الاتحاد

دنيا

الحقيقة المشوهة


كنت أستمع إلى إحدى الإذاعات المحلية وهي تبث برنامجاً مباشراً يعالج قضايا المجتمع المختلفة، وهذا النوع من البرامج يشدني كثيراً لأنه يزيح الستار عن معاناة الناس ويضعها بصدق في متناول الأسماع، علها تجد الحل والاهتمام·
اتصلت فتاة جريئة وطرحت مشكلة حركت جميع الكوامن في داخلي· قالت تلك الفتاة المسكينة بأنها تعرضت للإغتصاب من قبل بنات مسترجلات يقمن معها في سكن الطالبات التابع لإحدى الجامعات، واعترفت البنت بان معاناتها هي وزميلاتها بدأت عندما إزداد عدد المسترجلات في السكن· ولأن البعض منهن ينتمين لعائلات كبيرة، فلا أحد يستطيع ان يوقفهن عند حدهن، حتى اصبحن يهددن الجميع في أي وقت يشأن، فلا رادع لهن ولا شيء يمكن ان يوقفهن عند حدهن·
إتصل المذيع ببعض المسؤولين فبرروا ما يحدث بشكل غير مقنع، الهدف منه تمييع المشكلة وتهدئة الرأي العام، ولكن الاتصالات توالت··· فتاة اخرى أكدت قول الأولى وأعلنت بانها ضحية مثلها تماماً·
إذن المشكلة كبيرة، وليس صحيحاً ان نفعل كما تفعل النعامة وندس الرأس في التراب وننسى الجسد مكشوفاً للعدو·
تدمير مستقبل
لقد حركت تلك المشكلة ما كان مختبئاً بداخلي، فهي السبب في تدمير مستقبلي الدراسي··· لقد تركت الجامعة وفكرت بأن أنجو بنفسي قبل ان يجرفني ذلك التيار المنحرف· ولم يكن ذلك الوضع السيء في سكن الطالبات، لأنني لم أسكن فيه، وانما كان في منزل عمي الذي وجدت فيه ما لم أكن أتوقعه أبداً·
للأسف فإن الإنحراف أصبح شائعاً في زماننا هذا وصرنا نتحسر على أيام الطهر التي رحلت·
ماذا أقول؟ لقد بقيت ساكتة لفترة، ولكن··· هل اسكت إلى الأبد؟ انه امر مستحيل، خصوصاً بعد ما سمعته من تلك الفتاة· لقد حان الوقت للتصدي لمثل هذه الظاهرة وتنبيه الناس ليقفوا صفاً واحداً لمنع انتشارها· انها أمانة يجب ان نحفظها لنحفظ البقية الباقية من مبادئنا قبل ان تأتينا لعنة من السماء فتخسف بنا الأرض كما خسفها ربنا بقوم لوط·
كان هذا العمل المشين شائعاً في قوم لوط الذين تحدوا سنة الكون التي أوجدها الخالق على هذه الأرض، فقد جعل الحياة مبنية على الذكر والأنثى لتستمر الحياة في النمو، فماذا فعل قوم لوط؟ لقد خالفوا هذا القانون وصار الرجال يعاشرون رجالاً والنساء يعاشرن نساءً مثلهن، فغضب الله عليهم ولعنهم فخسف بهم الأرض ليطهرها من رجسهم وعملهم الشاذ·
تجربة صعبة
عشت تجربة قاسية مؤلمة، لم أكن أملك الجرأة على البوح بها لولا ما سمعته من تلك الفتاة، خصوصاً وان الإحتفاظ بالسر صار عاملاً مدمراً لنفسيتي، لذلك قررت ان أكشف الحقيقة لتحقيق سلامتي النفسية ولأجل الا أكون شيطاناً أخرس يرى المنكر ولا يتحدث عنه·
للأسف لقد واجهت تلك الأمور في بيت أقرب الناس إلي، انه عمي العزيز الذي كنت اعتقده المثل الأعلى في الكفاح وتحقيق الذات··· فقد استطاع ان يحقق له كياناً طيباً في عمله ولكنه للأسف نسي بيته وتركه عرضة للخراب·
بعد ان انهيت الثانوية تم قبولي في جامعة بعيدة عن سكننا، فأقترح علي والدي السكن في بيت عمي أثناء فترة الدراسة بدلاً من مسكن الطالبات الجامعي ومشاكله المتعددة· راقتني الفكرة كثيراً، فأنا احب عمي حباً ليس له نظير·
عشت مع عائلة عمي التي كنت أعتقد بأنها أسرة نموذجية بكل معنى الكلمة، لأنها تبدو كثمرة زاهية ملونة بلون جميل، ولكنها متآكلة من الداخل ومليئة بالعفن والدود، ولم أدرك ما هو السبب· فقد تزوج عمي عن حب واختيار واعٍ، وهو يدعي بأنه سعيد في حياته الأسرية، وزوجته كذلك، فما الذي يدعوهما إلى إرتكاب الحرام؟
والله لا أدري، العلاقة بينهما جميلة جداً ونموذجية، فهو يدلل زوجته ويغدق عليها المال، وهي تتحدث معه باهتمام وحب وبمنتهى اللطافة· هو يهتم باناقته ووسامته، وهي أيضاً تهتم برشاقتها وجمالها وأنوثتها، فما الذي يدعو مثل هذين الزوجين لفعل الخيانة؟ انه أمر عجيب، أعجز عن تفسيره·
امتد الخراب في ذلك البيت حتى إلى الأولاد والبنات· فالبنت الكبرى والتي لم تتجاوز الرابعة عشر من عمرها تتحدث مع الشباب عن طريق الهاتف· على الرغم من مظهرها المختلف عن سلوكها، فهي تبدو مؤدبة وخجولة وغاية في الإلتزام والأدب، انه أمر عجيب· أما الولد الذي يصغرها بعامين والذي يبدو لطيفاً مرحاً مؤدباً، فللأسف ان هذا الولد يتسلل ليلاً للتحرش بأخته وهي نائمة·
حتى الصغار-ولد وبنتان- لم يكونوا كباقي الصغار يتمتعون باللعب البريء، انهم يفضلون لعبة واحدة دون غيرها، وهم يلعبونها كلما غابت عنهم عيون الرقباء، أتدرون ما هي تلك اللعبة؟ انها لعبة العروس والعروسة، انهم يتفنون بها كما يفعل الكبار، وبدلاً من ان يشاهدوا أفلام الصور المتحركة كباقي الأطفال فأنهم يتسلون بمشاهدة الأفلام الخليعة المتروكة في متناول ايديهم·
حياة غريبة
كنت أرى واسمع كل ما يحدث في هذا البيت وانا في غاية الاستغراب، لا أستطيع فهم وتفسير ما يحدث· كنت أحاول التعايش معهم بصعوبة بالغة، فلا يمكنني التدخل لأنني مجرد ضيفة ولا علاقة لي بما يحدث· وقد نبهتني زوجة عمي إلى هذا الأمر منذ بداية مجيئي عندما قالت لي مرحبة بقدومي: ستكونين ضيفة مكرمة بيننا ولكنني أحب ان تبقي بعيدة عن التدخل في شؤوننا من أجل ان تحافظي على العلاقة الطيبة معنا·
بناءً على قولها بقيت أتفرج على كل ما يحدث ولم أتدخل في شيء أبداً، ولكن! عندما وصل الأمر إلى محاولة زجي في عالمهم الوسخ، قررت الهرب من ذلك الجحيم، عدت الى منزلي واخبرت أهلي بأنني أعاني من مشاكل في الدراسة وأنني قررت ترك الجامعة بسبب تلك المشاكل، ولم اكشف الحقيقة حتى اليوم·
لقد حرمت نفسي من إكمال الدراسة ـ مع اني كنت متفوقة ـ من أجل ان لا أضطر لكشف الأسباب الحقيقية للبعد عن بيت عمي·
صداقة شاذة
لدى زوجة عمي صديقات مقربات، وهذا وضع طبيعي ولكن! الشيء غير الطبيعي هو انها تجتمع بهن في غرفة نومها، فتغلق الباب بالمفتاح لساعات طويلة· كنت أستغرب ذلك الأمر، فوالدتي لديها العديد من الصديقات المقربات وكن يزرنها باستمرار، ولكن لم يحدث انها اجتمعت بواحدة منهن في غرفة نومها وأغلقت الباب بالمفتاح، حتى انني أتذكر بان أمي كانت تحرص حرصاً شديداً على عدم إغلاقنا الباب بالمفتاح عندما تزورنا بعض صديقاتنا في منزلنا، وكانت تفاجئنا بالدخول علينا بين فترة واخرى لتطمئن علينا، هذا ما اعتدنا عليه في بيتنا· أما في هذا البيت فإن الأمر كله مختلف·
الفضول كان يشدني لمعرفة ما يحدث خصوصاً عندما أرى الغمز واللمز على وجوه الخادمات ولكنني كنت أمنع نفسي عن التدخل فيما لا يعنيني·
احدى صديقات خالتي كانت تنظر إلي نظرات غريبة، لم أكن أرتاح لها أبداً، فكلما جاءت هذه الصديقة أجدها تلاحقني بنظراتها وتصر على التحدث معي والجلوس بقربي وهي تضع يدها على يدي وتضغط عليها باستمرار·
زوجة عمي كانت تقول لها: اتركيها انها لا تفيدك، فهي ليست من ذلك النوع، فأستغرب من قولها ولا أفهم ما ترمي إليه·
في احد الأيام جاءت تلك المرأة إلى البيت ولم تكن زوجة عمي موجودة، فاستقبلتها في غرفة الضيوف واعتذرت منها لإنشغالي في المذاكرة· عدت إلى غرفتي، ففوجئت بها وهي تلحقني· دخلت الغرفة ورائي واغلقت الباب بالمفتاح ثم هجمت علي بشكل مقزز، دفعتها بقوة وقلت لها: ماذا تريدين؟ قالت: أريدك·· انت تعجبيني وانا أحبك، صرخت بها: هل جننت؟ ألا تعلمين ان الزنا من الكبائر؟
ضحكت المرأة ضحكاً متواصلاً وقالت: وهل تسمين هذا زنا؟ انت جاهلة جداً، فالزنا لا يتم إلا بين الرجل والمرأة، أما هذا فهو مجرد ترفيه، فأنا امرأة مثلك ولن اؤذيك· قلت لها: وهذا الذي تتحدثين عنه أشد من الزنا واكثر اثماً منه، انه تحدٍ شيطاني يجلب الغضب واللعنة من الله، ألم تسمعي عن قوم لوط؟
غضبت المرأة مني وقالت: انت معقدة جداً· لم تكمل المرأة حديثها حتى قرعت زوجة عمي الباب، فأسرعت لفتحه وانا استنجد بها فوجدتها تبتسم بخبث وهي تقول لصديقتها: ألم أقل لك لا تضيعي وقتك معها؟
هزه عنيفة
شكل ذلك الحادث هزة عنيفة في حياتي، فقد سقطت زوجة عمي من عرش الهيبة والاحترام الذي كان لها في نفسي وصرت أتحاشى النظر إليها حتى واجهتني يوماً وهي تحاول استرضائي خوفاً من ان أنقل لعمي ما تقوم به أثناء غيابه·
تحدثت معي وحاولت تبرير أفعالها بقولها: ان عمك هو السبب، لقد دفعني لهذه التصرفات بعد ان تأكدت بنفسي من خيانته، صدمني ومزق قلبي عندما عرفت بأنه يقيم علاقة شاذة مع رجل مخنث، فأصبح يرافقه مثل ظله، وقد علمت بأنه قد استأجر له شقة خاصة، ألا ترينه وهو لا يأتي إلى المنزل إلا في آخر الليل؟ لم أستطع مواجهته لأجل أولادي وقررت ان أنتقم منه على طريقتي، فهداني عقلي إلى معاملته بالمثل والإنتقام منه بنفس الطريقة·
نظرت إليها باستغراب وقلت لها: انت راعية هذه الأسرة ورأسها، فاذا كان الرأس خراباً فماذا يكون حال الجسد؟ فكري بأولادك، انهم أذكياء أحسوا بما تفعلينه، فسادت بينهم التصرفات الخاطئة، فاذا كان عمي منحرفاً كما تقولين، فهل تعالجين انحرافه بانحراف مثله؟
عندما إستمعت الى رأيي إزداد غضبها مني وصارت تعاملني باحتقار شديد، وصارت تتعمد إحضار صديقاتها وتفسح أمامهن المجال للتحرش بي، فكنت أقبع في غرفتي خائفة وانا أغلق الباب على نفسي بالمفتاح خوفاً منهن· لذلك فقد قررت ترك الدراسة والعودة إلى بيتي بدلاً من ذلك الوضع الشائن الذي كان يلاحقني باستمرار، قررت ان أفر بجلدي من هذا الجحيم الذي لا يطاق، فحملت ثيابي وطلبت من والدي المجيء لأخذي متحججة بوجود مشاكل في الجامعة·
حاول عمي منعي من الرحيل وأخبرني بأنه أحس بأن زوجته لا تعاملني بشكل لائق، فأخبرته بأن ذلك ليس هو السبب، ثم نظرت إليه نظرة طويلة وتمنيت ان أصارحه وأقول له: لمَ تفعل ذلك يا عمي؟ انت ترتكب الفاحشة معتقداً بان ذلك من حقك كرجل وانت لا تدري بأن أسرتك كلها ضائعة بسبب ما تفعله انت·
بالطبع لم أنطق بكلمة واحدة وضحيت بمستقبلي خوفاً على سمعة تلك العائلة، ولكنني إكتشفت بأنني كنت مخطئة، وكان علي ان أواجههم بكل الحقائق الشائهة التي يعيشونها·

اقرأ أيضا