الاتحاد

ثقافة

نفحات من صوفية رائد الهايكو.. باشو مبتكر الكائنات الشعرية

تمثال باشو (أرشيفية)

تمثال باشو (أرشيفية)

علي كنعان

المحبة أهم قيمة إنسانية في الحياة. ولعل الأصدقاء يعذرون (فتى) تخطّى الثمانين من عمره، إذا بادر إلى الاعتراف بأنه عاشق، مسكون بمحبة اليابان.. بلغتها وفنونها وآدابها وأساطيرها، وحتى الأمهات الرائعات من سيداتها اللواتي قاربن المئة أو تجاوزنها، من دون أن يفقدن البسمة الدافئة والتحية الحميمة المقرونة بانحناءة لطيفة محسوبة بدقة إلكترونية مفعمة بالطيبة والحنان. وفي هذا المجال، لن أنسى أسطورة الأم العظمى «أماتيراسو-أوميكامي» ربة الإشراق السماوي التي أرسلت حفيدها «نينيغي» ليعمر الأرض، بدءا من اليابان التي تشكلت من قطرات سيفه المغموس بالمحيط الكوني، كما أذكر بخالص المودة والاحترام أولئك المنارات من المدرسات في معاهد اللغة اليابانية وآدابها. والشعر هو خير ما أستفتح به مقالتي هذه.
إن قصيدة ال«هايكو» تعد من أجمل الخطرات الشعرية، ذات المسحة الصوفية (صوفية الزِّن البوذية) تحديداً، وهي مؤلفة من 17 مقطعاً، وهم يكتبونها غالبا بسطر واحد، وإن آثروا الإيضاح أحيانا وضعوها في ثلاثة أسطر، وفق مقاطعها: (5-7-5). ومن أصعب شروطها أن تتضمن القصيدة قرينة تدل على الفصل الذي كتبت فيه. والضفدع هنا في «البركة العتيقة» هو الكلمة الدالة على الربيع أو أوائل الصيف، وهذه من أشهر قصائد ماتسو باشو:
يا لها من بركة عتيقة!
ضفدع يقفز فيها
صوت الماء.
يوم سمعت هذه القصيدة ودونوا كلماتها (الهيروغليفية) على اللوح، لم أتمالك نفسي من التساؤل باستغراب: «أهذه قصيدة، فعلا؟! إنها مؤلفة من ست كلمات، إلى جانب أدوات العطف والجر والإضافة، إنها ليست أكثر من بيت في الشعر العربي!»
لكنهم حين استفاضوا بالشرح، على اختلاف دلالاتها وإيحاءاتها، تبيَّنت أنها ليست بركة عادية موحلة ومسكونة بالضفادع في أحد الحقول، لكنها قد تكون هذا الكون القديم، وأن الضفدع الذي قفز فيها قد يرمز إلى الإنسان أو أي كائن آخر، وأن حياته في مقياس الزمن السرمدي لا تعادل أكثر من قفزة ذلك الكائن الصغير في الماء، ولن يبقى من ذكراه إلا ما يشبه صوت ارتطام الضفدع بالماء. وأشار أحدهم إلى أن الشطر الأخير «صوت الماء» يعطينا دلالات أخرى إذا فكرنا في «ماء الصوت»! وسألت من جديد: «كيف؟» فأجاب: ألا يختلف لين الصوت في ماء البركة أو الجدول أو الحمام عن قسوته في الموج العاتي والشلال الهادر والصواعق المطرية، مثلا؟ وهنا ندخل في فضاء الصوفية وشاعرها الكبير.
إن ما تسو باشو شاعر ياباني رائد في إبداع قصيدة الهايكو، أجمل وأعذب خطرات وجدانية في الشعر التأملي، معجونة بشطحات صوفية كونية، لكنها محكومة بصبغة الصوفية البوذية، وصوفية الزِّنْ هي السمة الغالبة. إن مكانة باشو في العصر الحاضر، وفي التراث الياباني، توازي مكانة المتنبي في الذاكرة العربية، وغوته وطاغور ولوركا لدى كل من الألمان والهنود والإسبان، وربما أعظم، انطلاقا من خصائص قصيدة الهايكو، بدءا من ارتباطها بالوجد الصوفي، وليس انتهاء بكثافتها المدهشة وبنيتها التعبيرية والإيقاعية الفريدة، وتجليات روح الطبيعة وأجمل كائناتها مبثوثة في مقاطعها.
والشاعر يمتاز بلغة مبتكرة خاصة به، رقة ونسيجاً وصوراً فنية جمالية، لا يرقى إلى فضاء عليائه في إبداع مثيل لها أي شاعر آخر. والطبيعة اليابانية، بدءا من الجبال- حرم الآلهة في تراثهم الأسطوري والديني- ومرورا بسائر الملامح الأخرى من أنهار وغابات وصخور وأشجار وأزاهير، وصولا إلى الطيور والأسماك وسائر الكائنات، هي الأم الملهمة لكل قصيدة. فالخريف والبحر والأنهار والليل والقمر، وأشجار الكرز والصنوبر والأرز، والأزاهير والأعشاب النضرة أو الذاوية، والسحاب والريح والمطر والثلج والندى، إلى جانب طائر الغرنوق أو الكركي والعندليب والضفدع وزيز الحصاد وما شابه.. هذه المفردات الأثيرة وعشرات غيرها، نراها تنسرب من وجدان الشاعر ليصوغ منها أيقونته الشعرية الرائعة برؤيا خيالية نابعة من أصفى وأندى ما في المشاعر المسكونة بعشق الطبيعة/‏ الأم وجمالها وما تثيره من تجليات وإيحاءات، وبذلك تتحول الكلمات إلى كائنات أثيرية في صور شعرية ساحرة.

محاكاة كاريكاتورية
هناك سمة فريدة يمتاز بها شعر الهايكو الياباني في غالبيته، إذ لا بد لكل قصيدة من عبارة، رمز أو قرينة توحي بالفصل الذي كتبت فيه تلك القصيدة، وهذه القرينة قد تكون زهرة، طائرا، أو حشرة، وقد تكون طفرة موسمية مقترنة بوقت معين من السنة. وهذه السمة المتميزة التي تنفرد بها قصيدة الهايكو اليابانية تجعل من أولئك الشعراء الأدعياء الذين يحاولون كتابة نماذج محلية لمحاكاة الهايكو في عالم الغرب، فضلا عن بلاد العرب، محاكاة كاريكاتورية تستثير الشفقة والرثاء. ربما جاءت بعض ومضاتهم جميلة مكثفة، لكنها ليست هايكو بأي حال، وشتان بين اللغة المقطعية واللغة الأبجدية. وإذا تأملنا في طول المدة التي استغرقتها رحلة باشو نجد أنها تجاوزت شهورا خمسة، دون أن ننسى تلك المسافة الخيالية التي قطعها سيرا على قدميه، إلا في حالات نادرة، وهو في الخامسة والأربعين. وهنا لا بد أن نتساءل عن الهاجس الروحي المؤرق والدافع الوجداني العميق اللذين جعلاه يقوم بهذه المغامرة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الظروف في تلك الفترة (عام 1689) كانت مختلفة اختلافا جذريا عن القرون اللاحقة، سواء من حيث أحوال الدرب الترابي الموعر الذي سلكه، أو الأخطار المحتملة من خارجية عامة كالوحوش وقطاع الطرق والعواصف، أو حالة خاصة طارئة كما في الانزلاق والمرض.. وما شابه.
لن يفوتني هنا أن أشير إلى أن باشو كان من المعجبين بشاعر من القن الثاني عشر، اسمه الكهنوتي سايغيوSaigy. ولذلك قام بهذه الرحلة تحية لذاك الشاعر الصوفي الرائد وإحياء لذكراه، ولا سيما أن تاريخ رحلة باشو يصادف الذكرى المئوية الخامسة لوفاة سايغيو. وإذا تذكرنا أن الشاعر لم يعش بعد هذه الرحلة إلا خمس سنوات، فلا بد أن ندرك أنه كان يستشعر نداء الأبدية، فآثر أن يقوم برحلة الحج هذه ليلتقي بأطياف من سبقوه في استكشاف درب أوكو ومعاناة أيامه ولياليه.
والمدهش في اليابان ألا تصادف أحدا لا يعرف باشو، سواء كان عاملا أو طالبا، مزارعا أو تاجرا، ولو من أقصى أطراف البلاد. وهذا يؤكد لنا أن لا وجود للأمية في مجتمعهم. والسؤال الذي لم أتمكن من معرفته واستجلائه، طوال السنوات الثلاث التي أمضيتها بينهم، كيف تمكنوا من إنجاز تلك الرسالة المعرفية والحضارية الفذة. لكن، ينبغي ألا نستغرب ذلك لدى شعب رفع قيمة العلم والعمل والإبداع إلى أسمى مراتب المقدسات. ونمضي مع الشاعر في هذه الرحلة من محطة إلى أخرى، ونعرج معه على كثير من المعالم ذات الأهمية التاريخية والشعرية والدينية في الذاكرة اليابانية، ونرى أن سرده النثري لا يقل جمالا ورقة وطلاوة عن شعره، دون أن نغفل عن فتنة الصبغة الاستثنائية التي تمتاز بها قصيدة الهايكو، حيث يبذل الشاعر جهداً خارقاً في تكثيف لغته إلى حدودها القصوى، بطريقة مذهلة، حتى كأنه يكتب بلغة خاصة بإبداع قصيدته هذه. إن لغة الشاعر تتخطى المجاز والرمز، ليطفر بها إلى سبحات الوجد الصوفي. وحين نعرف أن في اللغة اليابانية أربعة مستويات من الخطاب، فمن حقنا أن نتخيل أن الهايكو يكتب بمستوى تعبيري خامس، يتخطى لغة خطاب الإمبراطور وابتهالات الكهنة. ولا شك أن معاناة الشاعر باشو في إبداع قصيدته كانت فادحة جدا. ويكفي أن نتذكر أنه لم يكتب سوى بضع وخمسين قصيدة خلال 156 يوما من السفر المضني والتجوال المتواصل، سيرا على قدميه في الغالب. وهو سفر مثقل بالمشقة والضنى لأنه قطع نحو 2450 كيلومترا - كما يذكر الفنان مِيَاتا في كلمته المعبرة عن تجربته الفنية والروحية مع هذه الرحلة.
يستهل باشو رحلته بهذا المقطع الشاعري الجميل:
الشهور والأيام رحَّالة أبدَ الدهر. والسنون، في مجيئها وذَهابها، تواصل سفرها أيضا. وأولئك الذين يهدرون سنوات العمر على متون السفن، أو من يشيخون وهم على صهوات جيادهم.. هم رحالة إلى الأبد، وتظل مساكنهم دائما حيثما يأخذهم الترحال. كثير من كبار السن ماتوا على الدروب. ولكم أثارتني، في السنين الخوالي، رؤية كل سحابة وحيدة تنساب مع الريح، فأهيم في سبحات فكرية من التجوال لا تتوقف...
في عام 1684 انطلق باشو في أولى رحلاته الخمس، وسجل وقائعها بأسلوبه المتميز. لكن نص هذه الرحلة الذي بدأ كتابته في 1689، لم يكن من بين مذكرات رحلاته الخمس هو الأفضل وحسب، إنما يعد أحد النصوص الكلاسيكية العظمى في الأدب الياباني. ومن المعروف أن كل ياباني درس المرحلة الثانوية، كان عليه أن يقرأ مقاطع معينة من هذا العمل. وهناك عشرات النسخ من الشروح التي تساعد المبتدئين على فهم أسلوب باشو الصعب، كما أن هناك ترجمات إلى عديد من اللغات الأوروبية، وبعضها جميل رغم الصعوبة في نقل الخصائص المميزة للشعر الياباني والنثر الشاعري.
هذه قصيدته الأولى في الرحلة:
حتى الكوخ المسقوف بالقش
يمكن أن يؤول إلى مالك جديد
ليكون بيتا للعرائس.
وهي قصيدة بالغة الكثافة في الأصل، وتبدو عسيرة على الفهم أيضا، وليس لنا إلا أن نعجب من بلاغة باشو في اقتصاد اللغة إلى حد الإعجاز. والشاعر كان على وشك أن يغادر المسكن البسيط (كوخ القش) الذي عاش فيه، ثم باعه وأقام في ضيافة صديق استعدادا للترحال. والساكن الجديد رجل له أسرة، وليس وحيدا كسابقه، وطبيعة البيت سوف تتغير وفق مالكيه الجدد، لأنهم سوف يزينونه في اليوم الثالث من مارس/‏ آذار بصف من الدمى (العرائس) الصغيرة، احتفالا بعيد الفتيات Hina matsuri...
لقد انتهيت في أبريل/‏ نيسان الماضي من ترجمة هذه الرحلة، «الدرب الضيق إلى أوكو». وأوكو Oku منطقة جبلية تشير إلى داخل البلاد، في أعماق الشمال الياباني. وكانت في الماضي منطقة موحشة وخطرة فيها حواجز قاسية العبور، وهي معرضة لعصابات الغدر وقطاع الطرق ورجال «الآينو»- سكان الشمال الأصليين. نص الرحلة لا يتجاوز عشرة آلاف كلمة، وهو في حدود خمسين صفحة. لكني أمضيت معها نحو ستة أشهر، لأطلع على المرحلة التاريخية وملامح الطبيعة الجغرافية، في تلك المرحلة. وقد كتبها الشاعر نثرا وشعرا قبل وفاته بخمس سنوات، واستمر في تنقيحها وإعادة النظر في صياغة قصائدها طوال تلك السنوات.

اقرأ أيضا

«كلمة» للترجمة يصدر «الموضوعية» لستيفِن غاوكروغِر