الاتحاد

الملحق الثقافي

مسجد مريم أم عيسى ضوء لامع في زمن «الهويات القاتلة»

مسجد مريم أم عيسى (محمد بن زايد سابقاً)

مسجد مريم أم عيسى (محمد بن زايد سابقاً)

لعل ما يجعل دولة الإمارات العربية المتحدة دولة عصرية بملمح وملمس إنساني تسامحي سلامي خلاق، هو أنها تفكر بطريقة غير تقليدية. نجاحها يأتي من إبداعاتها الخارجة عن صندوق التقليد والأفكار المعبأة أو المقولبة، ويتجاوز الطروحات التي لا ترى في الخلف إلا كل شر، أو تبقى متحجرة عند السلف باعتباره صاحب كل خير، أي أنها تسير منساقة في دروب الاتباع وتباعد بينها وبين عوالم الإبداع.
التفكير الإماراتي الذي ضمن للبلاد والعباد مكانة متقدمة بين الأمم الصاعدة وفي وقت قياسي هو تفكير من خارج الصندوق؛ بمعنى أنه مفهوم أكبر بكثير من مجرد كليشيهات إدارية، إنه يعني الخروج من حدود أفكارنا وخبراتنا وتجاربنا السابقة إلى استخدام طرق مبتكرة، وتصور المشاكل بشكل مختلف، والتفكير باستخدام أفكار جديدة وخلاقة بدلاً من القديمة والمتوقعة.


يعاني العالم كافة في حاضرات أيامنا من حالة حادة من حالات الاحتقان الديني، غرباً وشرقاً، في الغرب تكاد تسود الإسلاموفوبيا، ربما من جراء حركات الإرهاب ذات الطابع الإسلاموي، وإن كان الإسلام منها براء، وعليه تأتي ارتدادات الفعل في صورة قوميات وعصبيات وجماعات تطرف يميني ترى في الإسلام والمسلمين «العدو الأخضر الجديد»، الذي يحل تلقائياً محل «العدو الأحمر» القديم: أي الشيوعية.
وفي الشرق الذي أطلق عليه ذات مرة «الشرق الفنان» نرى ردة حضارية، تتمثل في داعش وأخواتها، منقطعة الصلة عن الإسلام الذي قبل الآخر وكفل له حرية ممارسة دينه وعقيدته ومباشرة شعائره، في حين كان الموت والحرق، القتل والاغتصاب ينتظر النصارى العرب في سوريا والعراق، سيما في المواقع والمواضع التي حلت فيها داعش.

مثال على التسامح
في هذا الجو غير الإنساني تأتي الإمارات ورجالاتها ليقدموا للعالم مثالاً على معنى ومبنى التسامح والإنسانية، وعلي إمكانية تعايش الأديان، واكتشاف المشترك بينها، وتعزيز الحياة الواحدة في السراء والضراء.
في منتصف يونيو حزيران الماضي، كان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، يوجه بإطلاق اسم «مريم أم عيسى» عليهما السلام على مسجد الشيخ «محمد بن زايد»، في منطقة المشرف، وذلك ترسيخاً للصلات الإنسانية بين أتباع الديانات، والتي حث عليها الدين الإسلامي الحنيف، والقواسم المشتركة بين الأديان السماوية.
يعنّ لنا بداية التساؤل: «هل ما جاء به الشيخ محمد بن زايد» يخرج عن نهج الإمارات الذي عرفت به منذ سنوات التكوين الأولى على يد المؤسس والباني الحقيقي لها؟
المؤكد أن القيادة الإماراتية الحكيمة حرصت ومنذ تأسيس الدولة على يد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه» على الاهتمام بالتسامح وتحقيق التعايش المشترك القائم علي العدل والإخاء لجميع من يعيش في ربوع دولة الإمارات.
استنَّ «زايد الخير» سنّة التسامح والتي هي من قلب مبادئ الإسلام، ليسير على الدرب من بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب رئيس القوات المسلحة «حفظه الله»، والحديث هنا ليس تنظيراً فكرياً، بل واقع عملي معاش، حيث أكثر من مئتي جنسية يتجاورون ويتحاورون، يتشاركون الليل والنهار على أرض الإمارات، وذلك على اختلاف طوائفهم ومللهم ونحلهم، وعلى تعدد طقوسهم وشعائرهم الدينية والإيمانية، دون منع أو حظر، وبلا تخويف أو إرهاب، بل الجميع ينعم بالأمن والاطمئنان. وفي الخلفية الفكرية لهذا الواقع السعيد فهمٌ صحيح غير مغلوط ولا مجتزأ للإسلام، الذي يأمر بإقامة العدل وباحترام الآخرين، ويحث علي البر والإحسان والتعاون على الخير مع بني الإنسان، وكل ما من شأنه أن يحافظ على كرامتهم ويضمن لهم حقوقهم في العيش الكريم المحترم.
والشاهد أن إطلاق اسم «مريم أم عيسى، على مسجد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يستدعي أكثر من مبنى ومعنى في أجواء السياقات الدولية المأزومة، والمناخات الدينية الموسومة بالتشدد في غالب الأمر، والظرفية الراهنة المشوبة ومن جديد بعلو صوت الطائفية والمذهبية.
أما المسار الأول فيتصل بمعنى ومبنى التسامح، وكيف أن الإمارات والقائمين عليها يؤمنون قولاً وفعلاً بالقيمة العالية والغالية لهذا النهج الحياتي من زمن الشيخ زايد الكبير المتسامح مع الذات ومع الآخرين، وصولاً إلى أبنائه وأحفاده من بعده.
آمنت الإمارات بأن التسامح عملية إيجابية خلاقة هدفها تعديل موقف الإساءة أو إعادة تصحيحه بما يعود بالخير على كل من المساء إليه، والمسيء، أو على الأقل إعفاء المسيء من تهديد أو عقاب المساء إليه.
وهنا فإن التسامح لا يعني خرق المعايير أو القواعد، ناهيك عن القوانين، وإنما ينصب بصورة مباشرة على التخلي عن الثأر والرغبة في الانتقام من المسيء، سواء بصورة مادية صريحة أو بصورة رمزية ضمنية.
والثابت أنه عندما يقوم ولي العهد بمبادرة من هذا النوع فإنه يستمد رؤيته ومشروعيته من عمق حضارة الإسلام، فالقرآن الكريم مليء بالألفاظ والمعاني، ما يترجم معنى التسامح إلى واقع، فالدعوة القرآنية إلى العفو والإحسان، والبر والقسط في حق الغير، ممن لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، هي دعوة للتسامح، ومثلها «لا أكراه في الدين»، والمجادلة بالتي هي أحسن، وبالحكمة والموعظة الحسنة، واحترام كرامة الإنسان، واللين والمعروف، وسعه الصدر التي تسمح للآخر المختلف أن يعبر عن رأيه، حتى لو لم يكن موضوع تسليم أو قبول، فضلاً عن العدل في المعاملة دون تمييز حتى مع المغايرين والمخالفين، والوفاء بالعهد لأهله، مهما اختلفت عقائدهم ولغاتهم وألوانهم، وقيم الرحمة تجاه العالمين والتي تعني قبول الآخر المغاير.
على أن اختيار الاسم في حد ذاته أمر لا يخلو من إبداع في المعنى والمبنى، وهذا ما أشار إليه الدكتور «محمد مطر الكعبي» رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بقوله:«إن قصة مريم عليها السلام وحملها بعيسى من المعجزات الإلهية للبشرية، فهي قدوة ظاهرة لكل فتاة، وقد ورد اسم مريم في «29» آية في القرآن الكريم، وورد اسم عيسى عليه السلام في 25 آية في القرآن الكريم»، مضيفاً بأن «سيدنا عيسى ابن مريم هو في القرآن والسنة والعقيدة الإسلامية، محل تقديس عظيم يفوق مقاييس التصور البشري».

وفاق في زمن الافتراق
هل كان للمسيحيين العرب في الإمارات أو خارجها وللعالم المسيحي، غرباً وشرقاً، أن يتجاهل قيمة وقامة هذه المبادرة الخلاقة؟
يضيق المجال المتاح للكتابة عن تفصيل مواقف وتصريحات المراقبين من المسيحيين أكليروس وعلمانيين، عرباً وأوربيين، فقد اهتزوا جميعاً من فرط الإنسانية والمحبة المفرطة التي نسجها الشيخ محمد بن زايد بقراره هذا، معتبرين أن الإمارات إن كان لها أن تقود العالم، فهي تقوده بنموذج الوفاق في زمن الافتراق، وبالمحبة في عصر الكراهية، وبالدعوة للتسامح والتآخي الديني، في أوقات العصبية القومية والمشروعات الإيديولوجية الفردية، ودائماً ما يسكن تحت كل جلد أيديولوجي إرهابي صغير أو كبير.
في هذا السياق يمكننا القطع بأن أصوات المسيحيين العرب في داخل الإمارات، كانت خير سفير، لا للإمارات وقيادتها وشعبها فحسب، بل للإسلام والمسلمين، عقيدة وشعباً وأمة كبيرة حول العالم، سفير يتجاوز إن شئنا الدقة إنفاق ملايين الدولارات على شركات العلاقات العامة، لمحاولة إظهار الوجه الحقيقي للإسلام، ذاك الذي سعت الجماعات الظلامية إلى تشويهية عبر إرهاب وعنف، كراهية وموت، لا قبل للإسلام بها، ولا علاقة له بأي منهم عبر دروب ومسارات التاريخ.
باتت الإمارات تمثل المثل الحي الواقعي على التسامح الذي تعدى مرحلة الشعارات إلى مرحلة الحياة، والتناغم الوطني الخلاق الذي قفز من فوق جسور التعددية إلى مرحلة الانصهار في النسيج المجتمعي الواحد، والمثال هنا يدعونا لطرح علامة استفهام: هل يفتح «مسجد مريم أم عيسى»، أضابير التاريخ والفكر للتساؤل عن القواسم المشتركة بين الديانات الإبراهيمية، والتي تنتمي في مجموعها إلى إبراهيم الخليل أبو إسحق وإسماعيل عليهم جميعاً السلام؟.
خذ إليك، على سبيل المثال لا الحصر، ما قاله البروفيسور العربي المسيحي عادل تيودور خوري اللبناني الأصل، صاحب السفريْن الكبيريْن عن الجدل البيزنطي ضد الإسلام في القرن التاسع الميلادي (1968) وصاحب الكتب الكثيرة في الدفاع عن الإسلام والعمل على فهمه والعيش معه.
يخبرنا البروفيسور خوري بكلام يثلج الصدور، ويعمق روح الألفة والمودة، أن كمية القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية أكبر مما يظن البعض، ونوعية هذه القيم المشتركة أفضل مما يتوهم من لا يملك إلا معرفة ضئيلة، لما ورد في مصادر الوحي في مصادر الدينيْن، أي الإنجيل وأسفار العهد القديم عند المسيحيين، والقرآن الكريم عند المسلمين، وأعمق مما يعي من لا يحكم في الأمور إلا من خلال اختبار عملي ضيق الأفق لبعض أحوال البعد والنفور بين المسلمين والمسيحيين.
ولعل القارئ المحقق والمدقق للعديد من مؤلفات الأب خوري مثل:«أخلاقيات في الإسلام»(1976) و«مدخل إلى أسس الإسلام» (1978)، و«الصلاة في الإسلام»، و«لقاء مع الإسلام» (1980) و«الفقه الإسلامي الأسس والمذاهب»، (1982)، يدهش حقاً وفعلاً من كون الإسلام على هذا القرب من المسيحية، إذ أن النبي محمداً - والكلام لخوري - كان له إلمام غير يسير بما جرى عليه الرهبان في مواطن نسكهم، والرعايا المسيحية في البقاع الممتدة بين شمالي الجزيرة العربية ومشارف فلسطين وسورية، فكان للقرآن ذكر طيب للرهبان في تعبدهم، وكان أول مواضيع الدعوة القرآنية إلى المشركين في مكة تشبه ما كان يكرز به القسيسون عند إقامة شعائر دياناتهم في كنائسهم، وقد جاء فيها إنذار بيوم الدين واقتراب ساعته، وحضٌّ على التوجه إلى الله الواحد الأحد والإقبال علي خشيته.
والثابت عن حديث القواسم المشتركة بين المسيحية والإسلام والتي جدد الآمال حول نشوئها وارتقائها من جديد مسجد «مريم أم عيسى» يحتاج إلى ملفات وقراءات معمقة، غير أنه يمكن القول - إجمالاً - إن هناك أصولاً وفروعاً واضحة في مجالات ثلاث: في مجال الإيمان، ومجال العبادة، ومجال الإحسان، وقد يأتي وقت لنقف عليها بالتفصيل.

نقلة إنسانية وحضارية
ما الذي يتبقى من آثار إيجابية يمتد أثرها على أبناء إبراهيم جراء الفعل الإماراتي الجريء والمقدام لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان؟
المؤكد أنه يزخِّم مسيرة الحوار والتلاقي بين أتباع الأديان وبصورة غير مسبوقة، وينقل الحوار من دائرة التنظير الفكري التي أسس لها المجمع المسكوفي الفاتيكان الثاني (962 - 1965) في روما إلى دائرة الواقع الحي المعيش والمتفاعل على الأرض.
هذه النقلة الإنسانية والحضارية يحسبها المرء قادرة بجسارة وحكمة معاً على الوقوف في مواجهة زمن «الهويات القاتلة»؛ فعلى الرغم من أن الدمار الذي تسببه صراعات الهوية على حياة وممتلكات البشر، فإنه ينبعث ضوء لامع، ومع أن الدين يمكنه، بل وحدث بالفعل (عندما أسيء فهمه)، أن يساهم في صراعات عنيفة، فإنه يمكن أن يكون عاملاً قوياً في الكفاح من أجل السلام والتصالح.
والدين يمكن أن يكون له أثره الإيجابي في عدة أوجه؛ فمن حيث المبدأ الديني تؤكد الأديان الإبراهيمية الثلاث على مبدأ الرحمة والتسامح، وهي صفات لا غنى عنها في التوصل إلى حلول للصراعات طويلة المدى والمتأصلة بعمق.
ومبادرة الشيخ محمد بن زايد هي دعوة تذكيرية لرجال الدين والسياسة، خاصة في المناطق التي تعاني من الصراعات، بأن نفوذهم ووجودهم على كل مستويات الدول والمجتمعات، يمكّناهم من القيام بدور استثنائي كدعاة مؤثرين في طريق الحوار ودروب التصالح.
وعلاوة على ذلك، وعلى الرغم من الاختلافات الظاهرية يسعون معاً في تعميق النزعة الروحانية عند شعوبهم ومؤمنيهم، ما يمكن أن يشكل في الحال والاستقبال قاعدة لإحياء العلاقات البناءة التي دمرها العنف وحطمتها الأصوليات ومزقها التطرف.



قيم مشتركة

 

البروفيسور العربي المسيحي عادل تيودور خوري اللبناني الأصل، صاحب السفرين الكبيرين عن الجدل البيزنطي ضد الإسلام في القرن التاسع الميلادي (1968) وصاحب الكتب الكثيرة في الدفاع عن الإسلام والعمل على فهمه والعيش معه، مثل "أخلاقيات في الإسلام" (1976) ومدخل إلى أسس الإسلام (1978)، والصلاة في الإسلام، ولقاء مع الإسلام (1980) والفقه الإسلامي" الأسس والمذاهب، (1982)،
يخبرنا بكلام يثلج الصدور، ويعمق روح الألفة والمودة، أن كمية القيم المشتركة بين الإسلام والمسيحية أكبر مما يظن البعض، ونوعية هذه القيم المشتركة أفضل مما يتوهم من لا يملك إلا معرفة ضئيلة، لما ورد في مصادر الوحي في الدينيْن، أي الإنجيل وأسفار العهد القديم عند المسيحيين، والقرآن الكريم عند المسلمين، وأعمق مما يعي من لا يحكم في الأمور إلا من خلال اختبار عملي ضيق الأفق لبعض أحوال البعد والنفور بين المسلمين والمسيحيين.

 

بين إسلاموفوبيا الغرب وداعش الشرق تقدم الإمارات نموذجاً لتعايش الأديان
يعاني العالم كافة في حاضرات أيامنا من حالة حادة من حالات الاحتقان الديني، في الغرب تكاد تسود الإسلاموفوبيا، ربما من جراء حركات الإرهاب ذات الطابع الإسلاموي، وإن كان الإسلام منها براء، وعليه تأتي ارتدادات الفعل في صورة قوميات وعصبيات وجماعات تطرف يميني ترى في الإسلام والمسلمين "العدو الأخضر الجديد"، الذي يحل تلقائياً محل "العدو الأحمر" القديم؛ أي الشيوعية.
وفي الشرق الذي أطلق عليه ذات مرة "الشرق الفنان" نرى ردة حضارية، تتمثل في داعش وأخواتها، منقطعة الصلة عن الإسلام الذي قبل الآخر وكفل له حرية ممارسة دينه وعقيدته ومباشرة شعائره، في حين كان الموت والحرق، القتل والاغتصاب ينتظر النصارى العرب في سوريا والعراق،لا سيما في المواقع والمواضع التي حلت فيها داعش.
في هذا الجو غير الإنساني تأتي الإمارات ورجالاتها ليقدموا للعالم مثالاً على معنى ومبنى التسامح والإنسانية، وعلى إمكانية تعايش الأديان، واكتشاف المشترك بينها، وتعزيز الحياة الواحدة في السراء والضراء.

اقرأ أيضا