوله: إن ما طرح في هذا الملف أشعرنا بحق أن المشهد الثقافي في الإمارات بخير، فالحوار المتعدد الأوجه كسر تابوهات ما هو محرّم على المستوى العقلي لدى البعض، علاوة على ان الملف يشكل نقلة نوعية في الصحافة الثقافية نحو تنوير القارئ. ................................................ريم الكمالي: شجاعة متناهية لإعادة تشكيل الوعي بالمصطلح وصفت الروائية الإماراتية ريم الكمالي، مبادرة الملحق بتناول هذا الموضوع بـ (الشجاعة المتناهية) ، و (الخطوة الجبارة)، وقالت: هذه هي المرة الأولى التي يفرد فيها ملحق ثقافي يصدر من الإمارات مساحة كبيرة لمصطلح العلمانية وما يتصل به من إشكاليات، وبالتالي نستطيع القول إن (الاتحاد) بهذا وأشياء أخرى كثيرة تؤصل مفهوماً جديداً للصحافة الثقافية، وتفوقت على صحف كبرى في العالم العربي طالما نشرت الفكرة باستحياء طوال 75 عاماً مضت، بعد أن تمّ تشويه مفهوم المصطلح، وترويجه للعامة من البسطاء ومحدودي الثقافة على أنّه مرادف للكفر واللادينية، وتم ترسيخ ذلك حتى ورثت هذا المعنى أجيال متعاقبة، وهو في الأصل مصطلح سياسي مبني على تقبل الآخر، واحترام حرية الإيمان والأديان والثقافات. نشكر ثانية القائمين على هذا الإنجاز في إعادة تشكيل الوعي بالفكر وبفلسفة العلمانية في حماية ما يختاره الناس في ممارساتهم كاملة. ................................................ فاطمة الصايغ: جميل أن ينطلق هذا النقاش من بلد التسامح أشادت الدكتورة فاطمة الصايغ، رئيسة قسم التاريخ في جامعة الإمارات العربية المتحدة، بتبنّي ملحق«الاتحاد الثقافي» لموضوع العلمانية (بفتح العين) باعتباره قضية الساعة، وقالت: ما زال الجدل دائراً حول هذه الكلمة وحتى طريقة نطقها، ومن الجميل أن ينطلق مثل هذا النقاش من هنا من الإمارات، بلد التسامح واحترام الآخر، وفي ظل ظروف يتمدد فيها الإرهاب عالمياً. مضيفة :«كمسلمين حينما كنّا نسمع كلمة علمانية يساورنا الخوف والقلق، بمقابل ذلك العالم أخذا الجانب الإيجابي منها نحو التقدم في كافة المجالات. مشددة على أهمية البحث في مسألة تجديد الفكر العربي الإسلامي من منطلق نقد العقل الذي أنتج التراث الذي لا يزال يفعل فعله في تشكيل المحددات المعرفية للحضارة، وأيضا تشجيع العلوم والبحث والنقد، والتحليل والاستفادة من كل الفرص التي تسمح لنا أن نكون أمة ناهضة. وقالت: علينا، وهذا ما دعا إليه الملف، أن نكرس مفهوم (الحرية المنضبطة) في كل مجالات الحياة وبخاصة الثقافة، لأن العلمانية في الواقع ليست ضد الدين. ................................................عبد الله عبد الرحمن: ملف العلمانية جاء في وقت مثالي أكد الكاتب والباحث في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة عبد الله عبد الرحمن، أن الوقت الذي تصدى فيه ملحق «الاتحاد الثقافي» لقضية العولمة، كان مثالياً، وذلك للجدل الذي لا ينقطع حول المصطلح، وسوء الفهم والمغالطات والظلال التي تشوب فهم العلمانية، وهي في تقديري نموذج فكري يدعو إلى أن تكون جميع القرارات المتعلقة بشؤون الحكم والإدارة والتشريع والقضاء مستندة إلى الأسس الموضوعية والمنطقية والمصالح الوطنية والتوازنات السياسية والاعتبارات الأخلاقية، وليس إلى الأسس الدينية. وقال: أنا شخصيا سعدت بهذا الإنجاز التنويري الذي جاء في شكل ملف عميق الفكر، مستشرف الرؤية، وفيه الاختلاف سيد الكلمة، وأرى أن المبادرة قيّمة، وقد عملت على نشر بعض من محتوى الملف وغلافه الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي. ................................................ يوسف الحسن: كل الجهود يجب أن تعزز الدولة المدنية الحديثة يقول الكاتب والباحث د. يوسف الحسن: ليس في النصوص الإسلامية المحكمة، نص يشتمل على نظام محدد المعالم والتفاصيل، ملزم للحياة السياسية للدولة، لا «خلافة» ولا دولة ثيوقراطية، ولا دولة علمانية (زمنية)، إنما ترك الإسلام الأبواب مشرعة للمسلمين يختارون ما يصلح لهم بحسب أحوال كل عصر، وظروف كل مكان. المهم هو النظام الذي يحقق العدل، ويكفل الحريات العامة والأمن والخير والمساواة والمواطنة المتكافئة بين الناس، الدولة العادلة هي الأساس، الظلم هو الخراب حتى ولو جاء من دولة مسلمة. المستبد قد يكون مسلما وقد يكون ملحدا، المهم هو أن لا تتدين السياسة وأن لا يسيس الدين. ويضيف د. يوسف الحسن: في وطننا العربي هناك سوء فهم للمنطلقات الفلسفية للعلمانية، وتواريخها، وتعدد تطبيقاتها في العالم، ولشروطها والقوى السياسية والاجتماعية التي تتبناها، أوروبا فصلت الدولة عن الكنيسة، لكن الفصل عن الدولة شهد تنوعاً نسبياً، فرنسا كانت الأكثر تطرفاً، في حين أن بريطانيا توجت الملكة رئاسة للكنيسة، وحملت لقب حامية الإيمان، ويدخل الدين في حفل تتويج الملوك والعلم ومراسم الزواج.. إلخ. ويستطرد: في أميركا علمانية مرنة، والشعب الأميركي من الشعوب الغربية الأكثر تديناً، والدولة لا تتدخل في الدين، ولا تسمح للدين بالتدخل في الدولة، وفي ألمانيا لا توجد كنيسة حكومية عكس الحال في بريطانيا، الدولة الألمانية تساهم في تمويل المدارس الدينية التابعة للكنائس، في حين يحرم القانون الأميركي على الدولة مثل هذا التمويل، ماليزيا رغم أن دينها الرسمي هو الإسلام إلا أنها دولة علمانية وفقاً للدستور. المهم أيضاً أن الدولة العلمانية لا تأخذ شرعيتها من رجال الدين وإنما من الناس وفق آليات متنوعة، وأبرزها الديموقراطية. ويختتم د. الحسن:«أنا لست مع مماحكات سياسية حول العلمانية في هذه الأزمنة الصعبة والكرب العظيم الذي تعيشه الأمة العربية، وقد سبق للأزهر الشريف أن أصدر أوراقاً منذ سنتين أقر تسمية «الدولة المدنية» بديلا عن علمانية ملتبسة، ودينية إسلامية لا تجلب منفعة ولا تدفع مضرة. كل الجهود ينبغي أن تنصب في اتجاه تعزيز الدولة المدنية الحديثة. محمد العامري: إرساء مفاهيم جديدة تعطل كل المشاريع الظلامية أشاد الكاتب الإماراتي الدكتور محمد علي العامري بالجرأة الكبيرة التي تناول بها الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد موضوع العلمانية، هذا المصطلح الإشكالي خصوصاً في العالم العربي، الذي يعيش اليوم مرحلة تاريخية دقيقية وتحولات أتت على الكثير من الخصوصيات وعصفت بالعديد من الثوابت من أجل عالم متجدد ومتحول باستمرار. وقال العامري، في سياق تعقيبه عن التناول المتكامل للموضوع، إن دولة الإمارات العربية المتحدة تخوض اليوم معركة ضد التكفير والتطرف وتسعى إلى إرساء مفاهيم جديدة من شأنها أن تعيد للإنسان دوره وتعطل كل المشاريع الظلامية التي لم تأتِ على المنطقة العربية بالخصوص إلا بالوبال، وكتب العامري: إن القراءة العميقة لمثل هذه الإشكاليات تبقى أساسية في العملية المعرفية، ومن شأنها أن تحرر الإنسان العربي من كارثة الجاهز والمستهلك واليومي والهامشي السطحي الذي لا يضيف شيئا للعقل البشري، الذي يبقى في حالة تجدد مستمر وبحث عما يناسب واقعه ويستشرف مستقبله ومستقبل الأجيال من بعده. وقال العامري، في سياق متصل، إن الغاية الأساسية للمنظومة الثقافية والفكرية الإماراتية اليوم بنيت بالأساس على ترسيخ قيم السلام والمحبة والتعايش والتسامح والتضامن والرحمة، وهي قيم مطلوبة اليوم لإيقاف نزف الحركات المشبوهة التي تريد إرساء واقع ظلامي لا مكان فيه إلا للدم والقتل والحرق، واقع لا يعترف بالتحول والتطور والنماء والانتصار للقيم النبيلة وخلص الكاتب الإماراتي إلى القول إن الثقافة هي الأساس عند المقارنة بين الشعوب والحضارات، وعمق الثقافة هو عنوان التفوق والريادة والرقي عند أي مجتمع لا سيما والإمارات تعيش أزهى أيامها من حيث البناء والريادة والثقافة والتقدم في كل الجوانب الحضارية. جميل أن تخصص صحيفة الاتحاد العريقة ملحق خاص يركز على الجوانب الثقافية المضيئة في مجتمع الإمارات الساعي إلى المضي قدماً نحو التفوق في كل شيء، خاصة في الجانب البشري والمعرفي، والاعتماد على عقول أبنائه المتنورين والمثقفين. عباس بيضون: من الأهمية إعادة طرح «العلمانية» من قبل المثقفين أنفسهم الشاعر والكاتب الصحفي عباس بيضون أكّد أن العلمانية هي بالدرجة الأولى اتّجاه ثقافي، ومن الأهمية أن يُعاد طرحها من قبل المثقفين أنفسهم الذين يفترض أن يظلّوا ممسكين ببوصلة العقل والعلم. ومن أجل نقاش موضوع العلمانية، يجب أن يكون مستوانا السياسي والثقافي قد وصل إلى مرحلة تتخطّى الدولة الإيديولوجية، وتحوّل الثقافة إلى عمل ديمقراطي مُتعدّد. وقال إن الإسلام ليس معادياً للعلمانية، والدين لا يعاديها أيضاً، لكن يمكننا القول إن الدولة العقائدية ليست هي الدولة المطلوبة، ليس لأننا فقط رأينا على أي نحو انتهت الدول العقائدية والشيوعية والنازية والفاشية، وهي التي تحوّلت إلى طغيان واستبداد وانهارت تحت وطأة الشعب نفسه. لقد تمّ تجاوز الدولة العقائدية، ولم يعد الدين عقيدة سياسية بقدر ما هو عقيدة روحية، وأصبحنا بحاجة ملحّة إلى الدولة العلمانية في ظل الحرب الأهلية المفتوحة في كل مكان، ودخول الشعب كلّه في صراعات مذهبية وتحويل الدولة إلى سلاح طائفي. كما أن الحاجة إلى العلمانية تكبر كي تتحوّل الخلافات بين الشعب إلى حوار، وتجعل من الدولة راعية للصراع الاجتماعي الداخلي، وناظمة للأمور بين أطراف الشعب، ومديرة للصراعات بين أجزائه. عبده وازن: «الإمارات» تؤدي الدور التنويري الذي نحتاجه الشاعر والكاتب الصحفي عبده وازن نوّه بالجهد الكبير الذي بذله القيّمون على ملف العلمانية في معالجة القضية بجرأة وعمق، ورأى أن هذا الملحق قد يكون مقدّمة مهمّة لاستعادة مفهوم العلمانية في أبعادها الحقيقية، وخصوصاً في المرحلة الراهنة التي يحتاج فيها العالم العربي إلى مثل هذه الطروحات والأفكار. وأكّد أن العلمانية ليست دعوة إلى التخلّي عن الدين ولا إلى الإلحاد، بل على العكس إنها ترسيخ لمقولات يدعو إليها الدين، كالمحبة والتسامح والاعتراف بالآخر واحترام الأقلّيات واعتبار الإنسان قيمة روحية. بل تنصّ على احترام الدين والإيمان والحرية التي منحها الله للإنسان. ويحضرني قول للباحث الفرنسي روبير إسكاربيت في كتابه «المدرسة العلمانية، مدرسة الشعب» وهو: «العلمانية هي التيسير العالمي للتراث الإنساني، إنها القانون الذي يفترض على كل إنسان أن يمتلك الخير وأن ينشر هذا الخير بين البشر». ولفت وازن إلى أن العلمانية تختلف بين دولة وأخرى في الغرب، لكن معظم الدول تعترف بالأديان وبحق الإنسان في الإيمان والتديّن. ولعلّ دولة الإمارات العربية التي استطاعت أن تبني دولة متطوّرة وحديثة تجمع بين الأصالة والحداثة في مفهومها الشامل، العمراني والتكنولوجي والاجتماعي، تُمثّل خير نموذج للدولة التي تحترم الإنسان والمواطن، الفرد والجماعة، ولا تميّز بين أقلّية وأكثرية، ولا بين أعراقٍ وجنسيات. وهي الآن تؤدي دوراً طليعياً في نشر الإسلام والدفاع عنه، ومواجهة الحركات الظلامية التي انحرفت عن جوهر الإسلام وعن رسالته السامية الموجّهة إلى البشرية وراحت تنشر التكفير والرعب، وهما لا علاقة للإسلام بهما. وما أحوجنا في العالم العربي إلى دولة كريمة مثل دولة الإمارات التي تؤدي اليوم الدور التنويري الذي نحتاجه، داعية إلى ترسيخ أخلاقيات الإسلام الراقية ومناقبيته العالية التي تمثّل منارةً في العالم الحديث. وأكّد وازن أن العلمانية تدعو إلى التآخي بين الإنسان والمجتمع وبين الإنسان وأخيه، وتنادي بالحق والعدالة، وهي تستوحي روح الدين مبتعدة عن كل ما يفصل بين البشر أنفسهم، وهذا هو أحد أهداف الأديان التوحيدية والدين الإسلامي. ولعلّ الأمثولة التي يمكن استخلاصها في شأن العلاقة بين الدين والعلمانية، هي تجربة المطران غريغوار حداد، الكاهن المسيحي الذي رفع لواء العلمانية في لبنان وناضل من أجلها أعواماً طويلة، وكان واحداً من كبار المنظّرين للعلمانية الإيمانية، وقد نجح في الجمع بين العلمانية والدين في دراسات عميقة وشاملة، من دون أن يتخلى عن الدفاع عن الدين مسيحياً وإسلامياً. ويقول في هذا الصدد: «العلمانية ليست كما يتّهمها البعض تحرراً وتحريراً من الدين، بل هي مساهمة في تحرّر الدين والإيمان من كل ما يشوههما أو يشوبهما من انحرافات». ورأى وازن أنه لا يمكن اختصار العلمانية كفلسفة في ما يشبه الشعار وهو «فصل الدين عن الدولة» وهذا ما يعمد البعض إلى تبنّيه والقول به. العلمانية أبعد وأعمق من هذا الشعار، وهي أولاً وأخيراً لا تفصل بين القيم التي يتمثّلها الدين وقيم المجتمع الإنساني والمدني. فالدين يبقى هو المرجع الأخلاقي والميتافيزيقي لأي حركة علمانية وهي تستوحي أبعاده وجوهره ولا تبتعد عن غايته العظمى. يوسف أبولوز: «الملحق الثقافي» لقّن درساً للردّاحين والحرّاضين أكد الشاعر والكاتب الصحفي يوسف أبولوز في تعقيبه على ملف «العلمانية» إن «تصريحات سفير دولة الإمارات العربية المتحدة في نيويورك التي أدلى بها قبل فترة حول العلمانية جرى فهمها بسرعة على نحوٍ خاطئ، وأكثر من ذلك بالمقلوب، كما تم توظيف ما قاله السيد يوسف العتيبة إلى غرض سياسي وأيديولوجي وديني وهي أبعد ما تكون عن هذه الحيثيات، فيما كان الرجل يتحدث في إطار ثقافي بحت منطلقاً من مفاهيم تاريخية وتجارب تعددية أساسها المعرفة لا الجهل، وروحها التنوع لا الانغلاق، فيما أبواق الانتهاز والمتاجرة الرخيصة بالمفاهيم والأفكار والمصطلحات كانت تنشر كوليرا العتمة والتجهيل بأقلام متاجرة أقل ما يقال فيها إن من يحملها هم مرتزقة وصيّادو فرص المال في الأزمات، وركوب الموجات العالية والهابطة في كل مكان مهيأ لهم لمثل هذا النمو الطفيلي.. أقول فيما كانت هذه الأبواق تفضح إنشائياً وعدوانياً وتحريضياً وتعبوياً لصب المزيد من الغاز على النار.. وفي هذه اللحظة اليقظة النابهة من جانب الصحافة الثقافية الإماراتية الفكرية الرؤيوية التنويرية.. لقّن الملحق الثقافي في جريدة «الاتحاد» درساً لأولئك الردّاحين والحرّاضين». وأضاف يوسف أبولوز: «في البداية.. لم يضع عدد اليوم الخميس (10 أغسطس 2017) من «المحلق الثقافي» في جريدة «الاتحاد» في حسبانه الدفاع عن فرد، إنما الدفاع عن مفهوم ثقافي. لم يكن السفير هو المعني بالدفاع عنه، وإنما عن فكرته، أو مقولته التي تم تدويرها واستغلالها أسوأ استغلال. هنا كان لا بد من ردّ.. هادئ أولاً، ثقافي ثانياً، فكري ثالثاً، فلسفي رابعاً، تنويري خامساً.. بأقلام عربية محيّدة أصلاً عن كل ما هو سياسي نفعي، استندت إلى نصوص من القرآن الكريم، وأعطت معلومات، وهذا هو المهم.. معلومات تشرح بالإجمال العام لقراء العدد أن الأزمة الراهنة التي تعيشها المنطقة، ليست في الواقع أزمة سياسية فحسب، بل، هي أزمة ثقافة، وأزمة أفراد راحوا يلعبون في الزمن وفي المكان وفي الثقافة.. ببساطة تشويه كل ما له صلة بثقافة الحياة والجمال والمحبة». واختتم يوسف أبولوز بقوله: «ببساطة.. عشّش الإخوانجية ومشتقاتها أو مشتقاتهم في بلد عربي خليجي وإلى جوارهم سياسيون هاربون من وجه العدالة ويشتغلون في مؤسسة عالمية اليوم هي مؤسسة الإرهاب، وتوزيعه، وتصديره، وتغذيته، وتمويله بالمال والإعلام والإيواء. هذه حالة أو هذه ظاهرة.. كان لا بد من فكر يقول لها لا وألف لا.. ظاهرة لا بد لها من ثقافة ومتنوّرين ومخلصين وحقيقيين، بل، وأبناء ترتفع في أرواحهم الغيرة على أوطانهم إلى حدّ العمل الثقافي النبيل في جوهره فعلاً.. للرد على السطحي والرغوي بمادة علمية متونها وهوامشها تقول إن الثقافة ليست فقط قوّة ناعمة، بل، هي أيضاً قوّة خشنة، وهدف الخشونة تحويل ذلك الجاهل إلى معرفي هادئ.. يفرّق جيداً بروح صافية بين الله سبحانه وتعالى جلّ وعلا.. وبين الشيطان».