الاتحاد

دنيا

التدريب المستدام حاجة الصحافيين الدائمة


يملك معظم الصحفيين الإذاعيين في الولايات المتحدة بعض التعليم الجامعي، لكنهم غالبا ما يعبرون عن رغبة ملحة في تحسين وتطوير مهاراتهم لمواكبة التقدم التقني من جهة ولتكثيف التخصص في قضايا العالم المعقدة· حول هذا الموضوع اعدت ديبورا بوتر، مديرة نيوزلاب، مركز أبحاث وتدريب الصحفيين العاملين في محطات التلفزة بالولايات المتحدة دراسة جاء فيها:
يُعتبر العمل الصحفي في الولايات المتحدة، في العادة، كأحد العلوم المهنية، لكن ليس فيه الكثير من أوجه الشّبه بالمهن الأخرى، كعلوم الحقوق والطب· فليس في الصحافة تعليم مُتخصص أو امتحانات دخول، ولا تعلّم مستدام· وعلى الرغم من أن الشبان الأميركيين الذين ينخرطون في حقل الصحافة الإذاعية اليوم درسوا الصحافة على المستوى الجامعي، غير أنهم، بعد دخولهم سوق العمل، قلمّا يحصلون عن أي تدريب إضافي في الصحافة، إلا عندما يسعون لذلك بمفردهم· فالعديد من الصحفيين العاملين حالياً لا يحثون الطلاب، الحصول على شهادة في الصحافة أو في حقل اتصالات متقارب منها، بل يحثوّنهم، بدلاً من ذلك، على الحصول على ثقافة واسعة في العلوم والفنون الإنسانية· 'إنها إحدى أقل الشهادات فائدة التي يمكنك امتلاكها'، كما يقول عنها مدير الأخبار دايف بوزيك من محطة تلفزيون 'كاي سي سي آي ـ تي في' في ديموان، بولاية آيووا· ويضيف، 'أُفضّل بكثير أن أرى إنساناً يحمل شهادة بكالوريوس أمضى سنة أو سنتين في الشارع لتغطية الأخبار وفي تعلم كيف يكتب'·
الخريجون الجدد
رغم هذا، يبقى حقل إذاعة الأخبار ميدانا يتنافس فيه الكثيرون، ويجد الطلاب أن امتلاك شهادة في الصحافة يوفر لهم الأفضلية في العمل، على الأقل عندما يبحثون عن أول وظيفة لهم· فقد بيّنت إحدى الدراسات ان حوالي 90 بالمئة من خريجي الكليات الذين يتسلمون أول وظيفة لهم في الأخبار التلفزيونية يكونون متخرجين من برامج جامعية لتعليم الصحافة والاتصالات· يرغب أصحاب العمل عند توظيف عناصر جديدة في أن تكون هذه العناصر الجديدة جاهزة للعمل فوراً ومباشرة في غرف الأخبار التلفزيونية والإذاعية، حيث يوجد نقص في عدد العاملين فيها· ويعلم مديرو الأخبار أن الطلاب الحائزين على شهادة في الصحافة الإذاعية يعرفون القواعد الأساسية: كيفية تصوير الأحداث، وتنقيح وإعداد صوت وصور الفيديو، والكتابة بأُسلوب إذاعي·
ففي الكليات، مثل جامعة ميزوري وجامعة بريغهام يونغ، يكتسب الطلاب التجارب عن طريق إنتاج ونقل الأخبار لنشرة أخبار تلفزيونية يومية· كما تتطلب معظم برامج دراسة الصحافة الإذاعية من الطلاب أن يكملّوا، على الأقل، فترة تدريب عملية واحدة في إحدى غرف الأخبار الإذاعية، الأمر الذي يساعدهم في إنشاء اتصالات شخصية في هذا الحقل وعلى تسجيل سيرة ذاتية تبدو احترافية· يدفع الطلاب في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أكثر من 30 ألف دولار لمتابعة برنامج تدريب عملي مدته عشرة أشهر، ويعتقد غالبية هؤلاء أن هذا البرنامج يستحق هذا المبلغ· كتب أحد الطلاب، مجيباً عن دراسة أجريت مؤخراً، 'جئت إلى جامعة كولومبيا كي أتعلم التفاصيل التشغيلية ولإقامة العلاقات الشخصية التي أحتاجها للنجاح في حقل الصحافة'· وأضاف، 'أظن أن الكلية تقوم بعمل ممتاز في هذا المجال'· فالصحفيون الإذاعيون المستقبليون لا يحتاجون فقط إلى تعلّم المهارات الأساسية للمهنة، بل يحتاجون أيضاً إلى التدريب للتعامل مع الضغوطات التي يواجهونها في عملهم، وعلى الأخص ضغط الوقت· خلال العقد الأخير، زادت محطات التلفزة المحلية في الولايات المتحدة، عدد ساعات إنتاج الأخبار التي تذاع يومياً، لكن ليس لدى معظمها عدد كاف من العاملين في هذا المجال يناسب ذلك· ويطلب اليوم من المراسلين بشكل روتيني إنتاج أكثر من قصة إخبارية واحدة كل يوم· هذا يعني انهم بحاجة إلى التدريب للتمكن من العمل بطريقة أسرع وأكثر فعالية· وقد وصلت هذه الرسالة بوضوح دون شك إلى ما يزيد عن عشرين أستاذاً أمضوا قسماً من صيف 2002 يعملون في غرف إذاعات الأخبار عبر البلاد· وحيث أنهم جزء من مشروع مؤسسة الإمتياز في التعليم لمدراء أخبار الراديو والتلفزيون، تم إيفاد كل واحد من هؤلاء الأساتذة إلى محطة إذاعية خاصة لمدة أربعة أسابيع للاشتراك بأعمالها بصفة زمالة· وقد دُهش هؤلاء المدرسّون المجرّبون بمدى التغيّر الذي طرأ على المهنة منذ أن تركوا العمل في غرف الأخبار، وكان بعضهم قد تركوا العمل فيها قبل أقل من عقد من الزمن· كان الدرس الأهم الذي تعلمه العديد منهم، انهم كانوا بحاجة إلى دفع طلاّبهم بشكل أقسى لإعدادهم إلى التنفيذ ضمن المواعيد النهائية، والمستمرة دوماً، ليتمكنوا من القيام بكل ما هو مطلوب منهم من أعمال، وكذلك لتحقيق الحاجات المُجهدة والمتزايدة للعمل في غرف أخبار التلفزيونات· تقول كاميلا غرانت، من جامعة ولاية جورجيا الغربية، إنها ستطلب من طلابها من الآن وصاعداً إنتاج تقارير لأكثر من وسيلة إعلامية واحدة، بعد أن رأت إلى أي حدّ أصّرت المحطة المضيفة لها، 'كي إم أو إل - تي في' في سان انطونيو بولاية تكساس، على أن يقوم محرروها بكتابة مقالات لموقع الإنترنت التابع للمحطة بصورة مستديمة· كذلك، عاد داتش هوغات، من جامعة هاردينغ، من عمله كزميل في إحدى غرف الأخبار عاقداً العزم على أن يكون أكثر تشدّداً، وقال: 'الأمر الرئيسي الذي أريد التشديد عليه مع طلابي هو السرعة التي يجب أن تُكتب فيها التقارير وتُذاع·'
اختبارات الشباب
إن تعليم الصحفيين الشباب العمل بسرعة أكثر سوف لا يزيد إلاّ كمية ما ينتجون دون نوعيته· فهؤلاء بحاجة أيضاً إلى تدريب في علم الاخلاقيات والقانون· وهم يحتاجون إلى الممارسة العملية في إصدار الأحكام الصائبة حول قيمة الأخبار التي يمكن إذاعتها، والتعامل مع القرارات الصعبة بالنسبة للمواعيد النهائية لتقديمها· سوف يكون عليهم أن يقرروا: هل من المناسب نشر صور مروعة من موقع جريمة؟ هل يجب بدء عناوين نشرة الأخبار بخبر عاجل ذي وقع بصري يلفت الأنظار لكنه دون أهمية تذكر؟ وعليهم النظر في النواقص الواردة في رواية إخبارية وثم معرفة كيفية وأين يجب التفتيش عن هذه النواقص وما هي الأسئلة التي يتوجب عليهم طرحها لإصلاح النواقص في الخبر؟ عليهم أن يتعلموا الجغرافيا والتاريخ لأن رؤساء التحرير يفتشون عن أناس يحسنون التفكير، وليس كبس الأزرار فحسب· طلب دان وايزر، من محطة 'كاي سي آر إي - تي في'، في سكرامنتو بولاية كاليفورنيا، من المرشحين الجدد للعمل أن يشرحوا له معنى مؤشر أسعار الأسهم الصناعية، المسمى داو جونز، فوجد أن العديد منهم لم يعرف عنه شيئاً على الإطلاق· ويقول شون كينيدي، مدير الأنباء، في محطة 'كاي تي إي إل ـ تي في'، في شريفبورت بولاية لويزيانا، إن إحدى الأسئلة المفضلة التي يطرحها على المرشحين الجدد من الموظفين هي: من هو جيمس دين، وجيمي دين، وجون دين؟ (الجواب: ممثل سينمائي، ومغني ألحان ريفية، ومتهم في قضية ووترغيت)·
يحتاج الصحفيون الإذاعيون في المستقبل إلى تعلّم هذه الأمور في الكلية لأن هذا، في كثير من الأحيان، هو التدريب الرسمي الوحيد الذي يتلقّونه· لا يُطلب من الصحفيين الأميركيين أن يتابعوا مقررات دراسية من التعليم المتواصل للتمكن من الاستمرار في مهنتهم، كما أن ليس هناك إلا القليل من المؤسسات الإخبارية التي تؤمّن لموظفيها بشكل أكبر فرص تدريب في منتصف حياتهم المهنية· فقد قال نصف مجموع الصحفيين الذين طُرحت عليهم أسئلة خلال دراسة أعدها مجلس رؤساء المنظمات القومية للصحفيين انهم لم يتلقّوا أي تدريب من هذا النوع على الإطلاق·
أهمية التدريب
ظهر غياب هذا التدريب المتواصل واضحاً لدى الصحفيين العاملين في محطات التلفزة المحلية· وجدت الدراسة أن 81 بالمئة من الصحفيين قالوا إن التدريب في علم أخلاقيات الصحافة أمر هام، لكن 33 بالمئة منهم فقط قالوا انهم يتلقون تدريبا كهذا· وقال أكثر من نصف (54 بالمئة) الصحفيين العاملين في محطات التلفزة إنهم بحاجة إلى التدريب في موضوع محتوى الأخبار او لتغطية بعض ميادين محددة من الأخبار، لكن 13 بالمئة منهم فقط قالوا انهم يتلقون هذا النوع من التدريب·
واعترف مدراء الأخبار التلفزيونية الذين طرحت عليهم الأسئلة في نفس الدراسة، أن عليهم تأمين مزيد من التدريب لموظفيهم، لكنهم قالوا إن ليس لديهم الوقت أو المال الكافي لذلك· قال ناشر الدراسة بفرلي كيس: 'على الرغم من أن المؤسسات الإخبارية تعمل في حقل المعرفة، فان صناعة الأخبار تتخلف وراء الصناعات الأخرى في تزويد الناس بالمعارف الجديدة والمهارات من خلال التدريب الاحترافي·'
قلائل هم المدراء العامون، على غرار شون أوزوالد، المدير العام لمحطة تلفزيون 'كاي إن إس دبليو'، في ويشيتا بولاية كانزاس، الذين يقدّرون أهمية التدريب بما فيه الكفاية لجعله أولوية من أولويات المحطة· 'انه لتعليق محزن على عملنا - إننا لا ندرّب الناس'، كما قال أوزوالد لصحيفة ويتشيتا بزنس جورنال· وأضاف، 'لقد فقدت صناعة الإعلام عدداً كبيراً من الناس العاملين في مجال المبيعات، ومن المراسلين والمصورين الجيدين لأنها لم تدرّبهم'· وعلى عكس ذلك، يعطى إعلاميو التلفزيون، في بعض البلدان الأوروبية، الذين وقعوا عقوداً مع النقابات الصحفية، إجازات مدفوعة الأجر كل بضع سنوات للسعي وراء فرص تطويرهم المهني· وفي حين لا يؤمن لهم أرباب العمل أي تدريب، يستطيع الإعلاميون الذين يعملون في المؤسسات الإذاعية في الولايات المتحدة أن يسعوا إلى التدريب على حسابهم الخاص، والالتحاق بمجموعة منوعة من المؤسسات والمنظمات· معظم تلك المنظمات هي، إما منظمات مستقلة، أو منظمات تُموّل بفضل اشتراكات الأعضاء· يُقدّم معهد بوينتر، وهو كلية للصحفيين في سانت بيترسبورغ بولاية فلوريدا، مقررات دراسية للإعلاميين في منتصف حياتهم المهنية في مواضيع التحقيقات الصحفية، والإنتاج، وأخلاقيات المهنة، وإدارة الأخبار· وتنظم المجموعات المهنية ذات العضوية، مثل جمعية مدراء الأخبار في الإذاعة والتلفزيون، والجمعية القومية لمصوّري الصحف، ومراسلي ومحرري التحقيقات الصحفية، ورش عمل إقليمية وقومية بصورة منتظمة لأعضائها· ومع أن التكاليف متدنية عادة، يتوّجب على الصحفيين الذين يشتركون بالعديد من ورش العمل والحلقات الدراسية هذه دفع نفقاتهم الخاصة، وأحياناً استخدام فترات عطلهم لحضورها·
يتم تأمين التدريب العملي في بعض غرف الأخبار في محطات التلفزة، لكن هذا التدريب يميل لأن يكون محدوداً من حيث إمكانية توفره وحجمه· ويستطيع المراسلون الشباب أن يتعلموا أدق جوانب مهنتهم من المشرفين عليهم الذين يحررون نصوصهم ويوافقون عليها· لكن دراسة أُعدّت حديثاً وطالت مراسلين لديهم خبرة سنتين أو أقل، وجدت أن حوالي 40 بالمئة من هؤلاء قالوا إن محطاتهم ليس لديها عملية رسمية للموافقة على نصوصهم قبل بثها على الهواء· وهذا يوحي بان العديد من الإعلاميين الأقل خبرة في إعداد النشرات الإخبارية في محطات التلفزة يتلقون القليل من التوجيه لتحسين عملهم أو قد لا يتلقون أي توجيه على الإطلاق· فالعديد من المحطات الخاصة تعتمد على مستشارين خاصّين من شركات خارجية، مثل شركة فرانك إن· ميغيد، أو برودكاست إيميج غروب، لتوجيه موظفيها· يقدم بعض المستشارين دورات تدريبية حول الكتابة والإنتاج· لكن توجيهاتهم غالباً ما تقدم بنوع خاص إلى مذيعي الأخبار وتركز على المظهر ومهارة تقديم الأخبار وليس على القضايا الصحفية· يُقدم ميغيد، مثلاً، المساعدة في مواضيع الماكياج، واللباس، والشعر، ونبرة الصوت·
مساعدات مجانية
ورغبة منها في ملء هذه الفجوة، دخلت مجموعات لا تبغي الربح، مثل نيوزلاب ومشروع الامتياز في الصحافة، الحلبة لتقديم برامج تدريب قليلة الكلفة أو مجانية في غرف أخبار التلفزيون· تمول هذه المجموعات عادة مؤسسات على صلة وثيقة بحقل الصحافة وتؤمن التدريب في تلاوة القصص الإخبارية، واتخاذ القرارات، وتنظيم غرف الأخبار، وفي مجالات مواضيع محددّة أخرى كتغطية قضايا الصحة أو التعليم· وتطور بعض مجموعات محطات التلّفزة برامجها التدريبية الخاصة لإعداد المرشحين لوظائف محددة في غرف الأخبار التي لا تجتذب الكثير من طالبي الوظائف، مثل وظائف البثّ المباشر· أسست سوزانا شولر، مديرة الأخبار المشاركة في مجموعة نكستار برودكاستينغ إنك، ما سمّته كلية المنتجين، بقصد جذب المرشحين من المنتجين إلى محطات شركتها· تقدم المحطات تدريباً عملياً مدفوع الأجر لطلاب الكليات في سنة التخرج، حيث يدربون على إنتاج نشرات الأخبار، ويتعهد الطلاب بالمقابل توقيع عقد لمدة سنتين إذا ما عرض عليهم عمل في الإنتاج من قبل أية محطة تابعة لشركة نكستار·
انضمت مجموعة هيرست آرجايل مؤخراً إلى بيلو كوربوريشن لتقديم 'أكاديمية المنتجين' لصقل مهارات منتجي الأخبار الذين يعملون في محطاتها· يقول كاندي آلتمان، نائب رئيس هيرست، ان المشاركين يعملون في كل مجال، بدءاً من مهارات جمع الأخبار وأخلاقيات المهنة، وصولاً إلى كتابة العناوين وإنتاج نشرات الأخبار·
من الواضح أيضاً أن هناك العديد من الصحفيين الشباب الذين يحتاجون إلى، ويرغبون في الحصول على تدريب أكثر من التدريب الذين يحصلون عليه· غير انه يبدو، في الأمد القصير، إن هذا الوضع مدعوّ إلى الاستمرار· فقد دفع الوضع الاقتصادي الحالي في الولايات المتحدة العديد من المؤسسات الخيرية إلى خفض مساعداتها المالية لبرامج التدريب الصحفية، كما من غير المتوقع أن تموّل غرف الأخبار التي تواجه انخفاضاً في موازناتها برامج التدريب· سوف تكون هناك حاجة لإجراء أبحاث، في الأمد الطويل، لتحديد حجم مردود الإستثمار الممكن ان تتوقّعه الشركات عندما تؤمّن التدريب للعاملين في غرف الأخبار· وتشير الوقائع إلى أن التدريب يساعد الصحفيين، في عدد من الطرق، بدءاً من تحسين عملهم وصولاً إلى إعادة تأجيج ولعهم بالصحافة· فلو تمكنت الدراسات من أن تبرهن أن هذا التدريب قادر على إعطاء مردود عن طريق تحسين الأرباح الصافية للشركات، فإن قضية تدريب الصحفيين سوف تصبح أقوى حقاً·

اقرأ أيضا