الاتحاد

دنيا

الجاسوس الآتي من الصقيع ··· تكشف مافيا الأدوية المغشوشة

'الاتحاد' ـ خاص:
اعتدنا عليه هكذا أن يكون الأبرع في كتابة الروايات الجاسوسية، حتى أن 30 مليون نسخة بيعت، في أرجاء العالم، من روايته الشهيرة 'الجاسوس الآتي من الصقيع'· ولكن من يصدق أن يخوض الكاتب الإنجليزي جون لوكاريه هذه المغامرة، فيضع رواية عن مأساة إنسانية في أفريقيا تتناول مافيا الأدوية المزورة؟
الرواية شديدة التكثيف إنسانيا، لكن المخرج البرازيلي فيرناندو ميريليس، صاحب 'مدينة الله'، ارتأى بعض الإضافات لإضفاء لمسة وثائقية على قضية يفترض أن تهز الضمير العالمي، إذا ما أخذنا بالاعتبار أن 50 في المئة مما تستهلكه القارة السمراء من الأدوية لا يمت إلى الدواء (والشفاء) بصلة···
كاتب هام، وعمل هام أدبياً وسينمائياً· وفي هذا التحقيق عرض لجون لوكاريه ولروايته:
عادة العالم الثالث هو العالم الثالث عشر· التعبير فضفاض جداً لأن هناك دولاً تصنف في العالم الثالث فيما مستوى المعيشة فيها يضاهي المستوى في البلدان المتقدمة· ولكن ماذا عن الدول التي تعاني من الفاقة والتدهور الاجتماعي والإنساني والثقافي؟
الشاشة الكبيرة قلما قاربت مسائل حساسة في تلك المناطق من العالم، يحدث هذا من أجل الفانتازيا، أو لاظهار نسق مثير من الحياة المختلفة، وغالباً ما يكون ذلك بعيداً عن الحساسية الأخلاقية للقضايا المثارة·
ولكن من كان يصدق أن رواية الكاتب البريطاني الشهير جون لوكاريه 'بنات البستاني' يمكن أن تشق طريقها إلى الفن السابع؟ نص اعتراضي، شديد الحساسية، ويثير قضية بالغة الأهمية في البلدان الأشد بؤساً· من يعلم ان خمسين في المئة من الأدوية التي يتناولها المرضى في افريقيا السمراء هي مزورة وتستورد من الهند بصورة غير مشروعة·
هذا ملف يستحوذ على اهتمام هيئات عديدة في العالم تعنى بالشأن الانساني· وهذه الهيئات تلاحظ أن التدابير المتخذة لمواجهة ذلك الخطر لا تزال محدودة، فالمافيات تقفز فوق القانون، كما تقفز فوق الحدود الجغرافية، ودون أي اعتبار إنساني· المهم هو جمع المال، ولو من خلال تلك العملية الرهيبة، أي خداع المرضى الذين يتناولون الدواء على انه يقودهم إلى الشفاء، فإذا به يقودهم، في معظم الأحيان، إلى الموت·
جان لوكاريه تقاطع مع المخرج البرازيلي الكبير فرناندو ميريليس (آخر أعماله: مدينة الله) في تقديم ذلك العمل الذي تمحور حول جريمة غامضة ارتكبت· انها قصة سيدة تدعى 'تيسا' (تتقمص شخصيتها الممثلة راشيل وايس)هي زوجة ديبلوماسي بريطاني يشغل وظيفة متوسطة في سفارة بلاده في نيروبي· الزوج يدعى جاستين كوايل (يلعب دوره رالف فيينس)، توجد مقتولة·
ضواحي الصفيح في نيروبي
'تيسا' كانت تتردد على ضواحي الصفيح في العاصمة الكينية، وقلما تعنى بحفلات الاستقبال التي يقيمها السلك الديبلوماسي· وازاء بعض المعطيات الملتبسة التي تثير ريبته يصمم الزوج على التحقيق بنفسه في خلفيات الجريمة التي حرمته من المرأة الشديدة الشفافية في تعاطيها مع المسائل الانسانية، والتي كان يحبها بعمق· هذا ليتبين له أن الجهة التي تقف وراء عملية القتل هي مؤسسة صيدلانية تتولى اجراء التجارب العلاجية القاتلة، ودائماً على ابناء الطبقات التي تعيش في فقر مدقع·
مبدئياً، فإن واضع رواية 'الجاسوس الآتي من الصقيع' والتي انتقلت إلى الشاشة (بطولة ريتشارد بيرتون) واستقطبت الملايين في شتى انحاء العالم، غالباً ما ركز اهتماماته على القضايا التي تلامس المجتمعات المحطمة· هو الذي يعتبر أن الكتابة العبثية نوعاً من 'الخيانة العظمى' حيال الآخر: 'أولئك الذين يفترض أن تعلق اصابعهم على حبل المشنقة'·
إنه ضد الأدب الذي يستخدم للتضليل، أو للاثارة، أو للتعامل مع الغرائز، وأيضاَ ضد الأدب الذي يعيش في الشقوق· بعبارة أخرى لابد أن تكون الكتابة عاصفة، وترفض أي شكل من أشكال التسوية، إذ لا مجال البتة للتسوية بين الكائن البشري والألم·
لوكاريه يلاحظ كيف ينتشر أدب الصفقة: 'كما لو أنك تقدم فرشاة الأسنان الى الشيطان'، ليشير إلى أن الثقافة الراهنة تخضع لذلك التداخل العجيب بين اللامبالاة والصخب (داخل اللامعنى)، كما لذلك الخطر 'الذي يفرغنا من محتوانا' بين الروك اند رول وموسيقى البوب، إضافة إلى التعاطي مع التكنولوجيا على أنها العلاج السحري للهذيان البشري·
بين الإنسان والبغل
هو الذي يعتبر أن الهذيان الذي يتجسد في طرح أسئلة تتعلق بالذات، والكينونة، والمصير، كما أنها تتعلق بما وراء الاشياء لأنه من غير المنطقي النأي بالأحاسيس عن العامل الروحي في تشكيل الشخصية، إنما هو الهذيان الخلاق الذي يفصل بين الانسان، ككائن فذ قابل للتحول 'العمودي' من خلال الاداء الذهني بطبيعة الحال، والبغل (هو يختار هذا الحيوان تحديدا) الذي توقف بيولوجيا عند حدود معينة، وإن كان يلاحظ أن الباحثين البيولوجيين يمكن أن يحدثوا، وبواسطة الجراحة المستقبلية، تعديلاً في خلايا الدماغ لدى هذا الحيوان ليفكر في الماضي وفي المستقبل ايضاً، أما مشكلة الاداء، من الناحية التقنية، فتمكن معالجتها بواسطة 'الجراحة الالكترونية' كأن يصدر أصواتاً تعكس الرغبة، والتمني، وحتى الانتظار أو الأسى، وربما العشق أيضاً·
هذا حين يقول لوكاريه ان التفاعل البشري مع العصر الالكتروني جعل الانسان يبدو، في بعض جوانب سلوكه، كما لو أنه مخلوق الكتروني· وهو يوضح: 'من تراه يستطيع القول أن أحاسيس شاعر راهن تشبه أحاسيس شاعر مثل اراغون او شيلر؟
يلاحظ لوكاريه ان هناك من ابتدع القصيدة الالكترونية· المسألة لا تتعلق بالاثارة اللغوية أو الشكلية، وإنما بالمنحى الذي بدأت تأخذه الأحاسيس البشرية، إذ من المفترض لمواجهة الحالات الراهنة، حيث المدى اللامتناهي لثقافة الصخب، تكثيف 'عمليات القلب'·
حضارة يأجوج ومأجوج
المسألة لا ترتبط أبداً بـ 'المهمة الأدبية للأدب'· عنده ان الأدب والسينما يجب أن يتآمرا ضد 'حضارة يأجوج ومأجوج'، إذ كيف يمكن للكاتب والمخرج أن يسكتا حين يشاهدا مجتمعات تتناثر أو تتهاوى تحت 'ضربات البرابرة'· في روايته لا يقدم صورة ذهنية أو مجردة، بل أنه سمع عن حالات محددة حيث تجري الاختبارات القاتلة على كائنات بشرية، إما من خلال خداعها بأنها تخضع للعلاج أو من خلال رشوتها بحفنة من البنسات القليلة، وبعدما أصبحت قضية الحياد (التي هي القضية الكبرى) ترتبط فقط بتأمين الخبز· في هذه الحال، أين هو التألق البشري الذي قالت به النصوص المقدسة؟
لوكاريه يلفت إلى أن مخرجين كثيرين سقطوا في جاذبية المال، ما يعنيهم هو 'شباك التذاكر'· ما يقال في العربية 'الجمهور عايز كده'· عنده أن مهمة الفن السابع هي صناعة الجمهور لا اللهاث السيزيفي وراءه لأن 'التاريخ غالباً ما تجره تلك الهمجية الداخلية واللامرئية'· بعبارة اخرى، أن الحضارة المعاصرة، بكل تجلياتها التكنولوجية الفذة، تدفع في اتجاه نوع معين من الهمجية·
هنا يثير لدى المخرج الكبير أكثر من نقطة، فالانسان لم يعد يولد في مجتمع صحي: 'إما أن يتدخل الذباب في تكوين خياله أو أن تتدخل الأقمار الاصطناعية'، هذا ليسأل عن الفارق النوعي بين الذبابة (التي هي إحدى التجليات الأساسية لدى مجتمعات الفاقة) والقمر الاصطناعي الذي يعكس مدى التوهج التكنولوجي·
أزميل لنحت الروح
داخل قصة فيلم 'ثبات الستاني' ثمة حالة حب· الديبلوماسي مغرم جداً بزوجته· هذه ضرورية في البناء الدرامي الداخلي، وحيث الرغبة في معرفة حقيقة بتلك الحساسية تتصل بصرخات القلب: 'أجل، أجل، لقد جعلت القلب يصرخ، هذا لكي أجعل القراء، هنا والمشاهدين، يشعرون بأن من الضروري اخراج قلوبهم من الثلاجة إذا كانوا يريدون، فعلاً، أن يصبحوا بشراً'·
لوكاريه يقول 'إننا بحاجة ماسة إلى أن نكون بشراً'· كيف؟ يقول انه ترك داخل الرواية مساحات للتأمل· ثمة ازميل يعيد نحت الروح، لكن ما فعله المخرج فرناندو ميريليس أذهل الكاتب، إذ أنه، ولدى اشرافه على إعداد السيناريو، طلب اضافة مشاهد لا تدخل اساساً، في سياق الرواية· والسبب هو تكثيف العملية الدرامية: 'قال لي فرناندو انه يريد تفجير المشاهدين، يفترض أن يعود كل واحد إلى منزله ويشعر بالرغبة في إعادة تكوين أحاسيسه التي قد يكون اعتراها الصدأ وحتى الغيبوبة'·
هذا بالاضافة إلى أن المخرج الذي صدمته قوة الحقيقة في الرواية أراد أن يستخدم الاحداث بصورة شبه وثائقية، فالمطلوب، في الحال، موقفا من المشاهد، ومن الجهات التي يفترض أن تكون مسؤولة عن الكائن البشري كحالة مقدسة مزروعة في هذا الكون·
وبمعنى آخر، يشير إلى أنه راض جداً عن الايقاع التقني للفيلم، مع اشادته بالحيوية الانسانية للممثل والممثلة· راشيل ويس التي هي 'عبارة عن نهر من الأحاسيس، تزدهر حين تكون داخل اكواخ الصفيح· تلمع عيناها عندما تلامس وجهاً يتأمل'، ورالف فينيس 'الشغف حتى التلاشي'·
سن الكترونية في فم زعيم
كيف يمكن لكاتب عمل مخبراً وهو في السادسة عشرة من عمره، وتخصص في وضع كتب الجاسوسية حتى ان كتابه 'الجاسوس الآتي من الصقيع' اجتاح الأسواق العالمية وبيع منه 30 مليون نسخة، أن يتصدى لمشكلات بعيدة عن عالم الممرات السرية، والأقنعة، والقتل، والعمليات الخارقة··؟
يقول لوكاريه انه في ذلك العالم الغريب تعلم أن يكون انسانا: 'الغلبة ينبغي أن تكون دوماً للانسان، هناك أقنعة كثيرة، لا بل اننا نعيش في غابة من الاقنعة، ومهمة الكاتب أن يضيء الوجوه لا أن يتواطأ مع أصحاب الاقنعة'·
هل يعني هذا انه ابتعد عن عالم الجاسوسية، وانخرط في عالم المعذبين أو الضحايا؟
في رأيه أن عالم الجاسوسية مذهل وحافل بالاثارة، انه ممتع ومشوق، وهناك مظاهر خارقة، ولكن بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها تراجع البريق في هذا النوع من الكتابة، فيما تم التركيز كثيراً على العيون الالكترونية، وسواء تمثلت بالاقمار الاصطناعية أم بمحطات الاتصال، أم بالأجهزة التي يمكن زرعها حتى في الأحذية، حتى إذا ما عاد أحد إلى ملفات أجهزة الاستخبارات فلسوف يذهل، دون شك، حين يعلم أن أحد الاجهزة تمكن من أن يزرع سناً الكترونياً في فم زعيم إحدى الدول لرصد لك ما يصدر عنه·
يضيف: عالم يكاد يكون لا معقولاً أحياناً بسبب الأعمال الهائلة التي تحدث، ولكن في مقابل ذلك تعثر على نقاط ضعف تكاد لا تصدق·
المسافة الباردة مع الهدف
ولكن ألم يستخدم لوكاريه خياله بالصورة التي تخدم الجواسيس؟ إنه يجلس، يتأمل، يكتب· هذا يعني أن أفكاراً تصدر عنه قد لا تخطر في بال آخرين؟ يجيب أن المسؤولين عن التجسس في العالم لا شك أنهم يمتلكون أفكار الأبالسة، معمهم يخضع لدورات متلاحقة ومكثفة من أجل تشغيل رأسه بطريقة معينة· ممنوع على رأس المسؤول أن يبقى مكانه، بالمعنى المجازي للكلمة· يفترض أن يتحرك باستمرار، ويعمل باستمرار· رغم هذا يظل ينصه ذلك الشيء، أي المسافة الباردة مع الهدف، هذا تلمسه لدى الكاتب الذي لا يفكر تحت ضغط فكرة ما أو حدث ما، بل انه يستنبط صوره على نحو عميق وخال تقريباً من الثغرات·
ماذا لو سئل ما إذا كانت قد ساورته فكرة أن يعمل جاسوساً متأثراً حتى بكتاباته؟ يضحك عالياً، ويعتبر أن السؤال ذكي جداً، فهذا ما حدث: 'الجاسوس الآتي من الصقيع' تأثرت جداً بالشخصية رغم انها تمثل الضفة الأخرى· إلى حد ما تمنيت أن أكون أنا تلك الشخصية ولكن من الناحية المضادة· على وجه السرعة تخلصت من هذا الهاجس الخطير، لأن وقوع الكاتب في جاذبية كتابته قد تفضي إلى دماره· قررت أن أجعل أصابعي أقل توتراً وانفعالاً· هكذا كانت الشخصيات تتشكل دون أن انفعل بها إلى حد التماهي، أو على الأقل الرغبة في التماهي'·
ماذا حدث كي ينقلب لوكاريه على نفسه؟ 'لا، لا، لقد كتبت في مسائل انسانية عدة، المشكلة هنا أن الكثيرين قالوا أن أفريقيا لا تعتبر من نقاط الاستقطاب في الفن السابع· هذا زادني والمخرج اصراراً على أن نمشي عكس التيار· إنني أرفض منطق القمامة البشرية، هذا نوع مروع من التفكير· الانسان ما زال يتلألأ داخل الادغال في افريقيا، نحن الذين ترسم حولنا علامات الاستفهام'·
في النهاية يوضح لوكاريه: 'الزوج في قصتي كان عاشقاً حقيقياً، كان من الضروري أن يضيء القلب كل ذاك الذي يحدث· مات، في نهاية المطاف، لأنه لا خيار آخر لعاشق أمام ضريح المرأة التي كانت تملأ كل زمنه الشخصي'·
'أورينت برس'

اقرأ أيضا