الاتحاد

ثقافة

خريجو المعاهد المسرحية.. تجارب وإفادات

مسرحية «حبة رمل» تأليف وإخراج ناجي الحاي (تصوير: عمران شاهد)

مسرحية «حبة رمل» تأليف وإخراج ناجي الحاي (تصوير: عمران شاهد)

عصام أبو القاسم

ما هي الإضافات التي قدمها خريجو المعاهد المسرحية إلى مسيرة المسرح الإماراتي، خصوصاً في بدايات بحث أصحاب المواهب والطموح عن سند المعرفة والدراسة؟، وكيف كانت تلك البدايات تحت ظلال العديد من التحديات والعقبات؟ «الاتحاد الثقافي» وضع عدداً من الأسئلة أمام ثلاثة من أقدم خريجي المعاهد المسرحية، حول أثر خبراتهم الأكاديمية في تجاربهم المسرحية وفي مسيرة المسرح الإماراتي وتوجهاته بين الماضي والحاضر، وأبرز التحديات التي واجهتهم، فجاءت إفاداتهم كالتالي:

يقول وليد الجلاف: لا شك أن لخريجي المعاهد المسرحية أثرهم في الحركة المسرحية المحلية، لقد أسهم كل واحد منهم، من موقعه، في إثراء تجربة المسرح الإماراتي، جمالياً وفكرياً وإدارياً، كما كان لهم دورهم في تدريب وصقل العديد من المواهب، مقارنة بسواهم، حيث تميزوا بامتلاكهم للأدوات العلمية في بناء وتشكيل المادة المسرحية، وقدموا إضافات مهمة في تقديري، وكان لبعضهم الدور الأكبر في التطور الذي نلمسه اليوم في عروض المسرح الإماراتي، سواء في الموضوعات أو الأساليب، ولكنهم أيضا وجدوا بيئة صالحة ومحفزة وصادفوا اهتماما من الدولة بهذا النشاط، ولذلك أثمرت جهودهم، على الرغم من ضآلة عددهم.
صحيح، في البدايات، واجهوا مشكلة عدم تقبل المجتمع للفن المسرحي بيد أن الدعم الكبير الذي قدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة كان له أثره المباشر في تغيير الصورة الذهنية حول المسرح والمسرحيين، من النكران والاستهزاء إلى الاعتراف والتقدير.
في ما يتعلق بتجربتي، فلقد ساعدتني دراستي المسرح كثيراً، وتخصصي في الديكور لم يأت عن فراغ بل نتيجة لتعلقي بهذا اللون الفني، لكنني تعلمت في المعهد كيف تقنيات وطرق استثمار المواد وتخليق الأشكال والدلالات، وتلك معارف كنت أجهلها طبعاً. كنت أول من تخصص في هذا المجال من الإماراتيين ولقد شجعني على السفر للدراسة الدكتور حبيب غلوم، وقمت بدوري بتشجيع وليد الزعابي الذي درس هو الآخر تصميم المناظر المسرحية.
ويضيف الجلاف: يمكننا أن ننسب العديد من التطورات للأجيال المتعددة للمتخرجين في المعاهد المسرحية في المشهد، منذ أواخر الثمانينيات لغاية اليوم، ولكن هذه التطورات في ظني ما كان لها أن تتحقق لولا جملة من الأسباب، في مقدمتها حقيقة أن المسرح في العالم من حولنا كان قد حقق قفزات نوعية في تلك المرحلة، حيث أتاحت الثورة التكنولوجية المزيد من الوسائل والحلول للفنانين المسرحيين لصياغة وتجويد أعمالهم، وكنا كخريجين في حجم ما أتاحته الظروف من إمكانيات ولم نفوّت الفرصة، كما لا نستطيع أن نغفل الإرث الإبداعي والثقافي الذي تركه الأساتذة العرب الذين تم استقدامهم في وقت سابق، وكذلك هناك التأثيرات التي نتجت عن زيارات العروض المسرحية للدولة، كل هذه الأسباب مجتمعة تضافرت ليتحقق ما تحقق من نمو وارتقاء في الأعمال المسرحية بالدولة.
لو أردنا أن نقف على ملامح التغيير الذي حصل نتيجة لنشاط خريجي المعاهد: يمكن أن نتكلم عن النقاشات التي أثيرت وما زالت تثار حول ما يجب أن يكون عليه المسرح الإماراتي: ما هي الموضوعات التي يجب أن يتناولها وكيف يتعاطى مع التراث، وكيف يتواصل مع الجمهور، وللإجابة على هذه الأسئلة المتنوعة كانت هناك العديد من التجارب التطبيقية المهمة، مثل اكتشاف فضاءات جديدة للعروض المسرحية، وتوظيف واستثمار أشكال التراث بطريقة عصرية وحداثية، وكذلك الاستخدام المتقن للوسائط وأجهزة الصوت والإضاءة وغير ذلك من الخبرات. على الصعيد الشخصي، فخور بما قدمته من أعمال خاصة العروض التي كتبها صاحب السمو حاكم الشارقة: مثل «هولاكو» و«القضية»، و«الواقع صورة طبق الأصل».

تنوير وتطوير
أما الدكتور حبيب غلوم فيقول عن دور الخريجين في المشهد: دورهم تنويري أو هكذا يفترض به أن يكون، ولكن لقلة الخريجين من المعاهد الفنية المختلفة، فقد انزوت تلك الطاقات الدراسة والباحثة عن مجالات أرحب في انطلاقتها الأولى بعد التخرج لتصطدم بواقع أقل ما يقال عنه أنه لا يرغب في التغيير ولا يلتمس العذر للأفكار الجديدة، بل استهجن معظم المشتغلين في الحركة المسرحية بوجود أول خريجين للمسرح وهما إبراهيم بوخليف وعبدالله الأستاذ في بداية الثمانينيات من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت، فوقعا في براثن الأنا العليا التي كانت تسود معظم الإداريين في ذاك الوقت ولم يحصلا على الدعم بحجة أنهما لا يختلفان عن غير الدارسين، والكل متشبث بكرسيه يحاول أن يبقي على عرينه وأفكاره وقناعاته، لذلك استسلما وغير موجودين الآن في الساحة الفنية.
جاء بعدهما حسن رجب وحبيب غلوم وجمال مطر من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت وعمر غباش من أميركا في منتصف الثمانينيات محاولين دعم المحاولة الدراسية الأولى، وساعدهم على ذلك وجود محبين آخرين للمجال أمثال إسماعيل عبدالله وناجي الحاي وآخرين من الشباب ممن لم يتخصصوا في المسرح ولكنهم تتلمذوا في المسرح الجامعي فاستزادوا علماً ومعرفة وحباً في التغيير من خلال ممارساتهم المسرحية، فتوحدت صفوف الأفكار الطليعية الناشدة للتغيير، عملنا بيد واحدة رغم صعوبة الوصول إلى الأفكار السائدة في معظم المسارح وبالأخص في إداراتها، ولكن بكثير من الصبر استطعنا اجتياز كثير من الأفكار الرادعة التي ترى في المسرح مكاناً لمتعة الجماهير ولا شيء غير ذلك.
تقاطعت مشاريعنا بين ما يريده الجمهور وما يريده المسرح للإبقاء على فلسفته التنويرية، فدخلنا في صراع البقاء بين فريقين لذلك تجد في منتصف الثمانينيات وبداية التسعينيات موسمين لمعظم الفرق المسرحية، واحدة منها تفصَل للخريجين والمشاركة في المهرجانات وأخرى للمتعة والاستهلاك الجماهيري.
ويضيف د. غلوم: فالتحدي الأكبر كان المسرحيون أنفسهم أو جلهم، لذلك كان لابد من تغيير الأفكار داخل الفرق الفنية، فعمل معظم الخريجين على الدورات المسرحية لتنشيط الذاكرة الجمالية والفنية أكثر من الاشتغال على المشاريع المسرحية، وعلى الوعي بما هو كائن وما يجب أن يكون عليه المسرح، بربط الحركة الفنية بالتنمية، برفد المسرح بالطاقات الإبداعية المتميزة، بالبحث عن المواهب في الجامعات والمدارس، بأهمية تبني تلك الطاقات والعمل مع وزارة التربية والتعليم لإيفادهم في دراسات متخصصة في كافة عناصر العرض المسرحي، ونجحنا بإيفاد وليد الجلاف ووليد الزعابي لدراسة هندسة الديكور المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت بالإضافة لإبراهيم سالم وحميد سمبيج رحمه الله وخالد البناي أيضاً في نفس المعهد في الكويت، وحسين بكار في أميركا، وخليفة التخلوفة ونجلاء الشحي كأول إماراتية متخصصة في مجال المسرح في المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة، ومن بعدهم حسين جواد وزيد الهاشمي في الكويت وسعيد الزعابي وهو آخر خريجي المسرح عام 2011 من القاهرة، وهذه من أهم المعضلات والتحديات التي تواجه الحركة المسرحية اليوم عدم وجود أي طالب مبتعث من عام 2007 إلى اليوم.. لماذا؟

تعرضنا للاستفزاز
يقول إبراهيم سالم: الذي شجعني على الانتساب للمعهد المسرحي في الكويت هو الأستاذ الراحل يحيى الحاج، ولقد راقت لي الفكرة عندما سافرت للدراسة. كنت خائفاً بالطبع من التجربة للوهلة الأولى وكنت قلقاً من الغربة، لكن الرغبة أيضا كانت موجودة. كنت قبل ذهابي للمعهد أمارس المسرح وما حصل عندما بدأت الدراسة هو اكتشافي أنني كنت أجهل الكثير من المبادئ الأساسية في عمل الممثل فوق الخشبة، كيف يتنفس وكيف يصدر صوته ويلوّنه تبعاً للموقف وكيف يتحرك ويتواصل مع سواه من الممثلين وكيف يفرح ويحزن ويمزج بين العاطفتين، كل هذا عرفته في المعهد.
بعد عودتنا تعرضنا لاستفزاز من الزملاء في المشهد، كنا نسمع من يقول عنا «خلنا نشوف شو راح يسوون»، وهناك من حملنا المسؤولية كلها للارتقاء بالمسرح الإماراتي برغم عددنا القليل. ومع ذلك حاولنا، ولعل أول ما قمنا به هو أننا رسخنا فكرة الاشتغال على أعمال مسرحية إماراتية، تنبع من البيئة المحلية وتعكس شواغلها. كان مسرحنا المحلي متأثراً بما قدمه الأساتذة العرب الذين جاؤوا في وقت سابق، وبعض هؤلاء الأساتذة كان متأثراً بأيديولوجيات ومرجعيات فكرية لا علاقة لها بمجتمعنا وما سعينا إليه هو أن نوجه ممارستنا المسرحية إلى ثقافتنا المحلية.
في الجوانب الفنية قدمنا نماذج مهمة، خاصة أعمال حسن رجب، وعمر غباش وحبيب غلوم، كذلك أشرفنا على ورش تدريبية وتثقيفية للعديد من الأجيال المسرحية، لكن المشكلة التي اعتقد أنها نهضت أمامنا هي أن بعضهم أراد لنا أن نكون مجرد موظفين نبقى مداومين في المكتب وبين الأوراق ولا نذهب إلى ميدان العمل أو نتفرغ لإنجاز العروض أو مشاهدتها.
دراستنا للمسرح منحتنا الاعتبار والتقدير، خاصة في المجتمعات المسرحية العربية والدولية، كما أن الدعم اللامحدود الذي قدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لهذا الفن وللمشتغلين به أعلى من شأننا كثيراً وزاد شغفنا وحبنا له وحفزنا على المواصلة والإبداع.

اقرأ أيضا

«كلمة» للترجمة يصدر «الموضوعية» لستيفِن غاوكروغِر