الاتحاد

ثقافة

مارسيل دوشان «آلة تحطيم» للموروث.. الأب الروحي للفن المعاصر

مارسيل دوشان وعمله الفني العجلة (الصور أرشيفية)

مارسيل دوشان وعمله الفني العجلة (الصور أرشيفية)

عز الدين بوركة

وُلد مارسيل دوشان Marcel Duchamp سنة 1887 بمدينة بلانفيل Blainville الفرنسية، في أسرة متوسطة من أب موثّق، كان لمرسيل خمسة إخوة، من بينهم ثلاثة فنانين (جاك فيون J. Villon، مصور صباغي artiste peintre، ودوشان فيون D. Villon، نحات، وسوزان دوشان Suzanne Duchamp، مصورة صباغية…). اشتغل مارسيل دوشان في بداياته، عاملاً في إحدى المكتبات لربح لقمة العيش، قبل أن يشتغل كأحد رسامي جريدة Courrier Français ما بين سنتي 1908 و1910، إذ سيعمد إلى إعادة رسم مجموعة من أعمال الفنانين الانطباعيين، ما سيجعله يصقل مهارته وأدواته الصباغية، وسنة 1911 ستظهر عبقريته الشخصية، خاصة في عمله الموسوم بـ «عن أخت صغرى»، سيفك دوشان ارتباطه بشكل نهائي مع الأشكال، ابتداء منذ سنة 1912، حيث سيبدع أشهر أعماله في تلك الفترة، والتي عَنْوَنَها بـ «العاري الذي يهبط أدراجاً»، سيعرض هذا العامل الفني الشهير في فبراير من سنة 1913 بنيويورك بالمعرض العالمي للفن الحديث Armory Show، فكانت هذه هي نقطة الانعطاف في مسار هذا الفنان، إذ شكل هذا العمل نوعاً من النفور من الشكل، ما جعل البعض من النقاد ينتقده بشدة، لما شكله العمل من ملمح جديد غير معهود، ما سيجعل من مرسيل دوشان رفقة سارا برنهاردت S. Bernhardt ونابليون، من الأسماء الفرنسية الأكثر تمثلاً في ذهنية الطبقة المتوسطة الأميركية، خاصة بنيويورك، حيث إنه سيتم وصف تلك اللوحة المعروضة في نيويورك بـ «انفجار في بيت من قرميد»، إذ تمثل خمسة مسارات إنسانية متداخلة ومتتابعة، ستتلاحق على مكتبه، منذ ذاك مجموعة من العقود، إلا أن إجابته كانت دائماً: «لا، شكراً أفضل أن أظل حراً».
سيربح دوشان قوت عيشه من اشتغاله مدرساً للفرنسية بمبلغ دولارين للحصة، لمجموعة من الفنانين بمدينة نيويورك، وحتى للناس العاديين، سيتعرف على فرونسيس بيكابيا F. Picabia، في تلك المرحلة، إذ سيُلهم أحدهما الآخر، وسيصران من أبرز ملهمي الحركة الدادئية، قبل أن ينعطف إلى عوالم غير مسبوقة السبر والإبحار فيها، باحثاً عن أساليب جديدة للإبداع والخلق الفني، حيث إنه سيعلن مع عمله الفني «النافورة» انعطافه الحاد عن التصوير الصباغي، متخذاً من الأشياء التي يجمعه أو يقتنيها «أعمالاً فنية» غير مسبوقة ومستفزة ومتهكمة، وهذه هي صفة مجمل أعماله التي سيتم تصنيفها فيما بعد، ضمن خانة «الفن المعاصر» أو فن ما بعد الحداثة، وهي الأولى من نوعها.

أثر مارسيل دوشان
من إحدى أهم أقوال مارسيل دوشان (1887-1968) قولته المعروفة: «كل عمل فني لا يصدمنا لا يستدعي اهتمامنا به»، هذه المقولة تلخص المسعى الفني الذي انتهجه هذا الفنان المتمرد، وذلك لسبر أغوار الفن وتجاوز الحدود واختراق القواعد والإتيان باللامفكر فيه في عالم الفن، فقد اشتغل دوشان كـ«آلة تحطيم» لكل الموروث الفني السابق، فمروره من التعبيرية إلى الدادئية وصولاً إلى اختراق أبواب الفن المعاصر بـ (النافورة 1917) و«عجلته الدوارة»
و«حامل القناني»... وباقي أعماله المنتمية لفن جاهز- صنع Ready-made، كل هذا العبور جعل منه «أباً روحياً» للفن المعاصر.
بعد مرور أزيد من 50 سنة من وفاته، لا يزال مارسيل دوشان ملهماً وصاحب أثر كبير على مآلات الفن المعاصر بكل اتجاهاته، وخاصةً بفعل ابتكاره لجاهز- صنع، هذا التوجه الذي قلبَ كل «قيّم» الفن المتعارف عليها كلاسيكياً وحداثياً، فلم يعد العمل الفني صنيع يد الفنان، إذ فقدَ الأثر الفني هالته على حد تعبير والتر بنيامين، ولم يعد هناك أصالة وفرادة في العمل، فكل شيء قابل أن يكون عملاً فنياً، واللاشيء، على حد تعبير دوشان، هو أيضاً عمل فني، إذ استحوذت الفكرة على مكانة المادة الصانعة للعمل، ما سينتج عنه ميلاد الفن المفاهيمي الذي يعد أحد الاتجاهات الأهم في فنون ما بعد الحداثة (المعاصرة).
وإن كانت أولى بدايات هذا الفنان مع فن الرسم فسرعان ما سيتخلى عنه، إذ توصل إلى كون فن الرسم قد بلغ أقصاه، وما على الفنان سوى البحث عن أساليب وأدوات جديدة للتعبير، أساليب تخترق اللوحة والأبعاد الثنائية، التي ظلت مفروضة على الفنان للتعبير عما يراه، وعما يرغب في قوله، لهذا يعد دوشان «فناناً استفزازياً»، حيث إنه سعى إلى استدراج مواد غير مألوفة في تاريخ الفن وغير متوقعة، وهذا كان سبباً في ألا تلقي «نافورته» (المنتمية لفن جاهز-صنع) عند عرضها أول مرة سنة 1917، أي اهتمام يذكر، إذ تم رفضها من قبل منظمي معرض جمعية الفنانين المستقلين في نيويورك، وستظل منسية إلى أن يتم عرض نسخة عنها موقعة بنفس التوقيع (ريتشارد موت R. Mutt) في سنوات الستينيات. مع هذا الحدث سنقف أمام زحزحة كبرى لمفهوم العمل الفني، إذ كما يذهب إليه الفيلسوف والتر بنيامين في كتابه «العمل الفني في عصر إعادة إنتاجه التقني»، حيث يرى بأن العمل الفني بفعل ولوجه لعالم التقنية بات خاضعاً لعملية التكرار التي تفقده أصلته وفرادته، وتجعل منه قابلاً لإعادة الإنتاج، ما يلغي فكرة النسخة الوحيدة والأصيلة، وتصير كل النسخ عملاً فنياً قائماً بذاته، وهو عينه ما قام به دوشان بعرضه النسخة المعدلة عن «النافورة».

ابتكار فن جاهز- صنع
سعى مارسيل دوشان، بابتكاره لفن جاهز- صنع أن يتجاوز كل القيود التي رأى أنها تؤطر وتكبّل الفنان داخل أبعاد ثنائية، أي داخل اللوحة التي لم تعد تُسعفه للتعبير عما يريد قوله، ولم يكن رَفْضُ عمله الفني «النافورة»، هو أول رفض يلاقيه، بل عرفت لوحته الشهير «العاري الذي يهبط أدراجاً» نقداً لاذعاً، كما سبق ورأينا، وهو ما قاده إلى البحث عن أساليب أكثر استفزازاً وسخرية من عالم الفن.
يمكن أن نعرّف فن جاهز-صنع، بأنه فن الشيء الجاهز للعرض، الشيء المُعدّ سابقاً بلا تدخل من الفنان، هذا الأخير الذي كل ما يقوم به هو سوى وضع «الشيء» في سياق معين ليكتسي بعداً فنياً، فكل شيء إذن صالح أن يكون عملاً فنياً، يكاد يرتبط هذا التوجه بفن النحت إلا أن هذا الأخير لديه علاقة وطيدة بيد الفن والفكرة المسبقة في ذهنه، إلا أن فن جاهز- صنع هو فن استحضار الشيء المصنوع بلا أيد تدخل يذكر، فالشيء الفني يوجد في كل مكان، حتى في الأشياء «القبيحة»، بالتالي تجاوز الفن المعاصر الفن الحديث، بالانتصار للفكرة، والمفهوم على الشكل والأسلوب، إذ يأخذ المفهوم حيز الحضور الفيزيائي في العمل، وصار الفعل الفني أكثر استفزازاً وتهكماً... ما سيقود إلى ميلاد تيارات فنية أمثال الحدوثية والبرفورمانس وفن الجسد.
سيؤثر فن جاهز-صنع على الفن المعاصر بشكل كبير، إذ انبثق منه فن الأعمال المنفلتة والزائلة والعابرة والمتلاشية Ephémère، تلك الأعمال التي تعرض في زمن معين فقط، وتتلاشى مع الوقت أو لا يعاد عرضها، كما وقد أثر على جميع الأجناس الفنية السابقة، قالب كل القيم والمفاهيم، فعلى سبيل المثال أنتج الفنان السويسري جون أرميلدر John Armleder ما سماه بـ«منحوتات الأثاث»، مستخدماً أثاثاً جاهزاً من لون أحادي (مونوكروم) مشكل منه بيئة واحدة ومعروضة، عبارة عن عمل جاهز-الصنع ديكوراتي، فيه تختفي الحدود بين الديكور والعمل الفني، وقد عرضه سنة 1987، وبيع بما يقارب 100 ألف يورو، من بين أكثر الفنانين تأثراً بمارسيل دوشان نجد الفنان الأميركي المعاصر جيف كونز Jeff Koons، الذي أنتج أعمالاً عدة قريباً من طرح «أب الفن المعاصر»، إذ يقول كونز «لقد كان لدوشان تأثير كبير علي، فقد علمني أن أستفيد من بيئتي، كل شيء موجود بالفعل، الأمر متروك للفنان لإعادة ترتيب الأشياء، لتجميعها كمركب كيميائي جديد». مضيفاً: «حينما كنت في سنوات التعليم الإعدادي، كنتُ مهتما بالدادا والسريالية، لكن اهتمامي بفن جاهز-صنع حررني من أيقوناتغرافيا شخصية لأتوجه نحو أيقونوغرفيا جماهيرية، بل كونية».... ففن جاهز-صنع هو فن الجماهير الواسعة، فن اللانخبة.

علة العمل الفني المعاصر
بالتالي وعبر أعماله، قادنا مارسيل دوشان إلى التفكير في مفهوم الفن، والجمال، عبر أعمال منتمية إلى الفن المفاهيمي: بوب أرت، فلوكسوس Fluxus، الحدوثية Happening، وكما إعادة التفكير في الممارسات الفنية، وعملية الخلق الفني التي ظلت مقدسة كلاسيكياً وحتى حداثياً، ما سيؤثر بشكل كبير على مجموعة من الفنانين الذين عاصروه، والذين جاءوا من بعده...
فحسب دوشان، فالفنان ليس حِرَفياً مطلوب منه معرفة مزج الألوان، وتعلم تقنيات يكررها على الدوام، وتعلم الرسم وأبعاده والمنظورية والتمثيل... هذه الأفكار التي كانت تحدد عملية الإبداع والابتكار الفني، إذ إن هذه الأفكار ظلت حاضرة في عالم الفن منذ عصر النهضة مع الرسامين الذين رفعوا التصوير الصباغي إلى مرتبة الفنون الحرة، أمثال دافينتشي الذي يقول بأن الفن هو«علة ذهنية»، بالمقابل فدوشان لا يرى أية علة للعمل الفني، فهذا الأخير يلد نفسه بنفسه، ويعيش بنفسه على نفسه، فالعمل الفني علة نفسه.
مع اختفاء علة العمل الفني، كما كان متعارفاً عليها، وإزاحة قدسية الفنان أمام العمل الفني، احتل المتلقي الفراغ الذي تركه الفنان، إذ كما يقول دوشان «المشاهد هو الذي يصنع العمل»، فليس هناك عمل فني إلا إن نظر إليه المتلقي على أنه كذلك، بل إن المعنى لم يعد يصنعه الفنان، إذ بات المتلقي يلقي به من الخارج على العمل، فالمعنى لم يعد ينبعث من الأثر الفني، بل إنه قادم من خارجه، ما يجعل عملية التأويل متعددة ولانهائية، لأن كل متلقي يأتي بخلفيته التي لا يمكن أن تكون مشابهة لأي متلق آخر.
لم يعد إذن، العمل الفني مرتبطاً بأي معرفة تقنية، إذ صار متعلقاً بما يثيره: الأثر الاستفزاز الذي يتركه في ذهن ونفسية المتلقي، حتى وإن لم يكن يحمل أية رسالة مباشرة، فأي غرض بات بإمكانيه أن يغدو عملاً فنياً، إن قرر الفنان أن يجعل منه ذلك، عارضاً إياها في أماكن العرض الفنية أو خارجها... فالفنان وحتى مؤسسات العرض (المتاحف نموذجاً)، لديها هذه السلطة: سلطة تسمية الأشياء على أنها أعمال فنية.
لقد انفلت العمل الفني من سلطة الأسلوب وسلطة المهارة، وبات خاضعاً لسلطة النظر والتسمية، المتلقي والمؤسسة معاً... ولم يعد المعنى نابعاً منه، بل إنه يقبع خارجها وما على المتلقي سوى استدراجه إليه... فالعمل الفني شبيه بالواقع، كما يذهب نيتشه، وكل فرد يأتي بالمعنى الذي يرغبه ويلقيه عليه.

اقرأ أيضا

«كلمة» للترجمة يصدر «الموضوعية» لستيفِن غاوكروغِر