الاتحاد

دنيا

عصر ديكتاتورية وديمقراطية الصورة

القاهرة ـ جميل حسن:
الصورة·· أهم اختراع توصل اليه العقل البشري، فهي ليست مجرد لقطات تسجلها الكاميرا لحفل أو مناسبة ما، لكنها صارت تعبيرا عن رأي وموقف وهذا ما أكدته ندوة 'ثقافة الصورة ونتائجها المستقبلية' ضمن انشطة معرض القاهرة الدولي للكتاب وتحدث فيها د· صفوت العالم ود· نسمة البطريق استاذا الاعلام بجامعة القاهرة، ود· ماري تريز عبدالمسيح استاذ الاعلام في كلية الاداب جامعة بنها وادارها د· سمير سعد الدين رئيس قسم التصوير بمعهد السينما· واكد الجميع على اهمية الصورة وثقافتها التي انتشرت في الفترة الاخيرة بسبب انتشار القنوات الفضائية·
وقال د· سمير سعد الدين ان الصورة ليست مجرد كاميرا تلتقط مشهدا في فرح أو عيد ميلاد لكنها حياة التقطتها الكاميرا في لحظة ما وتستحق ان نخلدها لان هذه اللحظة لن تعود مرة، واللقطات التي نقلتها الكاميرا منذ عشرات السنين هي الارشيف الحي الذي نعتمد عليه كمرجع عندما نتعرض لحدث ما·
واضاف: ان الانسان اخترع الصورة ليرصد احداثا كثيرة داخل حيز بسيط قد لا يتجاوز السنتيمترات وتلك هي العبقرية، ولأن الانسان قد أدرك اهمية الصورة في الرصد ومعايشة الاحداث فقد طورها واضاف اليها حتى اصبحت أهم معالم ثورة الاتصالات·
وقال د· صفوت العالم ان تفكير الانسان يقترن بالصورة فعندما اطرح اسم شخص تقفز صورته الى ذهن المتلقي، لذلك كانت الصورة هي الاعمق والاكثر قدرة على التعبير من الدلالات اللغوية، ومع تعاظم ثورة الاتصالات اكتسبت الصورة اهمية اكبر فعشنا عصر السماوات المفتوحة وتجلت عظمة الكاميرا في اننا نعيش ما يحدث في اي مكان بفضل ثورة الاتصالات التي تنقل الصورة في نفس الوقت الذي تلتقطها الكاميرا، حتى تبادل المعلومات بين الافراد والهيئات والحكومات اصبح يعتمد على الصورة، والاعلانات في الشوارع تحتل الصورة فيها المساحة الاكبر ويأتي الكلام في الجزء الاخير، وهناك اعلانات تخلو من الكلام وتكتفي بالصورة لانها اكثر قدرة على التعبير، وصورة واحدة تغني عن عشرات الصفحات، لذلك تعاظم شأنها في الصحف التي اصبحت تتسابق عليها وتفرد لها مساحات اكبر، وهذا لم يكن موجودا في الماضي لان القائمين على الصحف ادركوا ان عين القارئ تذهب الى الصورة قبل ان تذهب الى الكلام·
ثقافة الاعلانات
وأكد ان الاعلانات التي لعبت الصورة فيها الدور الاساسي تجلى تأثيرها على ثقافة الشباب حيث قدم المعلنون نماذج مختلفة من الاعلانات حققت نجاحا وترويجا لمنتجاتهم واثرت في المتلقي، كما ان الاعلانات قدمت قيما وتقاليد مثل الملابس، والمظهر الخارجي للبلد المنتج للسلعة، فهناك الاعلانات الخاصة بالمياه الغازية وما يرتبط بهذه الاعلانات من الازياء التي يرتديها مقدمو الاعلان والاماكن التي يصورون فيها والتوقيت الذي يتناولون فيه المياه الغازية ونوعية الطعام والاستعانة بمشاهير الفن والرياضة في الإعلان، وهؤلاء يتعامل معهم الشباب على انهم النموذج، والصورة في الاعلان تروج لثقافة الدول فاذا كان الاعلان عن بنطلون جينز لا يتم الاعلان عنه كنوع من الازياء، لكن يعلن عنه كجزء من ثقافة الدولة المنتجة·
ويضيف صفوت العالم: وتستخدم الصورة ايضا في التأثير على الجماهير من خلال الدراما، فهناك فيلم يحمل ثقافة جنسية أو عنفا أو قيمة ما، وتكون مدته ساعتين، ويأتي من يختزل هذا الفيلم ليقدمه في دقيقيتن ويلجأ في اختزاله الى تقديم الصور الاكثر تأثيرا حتى يقدم المضمون أو الرسالة التي يرغب في توصيلها بسهولة وينجح في ذلك لان الصورة أسرع·
ويرى العالم ان الاعلام بما يحويه من صور يعكس طبيعة النظام السياسي للدولة فقد تلتقط ملايين الصور وتنتج مئات الافلام والمسلسلات التي تعكس ما يدور في الساحة السياسية لكن ما يصل من هذا كله يكون قليلا لان النظام السياسي لا يسمح إلا بهذا القدر لانه يعلم انه في حالة عرض هذه الملايين من الصور يكون رد الفعل الجماهيري غير مرض، لذلك رأينا اجهزة رقابية كثيرة على الصورة، وتصل غطرسة الرقابة في بعض الاحيان الى منع اعمال جيدة وصور تجسد الواقع السياسي أو الاقتصادي وتطور الدور الرقابي حتى وصل في بعض الاحيان الى عائق يحد من ابداع المؤلفين والمصورين والكتاب·
وأكد ان جرعة الترفيه الكبيرة التي تعتمد على الصورة تكون احيانا متعمدة من النظام السياسي، لانه يرغب في تخدير الشعب والهائه عن احداث سياسية مهمة لان الشعب اذا تفرغ لهذه الاحداث قد يكون رد فعله على النظام السياسي عكسيا، ويتم العمل في مجال الاعلانات احيانا بشكل يدعو للدهشة، فالمعلن اذا اخطأ لا يجد من يحاسبه، لان القناة التليفزيونية التي يبث اعلانه من خلالها في حاجة للعائد المادي الذي يدفعه مقابل الاعلان، ولذلك تقبل اخطاءه خوفا من ذهابه الى قناة اخرى وكثرة القنوات الفضائية جعلت المعلنين مدللين ومع زيادة سطوة المال ضاعت حقوق المستهلكين للمنتجات التي تقدمها الاعلانات، وهناك نماذج كثيرة لشركات اعلان استفحلت وعبثت بالمال العام واقترضت من البنوك ووصل تأثيرها السلبي الى المواد الاعلامية في الصحف والقنوات التليفزيونية·
مسؤولية
وتؤكد د· نسمة البطريق ان الصورة اصبحت تتكلم وتعبر عن سياسات الدول وتحتل جزء كبيرا من البنية اللغوية للشعوب ولهذا كانت المسؤولية كبيرة على عاتق حامل الكاميرا الذي ينقل الصورة للمتلقي·
وأوضحت أن مكونات الصورة كثيرة اهمها القدرة على الابداع لانها تعبر عن ثقافة الدولة، والصورة بمفردها قادرة على التعبير وتوصيل الرسالة لكننا نجد في بعض الاحيان من يتدخلون فيها ويكتبون بجانبها تعليقات تحيد بالمعاني التي تحملها، وعلى سبيل المثال قد نجد صورة لشاب ملتزم دينيا ومحبوب من الناس ويأتي التعليق على الصورة ليعكس معاني اخرى فاذا كتب المعلق اسفل الصورة ان هذا الشاب ارهابي، يصدقه الناس لان الصورة الراسخة في عقول الناس هي ان الارهابي لابد ان يكون ملتحيا وهذا خطأ لان الارهاب حصره البعض في الدين رغم انه موجود في السياسة والاقتصاد والفن، حتى بعض البيوت يمارس فيها الارهاب·
وقالت أننا نعيش عصرا سيطر فيه الاقتصاد الحر على كل شيء، وبالتالي سيطر الاعلان على عقل الامة واصبح الممول الرئيسي للثقافة وعلينا ان نتخيل نوعية الثقافة التي يمولها الاعلان وقبل ذلك علينا ان نتوقف امام الصورة التي يقدمها الاعلان حتى نعرف الى اين ستأخذنا ثقافة الاعلانات·
وأكدت د· ماري تريز أن وراء كل صورة تراثا ثقافيا يجملها، لكن ما نراه هو استغلال خاطئ للصورة يسيء الى الثقافة والتراث ولابد من تبرئة الصورة لاننا نتهمها بافساد الشباب فقبل ان نتهم الصورة علينا ان نلوم انفسنا وان نحاكم من استغلوها بشكل خاطئ·
وقالت: انظروا الى القنوات الفضائية خاصة الغنائية لتتأكدوا كيف تشوهت الصورة على يد الطامعين في جمع الاموال لقد استغل هؤلاء الجانب السييء من الصورة ليؤثروا على الشباب ولم يفطنوا الى النتائج السلبية التي تترتب على تشويه الشباب وميوله وانتماءاته وكثير من الشباب الآن ينتمي بملابسه وطريقة كلامه واسلوبه في الحياة الى الصورة التي شاهدها واشبعت رغباته·

اقرأ أيضا