صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

جنى فواز الحسن: الثورة مثل المرأة المطلّقة

جنى فواز الحسن كانت هي المرأة الوحيدة مع خمسة رجال، انتقلوا إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر 2013)، والتي نالها في النهاية الكويتي سعود السنعوسي عن روايته «ساق البامبو». وجنى فواز الحسن، هي الأصغر سناً، والأحدث تجربة بين رفاقها الخمسة. وروايتها «أنا، هي والأخريات» ـ وهي الثانية لها ـ تجمع في أعطافها موضوعات كثيرة تتصل بالكتابة والمرأة، والحالة اللبنانية، ومن هنا يأتي هذا الحوار معها الذي كان في الأصل حوارين منفصلين، جرى استخراج منهما ما يقدم تجربة الكاتبة اللبنانية وروايتها بشكل متكامل.

كثيرون رؤوا في رواية «أنا، هي والأخريات» لجنى فواز الحسن «كتابة رقيقة ورائقة تقطر شاعرية ورفاهة»، لا تقل جمالاً ولا رشاقة أسلوب وحلاوة لغة عن روايات كاتبات التسعينيات التي راجت تحت مسمى «كتابة البنات»، وإن كانت جنى تكتب روايتها في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة، بما تحمله هذه الكتابة من زخم «وجودي» وتباينات نوعية بالضرورة عما سبقها.
الروائية الشابة، استطاعت وخلال فترة قصيرة جداً، منذ احترافها الكتابة، أن تلفت إليها الأنظار، وتثير روايتها الأولى «رغبات محرّمة» اهتماما لافتا مبشرة بكاتبة صاعدة ذات تجربة لها فرادة وخصوصية، ولغة سردية بالغة النعومة والرهافة والرقة.
وفي «أنا، هي والأخريات»، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون، استطاعت جنى أن تزاحم 132 رواية من مختلف دور النشر في العالم العربي، حيث تم ترشيحها للجائزة الأهم والأشهر (البوكر العربية)، لتجد نفسها منافسا قويا لأسماء عتيدة في الكتابة الروائية.
رواية جنى الحسن مسكونة بالرجال والنساء المقهورين، حتى لكأنها تبدو كسيرة روائية تندرج ضمن أدب الاعتراف معرّية المجتمع الذي يخفي خلف الابتسامة دموع الخيبة وقيود العادات المهترئة، فإذا بمصير المرأة متعلّق بطبع زوجها أو والدها. ولأنها رفضت أن تكون مثل كثيرات تحولن إلى مجرد ديكور، أو لوحات معلقة على الحائط يحق لهنّ الإصغاء ولا يحق قطعاً إبداء الرأي، آثرت الكتابة عن الجدار الاجتماعي الذي يحاصر المرأة بقضبان المعتقد: «أنّ المرأة يجب أن تغلّب مصلحتها على عاطفتها لتحفظ مكانتها الاجتماعية». نقلت الحسن حكاية «سحر» التي حوّلتها الحياة إلى إنسانة باطنية، أرادت التمايز عن أمّها التي «ارتدت لباساً زجاجياً يقيها من ذاتها، لكنّ الحياة جعلتها نسخة مكررة عنها. فإذا بها تهرب أولاً إلى المرأة التي تظهر في أوهامها، تلك التي تفيض رغبة وتنازعها على ذاتها. وتهرب ثانية إلى رجل يريدها أن لا تبارح فضاءه المشبع بالكبت والعنف والانهيارات النفسية، وتهرب ثالثة إلى الخيانة، وأخيراً إلى صديقتها «هالة»، النموذج القوي التي اختبرت عنف الحياة ولسعها.
في الحوار التالي تتحدث جنى عن ملامح تجربتها مع الكتابة:
? جنى الحسن الأحدث سناً بين كتاب البوكر لهذا العام، برصيد روايتين حققت من خلالهما نجاحا لافتا، وبرز اسمك كأحد الأصوات الروائية الواعدة.. في إطلالة كاشفة على مغامرتك مع الكتابة.. كيف هي؟
?? رغم أني بدأت محاولات الكتابة منذ سن صغيرة، فتجربتي ما زالت في بواكيرها. الأمر في أوله لم يتعدَّ «الخربشات» في سن المراهقة، وكنت أحلم دوما بأن أكتب روايةً كاملة. أذكر محاولات عديدة لرواية قصّة، ولكن الأمر بدا دوما مخيفا، كأنّك أنت ككاتب ستتحكم بمصائر الشخصيات، الأمر الذي يجعلك تتساءل: ماذا قد يفعلون لو كانوا في عالمنا الواقعي؟ وكيف ستكون النهاية؟
عندما كتبت روايتي الأولى، كنت غرائزية في الكتابة؛ أي انفعالية، في نقل حالة النص، الأمر الذي لم يرضني ككاتبة بعدما انتهيت من العمل، لدرجة أنّي لم أعد أريد إعادة قراءة الرواية، وكرهتها كثيراً. التجربة الأولى في الوقت نفسه علمتني الكثير، أن أكون أكثر هدوءا، وأن أكون على مسافة من النص، وهذا ما أظنني نجحت فيه في «أنا، هي والأخريات»، على الأقل هذا ما أشعر بأنني نجحت فيه على الصعيد الشخصي.
الكتابة الآن بالنسبة لي هي «الغامض»، وأيّ نص قد أكتبه مستقبلا أريد منه أن يكون مفاجأة بالنسبة لي. هذا ما أصبو إليه، أن أتجدّد حتى أعيد اختراع نفسي في كل رواية.

ليست سيرة
? رغم أنك الأصغر سنا بين كتاب القائمة القصيرة، فإن التجربة التي جسدتها الرواية اعتبرها البعض «ناضجة ومكتملة» فيما ربط آخرون بينها وبين سيرتك الذاتية.. ما رأيك في هذا الربط؟
?? أنا لا أجرؤ على كتابة سيرتي الذاتية، أقولها صراحة، ليتني أستطيع! «أنا، هي والأخريات» ليست سيرة أبداً، أنا بعيدة تماما عن النص. لا أقول هذا كنوع من الدفاع أو الاختباء، ولكن فعلا أنا تجربتي مختلفة، قد تكون أفضل أو أسوأ. لا أعرف! بالتأكيد هناك أجزاء تسربت منّي، ولكن في الوقائع «لا». «الأم» مثلا في الرواية لا علاقة لها بأمي، لا من قريب ولا من بعيد.
? بطلة روايتك «سحر» من الشمال اللبناني، في العقد الثالث. هل أنت من الشمال؟ وفي مثل سنّها؟.
?? أنا ابنة الشمال اللبناني، قضيت معظم حياتي هناك في قرية صغيرة في قضاء الكورة والقرية اسمها «بتوراتيج» إلى أن انتقلت إلى بيروت العاصمة منذ حوالي أربع سنوات لتوسيع نطاقي المهني. أنا في العقد الثاني من العمر وتحديداً 28 عاماً ولي تجربة زواج سابقة انتهت منذ خمسة أعوام. وأثمر زواجي الذي انتهى على وفاق واحترام متبادل ابنة في الثامنة من عمرها الآن.
? من أوّل من قرأ روايتك؟
?? أوّل من قرأ الرواية كان بعض الأشخاص الذين شجعوني على الكتابة منذ البداية، بعضهم من وسطي العائلي والبعض الآخر من الوسط المهني أو الأصدقاء.
? هل يشبه عالمك الداخلي عالم رواياتك؟ وهل صاغت طفولتك ناحية مهمة من هويتك ككاتبة؟
?? عالمي الداخلي هو عالم متّسع ومتجدّد ومتغيّر ومتحوّل. أميل أحياناً إلى الانفراد بنفسي بحثاً عن الهدوء وسط صخب الحياة اليومي ولأن الكتابة تحتاج بعضاً من الوحدة. لكن في الحياة العادية، لست شخصية انعزالية ولكن ربما يمكن القول انتقائية في اختيار الأشخاص المقربين مني. أحب الناس كثيراً وأقدّر كل تواصل معهم وأستمتع برفقة ابنتي والأصدقاء والعائلة، كما قد أستمتع برفقة نفسي في كثير من الأوقات سعياً إلى التأمل والتفكير بهدوء.

مسافة رمادية
? ما بين «القراءة» و»الكتابة» مسافة رمادية مبهمة، تتماهى فيها الذات مع موضوعها ليتحدا في ما يشبه حالة من الوجد الصوفي.. هل تؤمنين بهذه العلاقة الملتبسة بين الحالين؟
?? أؤمن بذلك قطعا، وإيماني ينبع من كوني «قارئة» أوّلا، قارئة أيقظت حكايا عديدة في داخلها جوانب مخفية من ذاتها. نحن نعيش في عالم محدود في الزمان والمكان، والكتب تصحبك إلى أماكن أخرى، وترحل بك لتغوص في عمق النفس البشرية.
أنا إنسانة بكت، وقد تبكي مرارا، وهي تقرأ بعض الروايات، هذا تأثير الكتب عليّ، وليس جميعها طبعا، بل ما يلامسني منها في العمق. هناك كتب تدفعك لكي تثورَ، وأخرى لكي تحلم، وهناك حكايا تؤرقك وتجعلك تسائل نفسك عن معنى الحياة وجدواها.
أتحدّث هنا كقارئة، ولكن ككاتبة السؤال عن «الكتابة» موجود في داخلي، وهو مؤرق ومتعب. ما أعرفه هو أن «الكتابة» فعل تحرّر وحريّة، ولهذا ألجأ إليها، وهي فعل صدق ولهذا أحتمي بها من كل أكاذيب الدنيا. ولكن طبعا أسأل نفسي مرارا: ماذا قد تصنع الكلمات ونحن محاطون بالدمار؟ هل تشفينا رواية الصور العالقة في الذاكرة من ترسبات الماضي، من الألم؟ هل تضع حدّاً للخراب؟

المرأة المقهورة
? سحر أصبحت هالة في خاتمة الرواية، ولكن بقي مصيرها مفتوحاً على عدة احتمالات. ما الخطوة التي تحبذين أن تأخذها سحر أولا؟ وهل نجحت في طرد شخصية سحر بعد الانتهاء من كتابة الرواية؟ إلى أي حد سكنتك تلك المرأة المقهورة؟
?? كلنا نشعر بالقهر في إحدى محطات حياتنا، نشعر بأن الحياة غير منصفة ونشعر بالغبن، ونشكك بمعنى وجودنا. كانت لي حصتي من تلك الصراعات ولي حصتي من صراعات أخرى كذلك. سحر سكنتني ليس من خلالي أنا فحسب بل من خلال نساء كثيرات حفرت أوجاعهن في داخلي. لا أريد أن أطرد سحر بل أن أبقيها كجرس إنذار ووسيلة للتعاطف مع أي امرأة تشق طريقها إلى الضوء. سحر وهالة كانتا منذ الأساس احتمالين مكملين لبعضهما. هالة مثّلت الثمن، الثمن الذي تدفعه امرأة عربية أحيانا في صراعها لإيجاد صوت خاص بها. بالنسبة لي على الصعيد الشخصي، أنا مسكونة بالرجال والنساء المقهورين ومسكونة بهواجس كثيرة منها طرد الظلم والحقد والكراهية، ليس لأني مخلّصة أو مبشّرة بالمحبة، ولكن لأني أريد منظومة حياتية أفضل للجميع.
? أطلقت صرخة قهر على لسان الراوية. هل وصول الرواية إلى جائزة البوكر يعني أنها لمست الجرح وبدأ الأدب يؤدي دوره الاجتماعي البنّاء؟
?? الرواية وصلت إلى شريحة كبيرة من الناس ووصلت إليهم، مما يعني أن الصرخة كانت بالنيابة عن الكثير منّا. في طور الكتابة، لا أظن أن الكاتب يفكر بالوظيفة الاجتماعية للأدب، وهذه الوظيفة بالنسبة لي ليست دوره الأساسي. الأدب يفضح ويسلّط الضوء. الحل في يد ذوي السلطات والأفراد.

كتابة البنات
? تكتبين لفهم نفسك أكثر، أم لتصفية الحساب مع واقع حياتي لا يشبه ما في أحلام الصبايا من أمنيات ومواعيد؟
?? أظن تصفية الحساب مع الواقع تتم ليس فقط على ورق بل في هذا الواقع نفسه. أكتب لأكتشف الحياة، لأغوص في عوالم أخرى وشخصيات مختلفة. أكتب للكتابة أولاً، للأبعاد التي تقودنا إليها. الأمر الذي اكتشفته مع الوقت أن الكتابة لا يجب أن تكون شخصانية وانفعالية... لم يكن لي أمنيات ومواعيد بالمعنى الرومانسي والحالم والمبالغ فيه. أحلامي مختلفة نوعاً ما، لا تحدّها النظرية السائدة بأن أحلام الإناث يجب أن تأخذ منحى أحاديا. أحلامي ليست وسيلة هروب من الواقع بل هي بحث عن حياة أفضل في إطار واقعي غير محدود.
? البعض سيناوش «نصك» من منظور التيارات «النسوية الحديثة» أو يدرجه تحت مسمى «كتابة البنات» التي ركزت على معالجة قضايا المرأة وتحررها.. ما تعليقك على هذا اللون من القراءات النصية؟
?? أنا لا أستسيغ هذا المصطلح ولا أرتاح له. «شو يعني كتابة بنات؟!» هذا المصطلح يجتر كل ما تحمله عبارة «نسائية» من تحقير في المجتمع العربي. أنا كتبت عن الشيوعي، اليساري المحبط، ووضعيته مقابل التديّن.. أليست هذه الإشكالية الاجتماعية الأبرز اليوم؟
في ظني، أنه مصطلح عنصري ليُشعر المرأة بأنها أقل شأنا.. «فيرجينيا وولف» مثلا صحيح أنها كتبت عن المرأة وعالجت قضاياها، لكنها وفي الوقت ذاته كانت رائدة في الأدب، بشكل عام. المرأة جزء كبير من المجتمع ولا ضرر في الكتابة عنها.. هناك كُتّاب رجال كتبوا عن المرأة ووصفوا حالتها وصوروا معاناتها أفضل حتى من النساء، ولكن هذا لا يعني أن تجربة الكاتبات تنحصر فقط في هذا الإطار.. روايتي الجديدة سيكون راويها «رجلا».
أنا لست نسوية بهذا الشكل أبدا الذي يمكن أن يفسره البعض من خلال «قراءة رواية»، فليس همي المرأة وحدها، فهناك نساء لا تليق بهن الحرية كما الرجال..
أنا مؤمنة فقط بأن المجتمع يكرّس هذا النوع من العلاقة بين المرأة والرجل ليحكم السيطرة عليهما. و»الثورة» مثل امرأة عربية مطلّقة، أوّل ما تصير حرّة، الكل يريد حصة فيها إلى أن تقوى وتصير قادرة تصدّ من لا تريد أو من يستغلّها.
? على ذكر «وولف» ماذا عن اتصالك بالأدب العالمي وأهم من قرأت لهم أو تأثرت بهم، وشكلوا ركنا رئيسيا في تكوينك المعرفي والجمالي وذائقتك الروائية بشكل عام؟
?? بالطبع أتابع الأدب العالمي جدا، وأعتقد أن الرواية تحديدا «حرفة» لا تكفيها الموهبة فحسب. «الشعر» مختلف ربما يحتمل الكثير من الانفعالات، لكن الرواية تستدعي أن تخلق عالما دقيقا في تفاصيله، وذلك لا يحتاج إلى انفعالات بل إلى «صناعة»، ولكي تصنع هناك مهارات تكتسبها مع الوقت والتمرين، وهذا كله يحتاج إلى الكثير والكثير من القراءات..
? لمن مثـلاً؟ وأيهـم تعتقـدين أنه ترك بصمـات مهمة على كتابتك؟
?? لا أعرف إن كان هناك تأثير واضح.. لكني أحب كتابات مارغريت دوراس، وفيرجينيا وولف، كثيرا.. ماريو فارغاس يوسا وروايته «شيطنات الطفلة الخبيثة» بالنسبة لي هي الرواية الكاملة. الأدب الياباني هاروكي موراكامي تحديدا برواياته المذهلة «كافكا على الشاطئ» و»رقص رقص رقص» و»الغابة النرويجية»» فيه تيار أدبي جديد معاصر وعميق في الوقت نفسه، وطبعاً فيليب روث الأميركي، والإيطالي ألبرتو مورافيا، خاصة عمله الشهير «السأم».

الجائزة والشهرة
? لو حالفك الحظ وفزت بجائزة (البوكر)، كيف كنت ستنفقين المكافأة المالية التي ستحصلين عليها؟
?? أظنّ أن المكافأة المالية مكافأة نتيجة جهد معيّن... ربما لو كانت جائزة لوتو أو يانصيب لقلنا إنّه يمكن التصرف بها بشكل عبثي. المكافأة تشدني إلى التفكير بالواقع المادي للكتاب العرب الذين لا يستطيعون أن يعتبروا الكتابة مصدر رزق أساسياً وعليهم بالتالي أن يعيشوا حياتين، حياتهم ككتاب وحياتهم كأشخاص عاديين لهم التزامات حياتية ومهنية. المكافأة لن تغيّر شيئاً كبيراً في المعطى المادي لحياتي لكنها ستكون وسيلة للتخفيف من الأعباء اليومية، وقد تعطي مجالا ليكون هناك وقت أكبر لشغفي الأوّل أي الكتابة.
? بعد الشهرة هل تخافين من الوقوع بعارض الورقة البيضاء؟
?? الكتابة منذ البداية لم تكن أمراً سهلاً بل لها رهبة كبيرة. مع أو من دون شهرة، هي تحد فردي أولاً. الخوف عندي هو من التكرار، لذلك أفضل أن أفسح مجالاً بين عمل وآخر، للانتقال إلى محطة مختلفة. لم تفعل بي الشهرة ذلك أبداً لأني إنسانة واقعية وغير ميّالة للانبهار... أميل أكثر إلى بحث عميق عن معنى للوجود. أستمتع طبعاً بالتوسّع والانفتاح على قرّاء جدد، هذا أمر رائع ولكنّه أيضاً محفّز للاستمرار، والاستمرار يتطلب أن يبقى الكاتب واعيا لمتطلبات الكتابة... أعمل حالياً على كتابة رواية جديدة وبالتالي لا أظن أنّ ما قد يعتبر شهرة أو انتشارا قد شلّني. أحاول أن أستخلص الإيجابي من الأمر والابتعاد عن السلبيات.

الرواية اللبنانية
? الإنسان العربي المقهور محور روايتك الأولى، فهل سيكون محور أعمالك الأدبية المقبلة؟ وهل من تصوّر لموضوع عملك الروائي المقبل؟
?? الإنسان ـ أي أنسان ـ سواء كان رجلا أو امرأة، عجوزاً أو شاباً أو طفلاً، سيكون هو محور رواياتي دائماً، علاقاته بأناس آخرين، بالأمكنة... ربما كان العربي المقهور الشخصية الأساسية في روايتي الأولى، ولكن كانت هناك أيضاً نماذج ولو مصغّرة للإنسان المعنّف، رجل الدين الاستغلالي... الشخصيات مفتوحة دائماً على كل الاحتمالات. ونعم، هناك عمل روائي باشرت بكتابته ولم يعد فقط تصوّرا ذهنيا. لا أدري كم سيستغرق الوقت للكتابة ولكن ستكون هناك مفاجأة في مكان ما.
? كيف ترصدين المشهد الروائي في لبنان حاليا؟
?? المشهد اللبناني متخم بالروائيين المهمين حاليا.. حسن داود، محمد أبي سمرا، جبور الدويهي، إلياس خوري، والرواية اللبنانية شهدت غنى مكثّفا في الكتّاب والمواضيع. الجيل الأقدم في لبنان ما زال يفرّغ أهوال الحرب الأهلية والطائفية البغيضة التي استأثرت بالنصيب الأكبر من سرد هؤلاء الكتاب، وهو أمر طبيعي، فذاكرة هذا الجيل من اللبنانيين موصومة بالخراب الذي أنتجته سنوات من الاقتتال المذهبي وحالة التشرّد التي عانى منها المجتمع اللبناني على امتداد أعوام. هناك كتّاب استطاعوا أن يتخطوا الحرب في كتاباتهم، وهذا ما فعله الكاتب رشيد الضعيف في روايات معاصرة عكست الواقع الحالي أكثر مما تعاطت مع الذاكرة، كذلك فعل الروائي اللبناني حسن داود في كتابات غاصت في الداخل الإنساني أكثر من الحيّز الاجتماعي فحسب. وأظنّ أننا في طور التأسيس لمرحلة جديدة من الكتابة، تجلّت قليلا في الشعر الحديث وغزارته في لبنان، بغضّ النظر عن إعجابي بهذه الكتابات أو لا، وهذا ما سينعكس على الرواية أيضا.
بالنسبة لي فلست من جيل الحرب، وبالتالي فنظرتي مختلفة كليا للأمور ورؤيتها كذلك من المسافة الزمنية التي فصلتني عنها وعن جيلي كله، فنحن جيلٌ لم يعش الحرب وبات يريد أن يسمع غير حكاياها، ولهذا قد يرويها هو بقلمه، لاحقا.

الصحافة والأدب
? عملت في الصحافة المكتوبة. هل حدث أن وعدت نفسك بينما كنت تحاورين الروائيات: غداً سأجد لي مكاناً بينكن؟
?? عملي في الصحافة المكتوبة يرتكز على السياسة. عملي الأساسي في صحيفة «الدايلي ستار» الصادرة باللّغة الإنجليزية في إطار التحقيقات والتقارير السياسية والاجتماعية. كانت لي تجارب في الصحافة الثقافية أيضاً وتسنّى لي أن أحاور الكثير من الروائيين والروائيات. والحقيقة أني فعلت ذلك بعدما كنت قد بدأت باتجاهي الروائي، وأظن أن ذلك أعطى منحى آخر للحوارات، متّصلا بالبحث عن جدوى الكتابة وتجربة الكتاب العرب في علاقتهم مع محيطهم وكتاباتهم. عندما كنت أحاور أي كاتب أو كاتبة، كنت أجد متعة كبيرة في الأمر ـ متعة قد تدفعني للسعي إلى محاورة كتاب آخرين ـ والأمر ينبع من حب استطلاع وليس بحثاً عن مكانة ما. حاورت الكثير من السياسيين والأشخاص العاديين في سياق مهنتي أيضاً وكل حوار مع أي شخصية، طويلاً أو عابراً، سواء كانت بائعا متجولاً أو محارباً قديماً أو روائياً أو شاعراً أو سياسياً، أضاف لي أفقاً لمعرفة جديدة.
? تكتبين بنبض الحياة الموجع والآسر معاً. هل الولوج من الصحافة إلى الأدب يخدم في كسر الكلفة بين الكاتب والقارئ وبالتالي «يؤنسن» الشخصيات ويقرّبها من الواقع؟
?? ولجت الصحافة من الأدب وولجت الأدب من الصحافة... الصحافة أعطتني إطارا اجتماعيا أغنى كتاباتي، وبالتالي ساعدتني على التفكير أكثر في بنية الشخصيات الاجتماعية وتأثيرها عليهم.

شعرت بأني صرت قبيحة جداً


كلّما حاولت العودة إلى أي ذكرى محسوسة عن علاقتي بزوجي، بدوت أقرب إلى غرفة مغلقة، موصدة وصعبة الاختراق. ولسبب ما، لطالما كان ظهوره في حياتي مشوّشاً، كأنه صلة اقترنت بها لتكوين وجود مرئي، قريب من الواقع وضرورة للحياة، ولكن غائب كل الغياب عن المحسوس الذي كنت أحيا فيه وحيدة. كان هو الآخر الذي يشكل تجسيداً لرعشة جنسية يمكنني إدراكها، لكنه لم يكن يوماً الرغبة التي حاولت العبور إليها. كان يمدّدني على السرير ويقبّلني بنهم، فأخاله يحاول نهش أكثر كمية ممكنة من جسدي (...). مرات عدة، كنت أشارف على البكاء أناء استلقائه فوقي، وكنت أتمنى لو يتوقف قليلاً ليستطيع تهيئتي بشيء من الحنان، لكنه كان دوماً منهمكاً بكيفية الاستيلاء عليّ. لم يستطع أن يمارس الحب معي ببطء، كأن المسافة الزمنية ما بيننا ستكشف مدى بعدنا وستجعل الواقع يظهر أن تقاربنا ليس حقيقياً، في غضون لحظات قليلة، كنت أتحوّل إلى قطة صغيرة في انتظار أن تدوسها شاحنة كبيرة مارّة على طريق ضيّق، تماماً كما لو أنّي أسمع هدير المحرك وأستسلم للموت خوفاً تحت تأثير سطوة ما.
تجسّدت علاقتي به على هذا النحو، ومقارنة مع استيهاماتي المشبّعة بصور تكاد تبدو أقرب إلى الخيال، شكّل الأمر خيبة أمل كبرى، دفنت كلّ شعور بالغضب إلى جانب أحزان الطفولة، وأقنعت نفسي بأن الحياة الحقيقية مختلفة كل الاختلاف عن الأحلام، وبأن الواقع هو ما يجب أن نستسلم إليه من دون أن نحاول تغييره. وشيئاً فشيئاً، صارت والدتي، المرأة الوحيدة التي كنت أرفض أن أكون.
مرّات عدة، كنت أنظر إلى المرآة وأشعر أني صرت قبيحة جداً، لم يكن الأمر كأني أُصبح بلا ملامح، أي أنّي أغيب عن وجهي كحالة العدم التي قضيت أعواماً عديدة فيها، بل كنت أتحوّل إلى شيء داكن ومهترئ، كنت أتضخّم في نفسي حتى الانفجار، وأصبح كتلة من البشاعة تغرق في موجة من الإزدراء، فأرغب بمغادرة ذاتي أو إطفائها بطريقة ما لكي أتلاءم مع تكاوين الحياة، لكي لا أشبهها، والآن لم أعد أعرف إن كانت نفسي من أرى، أو ذاك الآخر، ولماذا كانت ملامحي تتغير حسب الظروف والوجوه التي صادفتها، كأن المرأة تحتاج إلى اعتراف الرجل لكي يكتمل جمالها.