الاتحاد

تقارير

خلفيات النزاع الكولومبي -الفنزويلي

بعد خطابات هستيرية واجتماع طارئ وتنافس على تقديم الإيجازات الصحفية، لم ينجح زعماء أميركا الجنوبية في حل الأزمة الإقليمية الحادة التي بدأت عندما اتهمت الحكومةُ الكولومبية الرئيسَ الفنزويلي شافيز بمساعدة ودعم المليشيات الكولومبية، وهي اتهامات وصفها وزير الخارجية الفنزويلي "نيكولاس مادورو" بعد اجتماع دبلوماسيي القارة في الإكوادور يوم الخميس بأنها "مجموعة من الأكاذيب والمناورات لفقت من أجل مهاجمة بلدنا".
والحال أن العجز الإقليمي عن إيجاد أرضية مشتركة بين كولومبيا، التي تعد حليفا ًمقرباً لأميركا، وحكومة شافيز الاشتراكية، ترك العلاقات بين الجارين في وضع سيئ خلال الأيام الأخيرة من رئاسة الرئيس الكولومبي المنصرف "ألفارو أوريبي" التي استمرت ثماني سنوات. وبالتالي، فإن التحدي الذي يواجه الرئيس المقبل خوان مانويل سانتوس، في وقت يستعد فيه لتنصيبه في السابع من أغسطس، هو إصلاح علاقات كولومبيا مع زعيم جار يشك في دوافعها وعلاقاتها بواشنطن، مع العمل في الوقت نفسه على دفع فنزويلا على نحو ما إلى وقف ما تعتبره السلطاتُ الكولومبية دعماً كاملا لمجموعتين عنيفتين متمردتين عليها.
وطيلة توليه منصب وزير الدفاع على مدى ثلاث سنوات خطط سانتوس لضربات حاسمة ضد المجموعة الأقوى من بين المجموعتين المتمردتين وهي "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" المعروفة اختصاراً بـ"فارك"، كما أفرج مكتبُه عن عدد من الوثائق التي تُظهر علاقات قوية بين قادة المتمردين وبعض أقرب مساعدي شافيز. ولكن منذ انتخابه في شهر مايو، ما فتئ سانتوس يشدد على ضرورة إصلاح العلاقات مع شافيز، الذي أقدم العام الماضي على قطع العلاقات التجارية مع كولومبيا بسبب استضافة هذه الأخيرة لوحدات من الجيش الأميركي. وفي هذا السياق، يقول مايكل شيفتر، رئيس منظمة "الحوار بين الأميركتين" ومقرها واشنطن: "في جميع الأحوال، ليست لدى سانتوس، أكثر من أي كولومبي آخر، أوهام حول وجود منظمة فارك خارج حدود بلده؛ ولا يمكنه تجاهل المشكلة، وبخاصة إذا كان يرغب في أن يكون إنهاء النزاع المسلح من بين إنجازاته كرئيس".
والواقع أن العديد من الحكومات في أميركا الجنوبية، بما فيها تلك التي تربطها علاقات صداقة بـ"أوريبي"، ترى أن النزاع في كولومبيا هو مشكلة بوجوتا الخاصة، وليس مشكلتها هي، حتى وإنْ كان متمردو "فارك" يقومون في مناسبات كثيرة بعبور الحدود، ومرتبطين بمجموعات متمردة في تشيلي وباراجواي. وهو ما يرد عليه الدبلوماسيون الكولومبيون، الذين يُطلعون الزعماءَ الإقليميين على أنشطة "فارك"، بالقول سرّاً إنه جواب غير مشجع. وفي هذا الإطار، يقول مسؤول رفيع سابق في حكومة "أوريبي"، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته نظراً للطابع الحساس للموضوع: "إن البلدان المتأثرة بالإرهاب تميل إلى أن تكون معزولة قليلا لأن الأشخاص الذين لم يكتووا بناره لا يكترثون كثيراً... وذاك ما رأيناه في هذه الاجتماعات" مع دبلوماسيين آخرين من بلدان أميركا اللاتينية.
وتتعلق المسألة بموضوع يعتبره الكولومبيون ذا أهمية قصوى: ما إن كانت حكومة شافيز تقدم المأوى والسلاح والذخيرة والدعم التكتيكي لمنظمات متمردة كولومبية، مثلما تزعم حكومة "أوريبي". ذلك أنه لطالما قال المسؤولون الكولومبيون إن المليشيات تستعمل المساعدة المزعومة من أجل العبور إلى كولومبيا ومهاجمة القوات المسلحة والمدنيين. وقد بدأ أحدث نزاع مع فنزويلا عندما أذن "أوريبي" لوزير الدفاع في حكومته بعقد مؤتمر صحافي أُعلن خلاله أن كولومبيا تمتلك أدلة قاطعة على دعم فنزويلا للمتمردين. وفي جلسة خاصة لـ"منظمة الدول الأميركية" في واشنطن في 22 يوليو، قدم السفير الكولومبي إلى المنظمة لويس ألفونسو هويوس، أشرطةَ فيديو وصوراً وخرائط قال إنها تُظهر وجود 1500 متمرد في عشرات المعسكرات داخل فنزويلا. ولكن هذه الاتهامات دفعت شافيز، الزعيم اليساري الذي قيل إنه سبق أن أشاد بمتمردي كولومبيا، إلى اتهام كولومبيا بفبركة الأدلة كذريعة للغزو. كما اتهم إدارة أوباما، التي تعد حليفاً قويّاً لحكومة "أوريبي"، بالوقوف وراء "المؤامرة". وفي 22 يوليو أيضاً، أقدم شافيز على قطع العلاقات الدبلوماسية مع كولومبيا، وحذر من أن إمكانية اندلاع حرب معها باتت أكبر مما كانت عليه منذ "سنوات كثيرة، ربما 100 عام". وفيما بعد، قال إنه قام بنشر المشاة ووحدات القوات الجوية، وإنْ لم يقدم تفاصيل أخرى أكثر.
والواقع أن توقيت اتهامات "أوريبي" أثار بعض الأسئلة بين المراقبين، الذين لفتوا إلى أن الحكومة الكولومبية تقوم منذ عامين بتقديم أدلة على علاقات المتمردين بحكومة شافيز. ولكن سانتوس، وفي ما يبدو قطيعة مع "أوريبي"، وجه دعوة إلى شافيز لحضور مراسم تنصيبه، وأذن لماريا أنخيلا هولجين، التي ستشغل منصب وزيرة الخارجية في حكومته، بالالتقاء مع نظيرها الفنزويلي مادورو. وفي هذا السياق، يقول آدم إزاكسون، المحلل في مكتب "مجموعة سياسة أميركا اللاتينية" في واشنطن، وهو متخصص في النزاع الكولومبي: "إن الأمر يبدو كتقارب في الأفق... لقد بدا واضحاً أن أوريبي كان يبعث برسالة إلى الرئيس المنتخَب مثلما كان يبعث برسالة إلى شافيز".
وحسب محللين سياسيين، فإن الفائز الواضح ربما يكون شافيز نفسه، الذي تراجعت شعبيته خلال الأشهر الأخيرة بسبب الركود الحاد، وتفشي الجريمة، ونقص المواد الغذائية، ومعدل تضخم هو الأعلى في المنطقة.
يذكر أن فنزويلا ستجري في سبتمبر المقبل انتخابات تشريعية يأمل خصوم شافيز أن يستعيدوا خلالها المقاعد في كونجرس يسيطر عليه بشكل كامل تقريباً حلفاؤه. ولكن عبر تركيز انتباه البلاد على الأزمة -واحتمال اندلاع حرب- تمكن شافيز من صرف الانتباه عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي لم تتمكن حكومتُه من حلها حتى الآن.


خوان فوريرو - كولومبيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا