الاتحاد

الإمارات

ارتفاع سن زواج المواطنين إلى 25 عاًما مقارنة بـ 18 قبل عقدين

تحقيق: أحمد المنصوري
يبدو أن ارتفاع معدل سن الزواج عند الجنسين أمر لا مفر منه، إذ باتت تحكم قرار الزواج ظروفا ومعايير تختلف تماما عن تلك التي تعود عليها المجتمع الإماراتي حتى سنوات قريبة، غير أن تلك الظروف نفسها تتفاوت بشكل واضح لايمكن معه تحديد أسباب ثابتة ولا حتى حلول محددة·
الجميع يعلم أن 'مؤسسة الزواج' تمثل مجموعة من الحاجات البشرية التي يحقق معها الفرد استقراره ، فهي الإطار المثالي لإشباع الرغبات العاطفية والنفسية والجسدية والحسيّة، ولكن فيما يبدو أيضا أن هذه المؤسسة تواجه مثل غيرها عراقيل وقضايا تهدد إنشاءها أصلا ،فتعقيد ظروف الحياة واختلاف أولويات الناس والاهتمام بالماديات بشكل أكبر تمثل جميعها الأسباب الرئيسة لتأخر سن الزواج ·
وحسب مهتمون ومختصون فإن قضية تأخر سن زواج الشباب أصبحت أمرا مقلقا في المجتمع شأنه شأن كثير من القضايا التي يحاول المجتمع التصدي لها وعلى رأسها الطلاق والزواج بأجنبيات والتفككك الأسري الأمر الذي يفرض مناقشة أسبابها وأثرها على الفرد والمجتمع بشكل عام·
ويرى سلطان الكراني أن من أهم أسباب تأخر سن الزواج هو تدخل الأهل في اختيار الزوجة وكذلك بسبب غلاء المهور وزيادة تكاليف الزواج، معتبرا أن للأسرة الدور الأكبر لأنها تقيد الشاب في كل ما يتعلق بأمور زواجه ظنا منها بأنها تخدمه·
وأيد الكراني زواج الشاب في سن مبكرة إذا توفرت فيه شرط النضوج والتعقل في ظل ظروف مادية ميسورة، منتقدا موقف بعض الفتيات من رفض الشاب المتقدم إليها بالزواج بحجة إكمال الدراسة مؤكدا أن أولوية الفتاة يجب أن يكون للبيت·
ورفض ما يذهب إليه البعض بأن الزواج المبكر يؤدي إلى الفشل مشيرا إلى أن هناك أسبابا غير مباشرة لفشل الزواج المبكر، وأهمها تدخل الأهل في كل الأمور لظنهم أن الطرفين غير قادرين على اتخاذ قرارات في حياتهم نظرا لصغر سنهم·
أسباب التأخر
أما غمدان الخرباش فيرى أن أسباب تأخر سن الزواج هي إما قصة حب فاشلة أو الظروف الاقتصادية للشخص أو انحصار الاختيار على بنات العم أو الخال مؤكدا أنه في بعض العائلات لا يستطيع الشاب أو الفتاة الارتباط بشخص آخر خارج العائلة·
واستنكر مبدأ عدم الزواج من أجل إكمال الدراسة الذي تؤمن به بعض الأسر وقال: 'لا أتصور أن هناك من يتمنى أن تدخل بناته في دهاليز العنوسة من أجل شعارات بعيده كل البعد عن المنطق·'
واقترح الخرباش اتخاذ حلول من أجل حل مشكلة تأخر سن الزواج كتقليل المهور والبعد عن الغلاء والمظاهر الكذابة، وغرس فكرة أهمية الزواج في ذهن الأبناء في سن مبكرة وتبيين محاسنها وكيفية المحافظة عليها في إطار التنشئة الدينية الصحيحة·
الزواج مسؤولية
أما معصومة عبد الرحمن فقد حصرت أسباب تأخر سن الزواج في غلاء المهور وتكاليف الزواج الباهظة، وعدم رغبة الشباب في تحمل المسؤولية، والظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تحول دون الزواج المبكر·
واعتبرت أن الكثير من الشباب ينشد حياة المتعة واللهو ولا يريد تحمل المسؤولية، وأن الفتيات أيضا نسين دورهن المهم في تكوين الأسرة وجرين خلف المظاهر والعادات الدخيلة·
وشددت على أن 'الأسرة تتحمل مسؤولية الكثير من المشكلات في المجتمع، لأن الأسرة نواة المجتمع إذا صلحت أنتجت أفرادا واعين بمسؤوليتهم تجاه المجتمع·'
ورفضت فكرة ضرورة زواج الشاب في سن مبكرة قبل إكمال الدراسة والالتحاق بوظيفة معتبرة أن الحالة الاقتصادية السيئة تؤدي إلى فشل الكثير من الزيجات، أو أنها تؤدي إلى اتكال الشاب على الدعم المادي من والده إذا كان ميسور الحال·
كما رفضت التعميم بأن الزواج المبكر يؤدي إلى الفشل معتبرة أنه يكون إيجابيا في الحالات التي يكون فيها الزوجان على درجة من الوعي والمسؤولية وقادران على تحمل الأعباء الحياتية·
وأوضحت معصومة أن الزواج يجب ألا يكون عائقا أمام إكمال الفتاة للدراسة مشددة على ضرورة أن يكون الزوج واعيا بحق الزوجة إكمال دراستها·
الدراسة مهمة
من جانبها تعتقد فاطمة الزعابي أن أسباب تأخر سن الزواج هي التغيرات الاقتصادية والاجتماعية، حيث أن الزواج لم يعد مسألة سهلة مثلما كان في الماضي·· وأيضا اختلفت أولويات الناس كتفضيل الدراسة والوظيفة على الزواج·
وانتقدت ما يقوم به بعض الشباب بتأخير الزواج اعتقادا منهم بأن الزواج يقيد من حرية الشخص معتبرة أن هذا هو سلوك المنحرفين الذين يتبعون الشهوات ولا يريدون الاستقامة في حياتهم· وترى الزعابي أن السن المناسب للزواج يختلف من شخص لآخر حسب الظروف والإمكانيات ودرجة الرشد والوعي بالمسؤولية·
وأيدت موقف الفتاة التي ترفض الشخص الذي يتقدم إليها ويشترط عليها أن تترك الدراسة معتبرة أن الدراسة مهمة بالنسبة للفتاة وقد يتقدم إليها شخص آخر يوافق على إكمالها للدراسة·
ارتفاع مقلق
خبراء العلاقات الأسرية والاخصائيون الاجتماعيون يرون أن تأخر سن الزواج في المجتمع الإماراتي لا تعد ظاهرة اجتماعية خطيرة مقارنة بالوضع في بعض الدول العربية الأخرى، مشيرين رغم ذلك إلى أن هناك ارتفاعا مقلقا في متوسط سن الزواج في الدولة في السنوات الأخيرة مقارنة بالوضع قبل عشرين سنة·
فقد أوضح عبد السلام محمد درويش رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري في محاكم دبي أن متوسط سن الزواج في المجتمع الإماراتي قبل عقدين أو ثلاثة عقود كان 18 عاما للشاب و 17 عاما للفتاة مشيرا إلى أن هناك حالات من الزواج كانت تتم لأفراد أصغر سنا من ذلك·
وحول متوسط سن الزواج الحالي أكد رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري حدوث ارتفاع في متوسط سن زواج الشاب إلى 25 عاما و 23 عاما للفتاة، معتبرا أن التغيرات الاجتماعية والظروف الاقتصادية التي تشهدها الدولة أثرت في مدى تأخر وضع الزواج كأولوية عند الشباب من الجنسين بعد اقتحام حياة الناس أولويات أخرى كالدراسة والوظيفة·
وقال عبد السلام درويش: 'إن متوسط سن الزواج في الدولة يتساوى تقريبا مع بقية الدول الخليجية·· ورغم كونه مرتفعا نسبيا، يستدعي سرعة التحرك لتجنب تفاقمه، إلا أنه في الدول العربية الأخرى كمصر والأردن والمغرب فهو مرتفع بشكل كبير ويتجاوز 30 عاما للشاب، ويعدُّ مشكلة اجتماعية تعاني منها تلك الدول·'
اختلاف الأولويات
وأشار رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري إلى أن هناك أسبابا مختلفة أدت إلى تأخر سن الزواج عند الجنسين وأهمها تأخر الزواج كأولوية بالنسبة للشاب والفتاة·
وقال: 'هناك للأسف قطاع كبير من الشباب يعدّون السيارة أولوية مقدمة على الزوجة، فترى الشاب بعد تخرجه وحصوله على وظيفة يُقدم على قرض بنكي لشراء سيارة غالية، وعندما تسأله عن سبب تأخيره الزواج يقول إنه لا يملك القدرة المادية على ذلك!'
وأضاف: 'العجيب أن الشاب في هذه الحالة كانت له القدرة على شراء السيارة كونها أولوية بالنسبة له، إلا أن الزواج الذي لا يعدها أولوية يجد ألف عذر لتبرير التأخير·'
أما بالنسبة للفتاة، فيرى رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري إن الأولوية أصبحت الدراسة والوظيفة عوضا عن الزواج وتكوين أسرة، مشيرا إلى أن الكثير من الفتيات ترغب في أن تضمن وظيفة يدرّ عليها بالدخل وتضمن حقها في العمل لعدم الثقة في زوج المستقبل الذي قد يضيّق عليها·
وأورد عبد السلام درويش حول الأسباب الأخرى التي أدت إلى تأخر سن الزواج كتأخر منحة صندوق الزواج، حيث أصبح على الشاب الانتظار ما يقارب الثلاث سنوات حتى يستلم المنحة، معتبرا أن هذه الفترة طويلة ولا تخدم الأهداف التي وضع من أجلها الصندوق· كما أضاف رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري ظروف الدراسة والوظيفة والغلاء المستفحل في المهور ومصاريف الزواج والحياة بصورة عامة·
وحول ظاهرة رفض الفتيات وأهاليهن للخاطب بحجة إكمال الدراسة، اعتبر رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري أن هذه الظاهرة غير صحية، مؤكدا أن الزواج لا يشكل عائقا أمام زواج الفتاة خاصة بعد انتشار الكليات والجامعات في معظم المدن حيث أصبح بإمكان الفتاة الزواج وإكمال دراستها في مكان إقامتها·
حلول المشكلة
ووجه رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري عدة نصائح ومقترحات بشأن الحد من مشكلة تأخر سن الزواج منها جعلُ الزواج أولوية بالنسبة للشاب والفتاة· معتبرا أنه يجب على الشاب حال حصوله على الباءة أي المقدرة المادية فليبادر إلى الزواج، قبل شراء سيارة أو الدخول في مشروع تجاري وغيرها·· وذلك امتثالا للحديث الشريف 'يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج·' كما نصح الشباب والآباء والأمهات ألا يضعوا عراقيل وهمية أمامهم كإكمال الدراسة الجامعية، أو الشروط التعجيزية كالغلاء في المهور والتكاليف الباهظة·
ودعا عبد السلام درويش لإيجاد حل لمشكلة تأخر صرف منح الزواج إما بزيادة الدعم الحكومي، أو دعم المحسنين ورجال الأعمال·
كما طالب رئيس قسم التوجيه والإصلاح الأسري بإنشاء قاعات وصالات أفراح خيرية غير ربحية كما هو موجود في بعض الإمارات، وأن تكون مجهزة بشكل جيد، تفرض رسوما على التكاليف فقط·
ضرورات الحياة
أكد الشرع الكريم أن الزواج وسيلة إلى تحقيق أمور عظيمة وحبّب للناس إليه، واعتبره ضرورة من ضرورات الحياة لما يحقّقه من آثار طيبة وثمرات مباركة تعود على الفرد نفسه ومجتمعه وأمته بالخير العميم والنفع العظيم·
ويرى الواعظ بوزارة الأوقاف طالب الشحي أن أكثر الشباب الذين يؤخرون الزواج يرضخون للوساوس الشيطانية حيث يوسوس الشيطان للشاب، ويزهّده في النكاح الشرعي، كأن يقول له: كيف تقدم على أمر لا تستطيعه وأنت قليل ذات اليد، وسوف لا تجد من يقرضك ولا من يعينك، والأمور شاقَّة أمامَك والطريق صعب·· أو أن يوسوس له بأن الزواج يقيِّد حريتك ويحملك المسؤولية ويلزمك النفقات في السنّ المبكر فتبقى شقيا مع زوجة وأولاد وأمامك زمن طويل··
وأشار فضيلته إلى أن التعذر بالتمتع وعدم تحمل المسؤولية لا تصدر إلا من إنسان لم يفهم ويعي المقاصد الشرعية في الزواج ولم يدرك آثار الزواج على الوجه الصحيح·
حجج واهية
واعتبر فضيلته أن تأخير الزواج بهذه الحجج الواهية يكون لغبش في التصور وخلل في التفكير، لافتا إلى أن ذلك من إفرازات ضعف المعتقد وسوء الفهم لأحكام ومقاصد الشريعة الغراء، ونظرة مشوشة حول المستقبل، تخوف لا مبرر له، والاعتماد على المناصب والماديات، والتعلق بالوظائف والشهادات، وتأمين فرص العمل··
أُنس ومودة
وأوضح الشيخ طالب الشحي الآيات والأحاديث الشريفة التي تدل على أن الزواج أنسٌ ومودة وراحة للنفس، وكذلك هو مصدر للغنى·
ورد فضيلته على القول بأن الزواج المبكر مصيره الفشل بأن فشل هذه الزيجات سببه الأزواج لا على الزواج، معتبرا أن سوء الاختيار وعدم حسن التعامل والجهل في الفكر والقصور في التفكير وعدم معرفة الحقوق مع قلة الوازع الديني هو الدافع للفشل في بعض الأسر، مؤكدا أن حسن الاختيار وسلامة الفكر وحسن التعامل والعشرة فيكون النجاح والتوفيق في حياة الزوجين·
ونصح فضيلته الشباب من الجنسين الذين يضطرون إلى تأخير الزواج لظروف خارجة عن الإرادة إلى الاستعفاف حيث يقول تعالى: (وَلْيَسْتَعْفِفِ ؟لَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى؟ يُغْنِيَهُمُ ؟للَّهُ مِن فَضْلِهِ) (النور:33) موضحا أن الاستعفاف يكون عن طريق الصيام وغضّ البصر والبعد عن مواطن الفتن التي تثير غريزة الإنسان·
الزواج لايعيق التحصيل العلمي
استنكر الشيخ طالب الشحي قيام بعض الشباب والفتيات بتأجيل الزواج بحجة إكمال الدراسة أو الارتقاء الوظيفي معتبرا أن الزواج لا يعوق التحصيل العلمي أو التقدم والرقي·
وأكد فضيلته أن الزواج الموفق يعين على تفرغ الذهن وصفاء النفس وراحة الفكر متســــائلا: 'ماذا تنفع المرأة شهاداتها العليا إذا بقيت عانسا قد فاتها ركب الزواج، وأصبحت أيِّما لم تسعد في حياتها بزوج وأولاد يكونون لها زينة في الحياة، وذخرا لها بعد الوفاة؟'

اقرأ أيضا

ولي عهد الفجيرة يحضر أفراح المرشودي واليماحي والزيودي