لا نأتي بجديد عندما نزعم بأن إنشائية الفن لا تعدو أن تكون غير نشاط لعبي، ولا يعنينا من هذا التصور غير ما يوفره لنا من إمكان النظر إلى شعرية محمود درويش، في نص من نصوصها (لاعب النرد)، عبر كوة من شأنها أن تنير خطابه إنشائياً لا موضوعاتياً، ولا يعني ذلك طبعاً أننا نقلل من شأن المقاربات التي تركز على هذا الموضوع أو ذاك، لكننا نحسب مع ذلك أن هناك إفراطاً في ربط نصوص درويش بمرجعيات توجد خارجها، ومن ثمة تتولى هذه المقاربات مقايسة هذه النصوص بوقائع ليست نصية، ولذلك يمكن أن ننحاز إلى القراءات التي تركز على ما يُسمى المرجعية الذاتية autoréférence، ويتراءى لنا أن اتخاذ مفهوم اللعب براديغما [نموذجاً تفسيرياً] من شأنه أن يلبي هذا الطلب. المرجعية الذاتية مدخلاً تنعقد اللعبة الفنية، عادة، بحسب ما تقرره الفرنسية ناتلي هينيش Nathalie Heinich، على ذات المبدع (الشاعر)، والموضوع (الأثر الفني)، وذات المتقبل (الجمهور). وهذا يفيدنا في بلورة «المرجعية الذاتية» بما هي إعادة تمثل لهوية الذات عبر «آخر» هو الذات النصية، أو لنقل الذات اللاعبة، فالمرجعية الذاتية التي نتحدث عنها، هاهنا، ليست من قبيل الانعكاسية لوعي وحيد/ معتزل، وإنما هي مسار فكري/ شعري يتشكل في اللغة وبها. في القصيدة التي يتناوب فيها قرينان حيث أحدهما متغاير بوساطة الآخر ويتماثل معه في الوقت نفسه. وهذه الملاحظة بشأن المرجعية الذاتية كتغاير يشق ذات المبدع تجد لها قدْراً من التعيين داخل «لاعب النرد». وليسمح لنا القارئ بأن ندفع بهذا الافتراض أمامه، وهو أن الوساطة اللعبية (الليدولوجية) في التعامل مع هذه القصيدة إنما تسمح بترسم صورة الشاعر/ اللاعب، ذلك أن الخطاب الاستطيقي الراهن لم يعد يُعْنى ببلورة حقيقة الجميل على نحو ما تتراءى في الأفق الميتافيزيقي، ولم يعد منشغلاً بتقديس ذاتية الفنان ومتعاطفاً معها ضمن أفق من الغنائية، بل ولقد أقلع هذا الخطاب إلى حد كبير عن الاكتفاء بالأثر من أجل استكشاف علاقاته المكونة له بمعزل عن صاحبه ضمن أفق البنيوية، بل يبدو هذا الخطاب، اليوم، بصدد مغادرة أفق نظريات التقبل التقليدية حيث المتلقي حكَم نهائي، نحو الانشغال بذاتية الفنان ضمن أثره حيث لا مسافة بين الفنان ومنجَزه، لا مسافة بين ذات تؤوب إلى نفسها بعد أن تكون قد فرغت من إنجاز الأثر، فلا مجال في «لاعب النرد» لأثر ينسحب صاحبه/ درويش إلى الخلف حتى يغيب تاركاً لنا عمله كأنما هو واقع موضوعي محض يتم الاهتمام به على أنه بنية مستقلة أو يتم الاهتمام بمتقبله فقط، وإننا لنحسب أن منظورية اللعب التي يرى الشاعر من خلالها إلى ذاته وإلى كينونته تخول لنا الاضطلاع بمهمة ترسم التكامل بين ذات الشاعر وعملها أو التداخل بينهما في حدود الديالكتيك الذي يقوم بين اللاعب واللعبة التي لا تنفك تسحب الذات بمنطقها وإغراءاتها إلى عالمها المخصوص. وإذا استأنسنا بهويزنغا في مؤلفه الشهير الإنسان اللاعب ludens، فإننا نلفيه يدعو إلى الانطلاق من مقولة اللعب، في شكلها المألوف، أي كما تعبر عنها بعض المفردات المستعملة في معظم اللغات الأوروبية الحديثة. ويمكن لنا نحن أن نضيف اللغة العربية لا من منطلق الغيرة القومية على هذه اللغة، وإنما من منطلق أن هويزنغا نفسه يعود إليها في أكثر من مناسبة. والمشترك بين هذه اللغات، وإن بتفاوت قليل أحياناً لا يضير الدلالة العامة في شيء، هو أن اللعب حركة أو نشاط إرادي، يُنجز في إطار حدود معينة من الزمان والمكان تبعاً لقاعدة متفق عليها بحرية، لكنها في الوقت نفسه إلزامية تماماً (الالتزام، هاهنا، ببحر المتدارك مثلاً). وهو، أي اللعب، ينطوي على غايته في ذاته، بالإضافة إلى كونه مصحوباً دائماً بشعور التوتر والغبطة، وبوعي أن «الوجود متحقق على نحو مغاير» مقارنة بــ«الحياة العادية». ونظن أن هذا المفهوم للعب يستوفي دلالة المرجعية الذاتية. يبدو، إذن، أن التوسل بمفهوم اللعب في قراءة واحد من آخر نصوص درويش، من شأنه أن يساعد على أن نتخلص قدر الإمكان من المرجعيات الخارجية التي قد تثقل على القصيدة نفسها. وإذا نظرنا إلى «لاعب النرد» [ونحن نقصد حقاً عبارة النظر التي نستعيرها من الممارسة التقبلية في الفنون البصرية، لأن الطابع التصويري في هذه القصيدة جلي تماماً، فهي استعادة لشريط الحياة. صحيح أن درويش كتب بعدها بعض القصائد لكن يبدو لنا إذا ما قسنا تجربته بمقياس غير كرونولوجي أنها القصيدة الأخيرة التي تمثل جردة حساب inventaire]. إذن، إذا نظرنا إلى «لاعب النرد» أمكن لنا أن نتوسل بمقولة «المرجعية الذاتية» من جهة أنها تفيد معنى التمثل représentation للذات، أي إعادة إحضار للذات «الفعلية» عبر الذات النصية/ الذات اللاعبة، فالمرجعية الذاتية التي توفرها الممارسة اللعبية، والتي نتحدث عنها هاهنا ليست تلك التي تكون من قبيل الانعكاسية réflexivité لوعي وحيد أو في عزلة، وإنما هي مسار معرفي فكري يتشكل ضمن أفق التدبر اللعبي لقرينيْن يتناوبان النص، فالشاعر/ اللاعب يحرك النص ويتحرك داخله كما يحرك أي لاعب اللعبة من حيث هو عنصر منها، أي من حيث هو جزء من منطقها: لا دورَ لي في القصيدة غير امتثالي لإيقاعها: حركات الأحاسيسِ حسّاً يعدل حسّاً وحدْسا ينزل معنى وغيبوبةً في صدى الكلمات وصورةَ نفسي التي انتقلتْ من «أنايَ» إلى غيرها واعتمادي على نفسي وحنيني إلى النبعِ/ لا دورَ لي في القصيدة إلا إذا انقطع الوحيُ والوحيُ حظ المهارة إذ تجتهدْ. لاعب النرد: تراجيديا اللعب لا بد من تخليص مقولة اللعب من الأدبيات التي ما فتئت تحدد اللعب بالسلب، أي بسلب أن يكون جاداً، فللعب علاقة مخصوصة بالجدية، ولكنها أساسية له: قد يكون من يلعبُ إنما يلعبُ بغرض التسلية، كما يقول أرسطو، دون أن ينفي ذلك أن اللعب نفسه ينطوي على جدية خاصة به، بل وعلى جدية مقدسة (غادامير). وينبغي أن نلاحظ أنه في السلوك اللعبي لا تضمحل ببساطة كل الأهداف التي عادة ما تحدد الوجود النشيط الذي نعده عادة وجوداً جدياً يحاول السلوك ضمنه أن يكون متبصراً وحكيماً ومحترساً قدر الإمكان، وإنما تكون هذه الأهداف معلقة بطريقة متميزة. فالذي يلعب يعرف هو نفسه أن اللعب ليس إلا اللعب، وأنه يوجد في عالَم محدد بجدية الأهداف، فإذا انتبهنا إلى ما يصل الممارسةَ اللعبية برهان التحرر، وإذا انتبهنا إلى أن هذا الرهان من الجدية بمكان، خلصنا إلى أن الجدية في اللعب إنما هي مغالبة للجدية على صعيد الواقع، فالأولى تعكس سعياً إلى التحرر والثانية تعكس قيوداً تكبل النشاط الإنساني، بما هي قيود الحاجة والضرورة. وفي اللعب يحول الإنسانُ الضرورة إلى إمكان، إلى صدفتين تلتقيان خارج قوانين المنطق كأنهما رميتا نرد في الوقت نفسه: كان يمكنُ ألا أحب الفتاةَ التي سألتني: كم الساعةُ الآن؟ لوْ لمْ أكنْ في طريقي إلى السينما... كان يمكن ألا تكونَ خلاسيةً مثلما هي، أو خاطراً غامقاً مبهَما... فالنص/ القصيدة هو ميدان اللعبة؛ يتم اللعب داخله طبقاً لقواعد مضبوطة سلفاً لكن طبقاً لأساليب مبتكرة. وذات الشاعر/ اللاعب هاهنا تنتقل من المرجع الخارجي (الحياة الواقعية) إلى هذا الميدان لتتشكل حسب مقتضياته في قرينيْن يكون أحدهما متغايراً altéré بوساطة الآخر ومتماثلاً معه في الوقت نفسه، فلا تكون له من هوة إلا في هذه المساءلة: من أنا لأقول لكم، من أنا؟ فالأنا سائل مسؤول عنه، لاعب ملعوب به: إذ لا ننسى أن الذي يلعب تلعب به اللعبة أيضاً حسب منطقها. وهذه الخاصية متوفرة أيضاً في بنية اللغة حيث نقولها وتقولنا في الوقت نفسه. على أن مساءلة الأنا عن هويته ينبغي ألا تُفهم فقط في سجل أنطولوجي يعكس هم الوجود لدى الشاعر. وإنما، أيضاً، في السجل اللعبي الذي يماثل السجل الإنشائي في الفن (= سجل تكوين الأثر) حيث منطق اللعبة يسحب اللاعب من ذاتيته ويحوله إلى عنصر أو إلى علاقة في فضاء اللعبة، أي هو منطق يتهدد دائماً اللاعب بأن يخسر ذاته حتى وإن كان ثمة كسب أو غنم من اللعبة، وهل يمكن الحديث عن لعبة دونما مخاطرة أو مجازفة! وإذْ نشير إلى أنه ينبغي عدم حصر التساؤل عن الهوية في الهم الأنطولوجي فحسب، فإن ذلك لا يستنقص من قيمة هذا الهم، فربما أرجعنا كل الفنون – في مقاربات أخرى - إلى هذا الهم، وإنما يتعين استقراء الحيرة الوجودية بمفردات ذات دلالة ليدولوجية، مفردات من بينها مفردة الصدفة التي تعكس فاعلية من فاعليات منطق اللعب، فهو حتى وإن كان يخضع لقواعد مسبقة في بعض أنماطه ولحساب دقيق للحركة أو الرمية فيه، فإن ما يعتمل فيه من منطق الصدفة هو ما يضفي عليه روحه اللعبية – ونحن لا نقول المرِحة، فلنذكرْ مرة أخرى بأن اللعب نشاط جاد قد يكون مصحوباً بالغبطة ولكنه مصحوب أيضاً بالتوتر –. ويمكن أن نستشف حضور هذه الخاصية اللعبية كهم وجودي في هذا المقطع: أنا لاعب النردِ، أربح حيناً وأخسر حينا أنا مثلكم أو أقل قليلا... ولدْتُ إلى جانب البئرِ والشجرات الثلاث الوحيدات كالراهباتْ ولدْتُ بلا زفة وبلا قابلةْ وسُميتُ باسمي مصادفةً وانتميْتُ إلى عائلةْ مصادفةً. ومنطق الحظ أو الصدفة هو الذي يجعل العالَم بما هو وجود لعبي مجالاً للحيرة والقلق الذين لا ينشدان إلا أفق المساءلة أبداً على نحو من المعاودة المختلفة التي تتراءى واضحة في قصيدة لاعب النرد، ولكن ضمن بنية للقول معقودة، هاهنا، على واحد من قوانين اللعب، أي المعاودة والتكرار، وفي تماثل صوري مع الوجوه الستة لحجر النرد، ولكن أيضاً بما من شأنه أن يعزز البعد الإيقاعي للقصيدة: 1 من أنا لأقول لكمْ ما أقولُ لكمْ 2 من أنا لأقول لكمْ ما أقولُ لكمْ 3 من أنا لأقول لكمْ، من أنا؟ 4 من أنا لأقولَ لكمْ ما أقولُ لكمْ؟ 5- من أنا لأقولَ لكمْ ما أقولُ لكمْ؟ 6- من أنا لأخيب ظن العدمْ؟ من أنا؟ من أنا؟ بعد تسع سنوات من رحيله، ما زلنا نسأل: هل رمى «لاعب النرد» رميته الأخيرة على رقعة الشعر العربي الحديث؟ أم هل أخذ حجر النرد وسر رميته معه، وترك قصائده عالقة بعدُ في المشهد الشعري؟     الذات عبر الآخَر تنعقد اللعبة الفنية، عادة، بحسب ما تقرره الفرنسية ناتلي هينيش Nathalie Heinich، على ذات المبدع (الشاعر)، والموضوع (الأثر الفني)، وذات المتقبل (الجمهور). وهذا يفيدنا في بلورة «المرجعية الذاتية» بما هي إعادة تمثل لهوية الذات عبر «آخر» هو الذات النصية، أو لنقل الذات اللاعبة، فالمرجعية الذاتية التي نتحدث عنها، هاهنا، ليست من قبيل الانعكاسية لوعي وحيد/ معتزل، وإنما هي مسار فكري/ شعري يتشكل في اللغة وبها. في القصيدة التي يتناوب فيها قرينان حيث أحدهما متغاير بوساطة الآخر ويتماثل معه في الوقت نفسه. وهذه الملاحظة بشأن المرجعية الذاتية كتغاير يشق ذات المبدع تجد لها قدْراً من التعيين داخل «لاعب النرد».   لعب على المتدارك إذا استأنسنا بهويزنغا في مؤلفه الشهير الإنسان اللاعب ludens، فإننا نلفيه يدعو إلى الانطلاق من مقولة اللعب، في شكلها المألوف، أي كما تعبر عنها بعض المفردات المستعملة في معظم اللغات الأوروبية الحديثة. ويمكن لنا نحن أن نضيف اللغة العربية لا من منطلق الغيرة القومية على هذه اللغة، وإنما من منطلق أن هويزنغا نفسه يعود إليها في أكثر من مناسبة. والمشترك بين هذه اللغات، وإن بتفاوت قليل أحياناً لا يضير الدلالة العامة في شيء، هو أن اللعب حركة أو نشاط إرادي، يُنجز في إطار حدود معينة من الزمان والمكان تبعاً لقاعدة متفق عليها بحرية، لكنها في الوقت نفسه إلزامية تماماً (الالتزام، هاهنا، بالمتدارك مثلاً). وهو، أي اللعب، ينطوي على غايته في ذاته، بالإضافة إلى كونه مصحوباً دائماً بشعور التوتر والغبطة، وبوعي أن «الوجود متحقق على نحو مغاير» مقارنة بـ«الحياة العادية»، ونظن أن هذا المفهوم للعب يستوفي دلالة المرجعية الذاتية.