الاتحاد

ثقافة

بسبب قوى ما بعد العالم الصناعى.. موت الأدب!

بسبب قوى ما بعد العالم الصناعى.. موت الأدب!

بسبب قوى ما بعد العالم الصناعى.. موت الأدب!

ترجمة واعداد: أمين صالح

تم تحديد أو تعريف الرواية بشكل جيد مع حلول القرن التاسع عشر، لكن في القرن العشرين بدأ العديد من الكتّاب في التمرد ضد البنى التقليدية المفروضة من قِبل هذا الشكل. رد الفعل هذا ضد الرواية أدى ببعض المنظّرين في الأدب إلى استجواب دور ووظيفة الرواية، بل وحتى التنبؤ بموتها.
من أوائل من طرحوا مسألة «موت الرواية» نجد الناقد والمفكر الإسباني «خوسيه أورتيجا إي جاسيت» الذي كتب عن أفول الرواية في 1925، وفالتر بنجامين الذي كتب مقالة عن أزمة الرواية في 1930.
في الخمسينيات والستينيات انضم نقاد وكتّاب آخرون إلى المشاركة في الجدل حول مصير الرواية وضرورتها، مثل: رولان بارت، جور فيدال، جون بارث. في العام 1969 كتب رونالد سوكنيك عن موت الرواية. وقبله، في العام 1954، حاول ولفجانغ كيسر أن يبرهن بأن موت الراوي سوف يفضي إلى موت الرواية، لكن هذا الرأي جوبه بالارتياب والدحض. في غضون ذلك، كان ألان روب جرييه يرجّح أن تصاب الرواية بالضمور، وتموت كشكل أدبي، إذا هي لم تتجاوز بنى القرن التاسع عشر.. هذا التحذير قاد روب جرييه إلى المساهمة في خلق الرواية الجديدة.
في السبعينيات تنبأ توم وولف بأن الكتابة الصحفية الجديدة سوف تزيح الرواية وتحل محلها. أما الإيطالي إيتالو كالفينو فقد أدار سؤال «هل ماتت الرواية؟» إلى سؤال مختلف: «هل بالإمكان رواية القصص التي هي ليست روايات؟».
إن القلق بشأن اختفاء الكتاب، إضافة إلى الرواية، كان شائعاً طوال سنوات القرن العشرين.
في ما يتعلق بالأسباب التي أدت إلى طرح هذه القضية، يربط روبرت بيبين «موت الرواية» ببروز العدمية في الثقافة الأوروبية. وهناك من ناقش فكرة موت الرواية بوصفها صورة مصغرة لجدال أوسع يتصل بموت الكتاب نفسه، نتيجة الانتقال من مرحلة الطباعة إلى عصر المعلومات. إن التحول التكنولوجي غالباً ما يعيّن كسبب محتمل رئيسي. القص الأدبي كان يحتل مكانة مركزية بارزة في العالم الثقافي، لكنه لم يعد كذلك في العصر الرقمي (الديجيتال). هناك رواج متسارع لثقافة الإنترنت. طباعة الكتب في حالة تناقص، المكتبات تغلق أبوابها تدريجياً، المكتبات العامة بالكاد تجد رواداً وقراءً، صحف عديدة تتعرض للحجب. المعايير التعليمية والتربوية تزداد تخلفاً.
في العام 2003 صرّح ديفيد فوستر والاس بأن «في كل سنة تواجه الثقافة عداءً أكثر فأكثر، وتواجه صعوبة متزايدة في مطالبة الناس بالقراءة». وفي العام 2009 أعلن الروائي فيليب روث تشاؤمه بشأن القراء، وأكّد أن في ظرف 25 سنة سوف لن يوجد أي قارئ للرواية.
عبر عقود عديدة مرّ الأدب باستجواب جذري حول قيمه التقليدية وأهميته بالنسبة للبشرية. في كتابه «موت الأدب» (1992) حلل الناقد ألفين كيرنان العوامل التي ساهمت في أفول الأدب، وطرح تساؤلاته بشأن إمكانية استعادة الأدب لحيويته ونشاطه وقدرته على النماء ضمن الظروف والأوضاع المتغيرة التي مرّت بالثقافة في أواخر القرن العشرين، بحيث ينسجم على نحو إيجابي مع الروح الجديدة للعصر، ويجد لنفسه مكاناً ذا أهمية بالنسبة للفرد والمجتمع ككل.
إنه ينسب موت الأدب إلى قوى فعالة، واسعة السلطة، في العالم ما بعد الصناعي.. على نحو بيّن أكثر، مع الثورة التكنولوجية التي سرعان ما حوّلت صناعة الطباعة إلى ثقافة إليكترونية، مستبدلة سلطة الكلمة المكتوبة بسلطة شاشات التلفزيون والفيلم والكومبيوتر.
أيضاً من بين الأسباب التي يشير إليها ألفين كيرنان، الدور الذي لعبه النقد الأدبي في تقويض الأدب التقليدي، وتأكيده على عقم هذا الأدب وخلوه من المعنى.

الأدب الذاهب نحو الاختفاء
في ما يلي ترجمة لمقالة أندرو جاليكس بعنوان «موت الأدب» (نشر في جريدة The Guardian، 10 يناير 2012)
«لقد جئنا متأخرين أكثر مما ينبغي لقول أشياء لم يسبق لها أن قيلت لكنها قيلت في السابق».. هكذا صرّح في أسى المفكر الفرنسي جان دي لا بروير في نهاية القرن السابع عشر.
ماسيدونيو فرنانديز (1874 - 1952) روائي، شاعر، صحفي، فيلسوف ساخر أرجنتيني. تخيّل في إحدى قصصه لحظة الخلق. لحظة التكوين. وكيف انطلق فجأة صوت في البريّة، منتهكاً الصمت الأزلي في فضاء لانهائي مخيف، ومنتهكاً أيضاً عملية الخلق ذاتها. قال الصوت: «لا جديد هنا. كل ما يكتب هنا كُتب من قبل، كل ما يقال هنا قيل من قبل، وكل ما يُنجز هنا أنجز من قبل». في البدء كانت الكلمة.. لكن قبلها كان هناك دوماً كلمات.
في كتابه الأكثر تأثيراً «قلق التأثير» (1973) يكشف الناقد الأميركي هارولد بلوم أن أعظم الشعراء الرومانتيكيين أخطأوا في قراءة أسلافهم اللامعين «لكي يصفو الفضاء التخيلي لهم وحدهم». رمز الأب الأدبي تعرض للقتل، مجازياً، من خلال عملية «سوء فهم شعري». الشاعر إليوت كان قد سبق له التعبير عن فكرة مماثلة في العام 1920، عندما أعلن أن «الشعراء غير الناضجين يقلّدون، الشعراء الناضجون يسرقون، الشعراء السيئون يشوهون ما يسلبونه، والشعراء البارعون يحولون ما يأخذونه إلى شيء أفضل، أو على الأقل، إلى شيء مختلف».
خورخي لويس بورخيس كان على الطول الموجي ذاته (لكن على الطرف الآخر من الاتصال) حين ادعى أن «كل كاتب يخلق نذيره».
وفقاً لهارولد بلوم، هذا الشعور بالحالة «الثانوية» ليس ظاهرة رومانتيكية على وجه التخصيص، بل بالأحرى المحرّك الفعلي للتاريخ الأدبي. عبر القرون، كان الأدب على الدوام حواراً متبادلاً، ثنائي الاتجاه، بين الماضي والحاضر. الماضي يعيش في الحاضر، والحاضر يسلّط ضوءاً جديداً على الماضي.
بحسب الكاتب والناقد جورج شتاينر، في كتابه «الانسحاب من الكلمة» (1961)، فإن بزوغ الرواية كان متعاصراً مع نشوء الأزمة اللغوية. بعد القرن السابع عشر، بعد الشاعر الإنجليزي جون ميلتون، «عالم اللغة» كفّ عن القيام بأغلب ما كان يدعى «التجربة والواقع».
الرياضيات أصبحت، على نحو متزايد، غير قابلة للترجمة إلى كلمات. الرسم المنتمي إلى ما بعد الانطباع، بطريقة مماثلة، أيضاً فلت من الصياغة اللفظية. علم اللغة والفلسفة ركّزا الانتباه إلى حقيقة أن الكلمات تشير إلى كلمات أخرى. الاقتراح الختامي في كتاب الفيلسوف النمساوي لودفيغ فتجنشتين Tractatus (1921) يدلي بشهادة عن تجاوز ما لا يصح ذكره ولا يمكن قوله: «عمّ لا يستطيع المرء الكلام عنه، يتوجب عليه أن يلتزم الصمت».
وأشار كافكا إلى احتمال أن يتمكّن الأفراد من الإفلات والنجاة من غناء السيرانات، لكن ليس من صمتهن. (والسيرانات كائنات بحرية أسطورية، عند الإغريق، كانت تسحر الملاحين بغنائها الجميل وتغويهم بالاقتراب منها حتى تهلكهم).
هارولد بلوم كان محقاً. التأخر عن الوقت المعتاد ليس مجرد حالة تاريخية. برغم كل شيء، كان ذلك إحدى الثيمات البارزة في دون كيخوته. مع ذلك، وكما يشير الروائي البريطاني جابرييل جوسيبوفيشي في كتابه «ما الذي حدث للحداثة؟» (2010): «هذا الإحساس، بطريقة أو بأخرى، بالوصول متأخرين أكثر مما ينبغي، بفقدان، وإلى الأبد، شيء كان ذات مرّة ملكية عامة، هو الهم الرومانتيكي الرئيسي».
تماماً مثلما أشار الشاعر والفيلسوف الألماني فريدريك شيلر إلى أن «التحرر من وهْم العالم» أصبح جلياً أكثر من أي وقت مضى، وأن شرعية الكاتب، في زمن شهد غياب الآلهة وصمت السيرانات، بدت اعتباطية، فإن ضعف الثقة بطاقات اللغة وسلطتها أدى إلى النظر إلى الأدب بوصفه «المطلق».
في بداية العام 1758، تساءل الكاتب والرسام الإنجليزي صامويل ريتشاردسون عما إذا كانت الرواية نوعاً قابلاً للاستمرار والرسوخ، أم مجرد «موضة» أو ولع يستحوذ على الناس فترة قصيرة، وأن زمنها قد بدأ ينفد وينتهي. ومع حلول القرن العشرين بدت الصورة أكثر حلكة وقتامة. الفيلسوف الألماني ثيودور أدورنو أعلن بأن الشعر سوف لن يكون له وجود بعد أوشفيتز (معسكر الاعتقال النازي في بولندا). وفي العام 1959 صرّح الكاتب والرسام الكندي بريون جيسن بأن الرواية تتوانى وتتخلّف خمسين عاماً خلف الرسم. وفي بداية الستينيات، هاجم الروائي الفرنسي ألان روب جرييه عملية تحنيط الرواية في قالب ينتمي إلى القرن التاسع عشر. وفي 1967 نشر الروائي الأميركي جون بارث كتابه «أدب الاستنزاف» والذي فيه تحدث عن حالة الإنهاك التي أصابت أشكالاً معينة، وحالة الاستنزاف التي اعترت احتمالات معينة. كما أعلن موت الرواية. وفي العام نفسه (1967) قام الكاتب الأميركي جور فيدال بتشريح الرواية وتوصل إلى نتيجة أن الرواية تعاني آلام الاحتضار.

إعادة المزج
إن موت الأدب، والعالم كما نعرفه، صار موضوعاً متداولاً في أوساط الأكاديميين في السنوات الأولى من التسعينيات. هؤلاء الأكاديميون يرون بأن أقسام الدراسات الأدبية قد تم اختطافها من قِبل الدراسات الثقافية والسياسية.
منذ ذلك الحين، حدث شيئان. الرواية - التي كان من المفترض لها أن تدمج الشعر والفلسفة، وأن تصنف تحت مبدأ عام كل الأنواع الأدبية والفنية الأخرى، بل حتى الكون كله (حسب مفهوم مالارميه عن الكتاب المقدّس، أو حلم بورخيس بالحرية الشاملة) - تم اختزالها إلى «نص أدبي»: النوع الأدبي الذي يباشر العمل في الكتابة كما لو أن القرن العشرين لم يحدث أبداً ولم يمرّ بعد.
في الوقت نفسه، العصر الرقمي (الديجيتال) أخذ الحمل الزائد من المعلومات إلى مستوى جديد كامل. نتيجة لذلك، يعتقد الكاتب الأميركي ديفيد شيلدز، في كتابه «جوع الواقع» (2010)، أن الرواية لم تعد مجهّزة لأن تعكس حيوية الحياة الحديثة وتعقيداتها. أما كينيث جولدسميث، الشاعر الذي أسس في العام 1996 موقعاً أدبياً وفنياً عجيباً ورائعاً على الإنترنت، فإنه يحثنا (في كتابه «الكتابة غير الخلاقة» 2011) على أن نتوقف عن الكتابة تماماً من أجل التركيز على إعادة توحيد النصوص المتراكمة عبر القرون.
بإمكاننا جميعاً أن نكون الآن بارعين في إعادة المزج، لكن ماذا لو (كما تساءل لويس كارول) كانت تراكيب الكلمة محدودة، وقد استخدمناها كلها مراراً وتكراراً؟
وفقاً لجورج شتاينر، نحن في المحطة الأخيرة، نحن القادمون متأخرين. لم تعد لدينا بدايات. بالنسبة لنا، اللغة صارت رثة وبالية من فرط الاستعمال لمدة طويلة. إن حس الاكتشاف، والاكتساب الوافر، الذي أظهره كتّاب أثناء العهد التيودوري والإليزابيثي والجاكوبي، كل هذا لم يُسترد ثانيةً وبشكل كامل.
في عشية الأهوال التي لا وصف لها، والتي أحدثتها الحرب العالمية الثانية، شعر أدورنو بأن كل ما تُرك لنا، كل ما ورثناه، مجرد «جثة كلمات، سراب كلمات». اللغة تعرضت للتشوّه والإفساد، تلوثت على نحو يتعذر إصلاحها أو تغييرها بفعل «استعمال القبيلة».. على حد تعبير مالارميه. ربما لم يعد ممكناً لنا أن نتبع نصيحة إزرا باوند لجعل اللغة جديدة.
«حتى الأصالة نفسها لم تعد قادرة على إدهاشنا».. هكذا كتب الروائي البريطاني لارس آير في مقالة لافتة للنظر. وفقاً لآير، نحن نعيش في عصر لا سابق له من الكلمات، لكنه العصر الذي فيه المؤلفون المهمون قد تراجعوا وأفسحوا مجالاً لجيش من القابعين خلف أجهزة الكومبيوتر. الأدب لا يبقى على قيد الحياة إلا كمادة من الخيال الأدبي: محاكاة ساخرة لأشكال مضت، حركة إيمائية تعبّر عن نفسها.
في كتابه «أدب الاستنزاف» تخيّل جون بارث كيف أن نهاية الأدب، بوصفه شكلاً فنياً رئيسياً، يمكن أن يصبح مادةً لأعمال مستقبلية. بينما يرى لارس آير أننا لم نعد نكتب استنتاج الأدب بل خاتمته. «أدبنا هو الأدب الذي يأتي بعد الأدب». في حين يعتري الشعراء الرومانتيكيين، حسب هارولد بلوم، شعور بالتأخر بالمقارنة مع أسلافهم، فإن لارس آير يشعر بأننا جئنا متأخرين جداً إلى الأدب. بالتالي فإن الأدب اليوم لم يعد «الشيء نفسه لكنه عن الشيء الذي تلاشى».
نظراً لأن لارس آير نشر كتابين عن أعمال موريس بلانشو، فإننا لا نملك إلا تأمل إجابة المبدع الفرنسي بلانشو على سؤال وجّه إليه مفاده: «إلى أين يمضي الأدب؟» فيرد بلانشو قائلاً: «الأدب ذاهب نحو نفسه، نحو جوهره، والذي هو الاختفاء».
ربما «الشيء نفسه» كان منذ البدء عن «الشيء الذي يزول».

 

 

اقرأ أيضا

«كلمة» للترجمة يصدر «الموضوعية» لستيفِن غاوكروغِر