الاتحاد

دنيا

عايدة حسن: أنا بنت بيروت وأمها···!

كتابة وتصوير- حميد قاسم:
تتهادى مثل نسمة رقيقة على امتداد كورنيش بيروت المغسول بالضوء والبرودة المنعشة· تكاد لاترى، وكأنها كائن ضوئي، لفرط أثيريتها وخفتها على الناس والأرض والكائنات··· في وجهها الرقيق ثمة رضا وقناعة، وسعادة عميقة··· عميقة· كان ذلك أول مالفت انتباهي وانا أراها تكرج مثل طفلة وادعة على امتداد كورنيش بحر بيروت في نهار عطلة نهاية الأسبوع الذي كان ممطراً: وداعة نقية، وابتسامة 'عريضة' برغم كل 'ضيق' الحياة··· وسلام داخلي، يزينه انسجام عفوي لازيف فيه ولا غاية له مع الكائنات والناس والأشياء··· هتفت منبهرا بصديقيّ اللذين كانا معي: هل رأيتما تلك السيدة ' الجميلة'؟
وفي لحظات، كنت أتجه نحوها، باحثاً عن ذريعة اتحدث من خلالها مع تلك السيدة العجوز بوجهها الوضاء الذي لم تفلح تجاعيد السنوات وغضون الأحداث التي مرت بها، وهي لاتعد ولاتحصى، من اخفاء ملامحه الجميلة··· ووجدت الذريعة: فهي تدفع أمامها عربة صغيرة تستخدم لنزهة الأطفال الرضع، بعد ان حشدتها باصناف الحلوى من الشوكولاته والعصائر وحتى علب الدخان، فكان 'البيع والشراء' مفتاحاً لهذا الحديث مع السيدة عايدة حسن، أم رواد، الإبن الذي لم تره منذ ستين عاما، والتي لم تستهجن سؤالي عن عمرها، كما تفعل النساء عادة، مع انها- مدفوعة بغريزة الأنثى- حذفت عددا لايستهان به من سنوات عمرها وبكل رشاقة قالت:
انا مولودة في سنة الثلاثين!
غير ان التجاعيد والغضون التي تملأ وجهها تقول شيئا آخر، وتشير بأن عمرها قد تجاوز الثمانين عاماً منذ أمد بعيد، برغم صحتها الجيدة ومشيتها المستقيمة وقبعتها الشبابية وابتسامتها التي تمنحك الأمل وتجعلك مقبلاً على الحياة·
؟ ما اسمك ياسيدتي؟
؟؟ انا عايدة حسن، أم رواد··· وتستدرك مازحة: شو طلبوني على التجنيد؟
وبعدها تدفقت أم رواد تحدثني، وكأنها تعرفني منذ أمد بعيد، بل وكأنها قد أدركت بغريزتها الأمومية، ما الذي وجدته في ' سماحة' وجهها:
-ياإبني 'شوف تاقلك' انا وحيدة، لأبٍ وحيد، وأم وحيدة··· لاتتعجل، كان أبي وحيد والديه وكذلك كانت أمي، وكذلك كان زوجي الذي كان وحيد أبويه، ويبدو ان العائلة ستستمر على هذا النمط الغريب، فانا كنت وحيدة أمي وأبي، والأغرب انني انجبت ولداً واحداً أصبح وحيد أمه التي لم تره منذ أمد بعيد···
قصة الزواج
؟ كيف ياسيدتي؟
؟؟ كنت قد تزوجت شاباً من حيّنا في بيروت، فانا بيروتية أباً عن جد، وشاءت القسمة ألا يستمر زواجنا بعد ان انجبت ابني 'رواد' الذي قررت ان أكرس له حياتي، وهكذا كان حتى جاءني طليقي في يوم لن أنساه أبداً··· كان يوم عيد الأضحى المبارك، وكان ابني في الثالثة من عمره، حيث طلب مني أبوه ان يراه ليرافقه في نزهة العيد، ومن ساعتها لم أر ابني رواد ثانية!
؟ متى حدث هذا؟
تبتسم برضا وتقول:
؟؟ قبل 60 عاماً··· كنت صبية يومها، سألت أهله وجيرانه، فقالوا انه أخذ الولد وهرب به الى أميركا··· 'جنيت' لم أعرف سبيلاً للوصول اليه، أين ابحث عنه في أميركا وهي قارة كما يقولون؟ مع هذا ذهبت الى الولايات التي يكثر فيها اللبنانيون والعرب مثل ميتشيغن وسواها، بحثت عنه أمداً طويلا بلا جدوى، فاضطررت للعودة خالية الوفاض· ومع هذا ما زال الأمل يراودني في ان أرى وحيدي في يومٍ ما··· طفلي الذي جاوز الستين من عمره!
؟ ألم تتزوجي بعدها، كنت شابة صغيرة، وجميلة بالتأكيد!؟
تضحك··· وتسرح في ذكرياتها وهي تتجه ببصرها صوب البحر، وتقول:
؟؟ ياه··بلى··· تزوجت من شخص مصري -بغتة تتوقف وتسألني 'هل انت مصري؟' وتواصل كلامها دون ان تنتظر جوابي- وتقول هامسة:
-أي، ذهبت إلى مصر، عشت في الإسكندرية بضعة أعوام، مع الرجل المصري الذي تعرفت عليه في بيروت بعد ان خطبني من ابي فتزوجنا وأخذني معه الى بلده، ومرة أخرى، لم يحصل النصيب فافترقنا وعدت الى بيروت وحيدة·
تنتبه الى سؤالها السابق وتعود لتكرره: ' مع هذا انا أحب مصر وأهل مصر، لم تقل لي: هل أنت مصري؟'
اجيبها بالنفي، وأفصح لها عن جنسيتي، فلا تعير جوابي أهمية وتواصل الحديث فيما تتسع ابتسامتها لتضيء وجهها، فاغتنم الفرصة واسألها:
رحلة الى باريس
؟ وبعد، يا أم رواد؟
؟؟ بعد طلاقي من الإسكندراني، ذهبت إلى باريس· كان الكثير من الناس يذهبون هناك للبحث عن فرصة للعمل أو لتغيير نمط حياتهم والبحث عن فرصة جديدة ومغايرة للعيش· بقيت هناك أربعة أعوام، لكنني اضطررت بعدها للعودة، فقد أخذ الحنين يجتاحني ويقتادني رغما عني إلى بيروت كل يوم· وكل يوم على مدى أربعة أعوام كنت أقاوم هذا الحنين بالعمل والإنغماس في هوايات متعددة، لكنني لم أعد قادرة في النهاية على مقاومة هذا الشعور الآسر··· وكان ان عدت الى هذه المدينة التي لا أملك فيها شيئاً، ومع هذا أشعر انني أملك كل شيء فيها··· وانها تخصني مثلما أنا أخصها وحدها··· ولهذا فأنا أشعر انني بنت بيروت وأنا أمها··· نعم انا أم هؤلاء الصبايا والشباب كلهم، وانا بنت هذه المدينة··· بنت كورنيشها وبحرها وجبلها وأمطارها وبردها وناسها وكل تاريخها·
أين تعيشين الآن؟
تشير بيدها صوب الجهة الأخرى، إلى عين المريسة، وتواصل:
؟ أعيش هناك في غرفة صغيرة تكفيني لوحدي·
؟ وحدك؟
؟؟ وحدي، وانا أقوم بحاجاتي كلها من طبخ وتنظيف وتبضع··· الحمد لله ما زلت قادرة على العمل والمسير بين بيتي والكورنيش حيث أعمل وأتنزه، فهي رياضتي الوحيدة الآن·
؟ كم تدفعين ايجاراً لغرفتك تلك؟
؟؟ 200 دولار شهريا·
؟ وهل يكفي عملك لسد متطلبات حياتك؟
؟؟ الحمد لله··· الحمد لله مستورة·
أتابع كل شيء
؟ وهل تعرفين ما يدور حولك من احداث في بيروت اليوم؟
؟؟ أعرف كل شيء··· برغم اني لا أقتني التلفزيون أو الراديو، لكني أتابع كل شيء بدءا من أزمة الوزراء المعتكفين وصولاً إلى الإغتيالات التي طالت الشهداء رفيق الحريري وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني الله يرحمهم جميعاً·
؟ تعرفين كل شيء···!
؟؟ ولو!·· الإنسان ما يسوى شيء بدون وطنه، لو جاع الوطن جاع الإنسان، ولو تعب الوطن تعب ابناؤه·
؟ ولماذا لاتقتنين التلفزيون؟
؟؟ ما فائدته؟ انا أسمع كل شيء على الطبيعة كما تقولون - مش هيك؟ وتضحك - ثم انني لا أريد ان يلهيني شيء عن ذكر الله سبحانه وتعالى·
أودع ' أم رواد' بقبلة على رأسها، وأقول لها: كل هؤلاء الناس ابناؤك··· وأحسبيني واحداً منهم··· فتزداد ابتسامتها اتساعاً ويضيء وجهها بإشراقة عذبة··· أغالب رغبتي في قضاء مزيد من الوقت بصحبة ام رواد وهي تبيع الحلوى فلا تبخل بابتسامتها على العابرين بأمومة حميمة، وأمضي، وبغتة يتدفق صوتها:
ما قلت لي··· انت مصري؟

اقرأ أيضا