تقارير

الاتحاد

الأزمة السياسية العراقية... ومؤشرات الحل الغائبة

بعد مضي ما يقارب الخمسة أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية المتنازع عليها، لا يأمل القادة والساسة العراقيون في إمكانية حل الأزمة السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة الجديدة قبل حلول موسم الخريف المقبل. ولطالما خشيت واشنطن من سيناريو استمرار وتطاول هذه الأزمة. فمع نهاية الشهر الجاري ستعلن وزارة الدفاع الأميركية عن انتهاء عملياتها القتالية في العراق، مصحوباً بخفض عدد جنودها هناك إلى 50 ألفاً، في ظل تفاقم الأزمة السياسية الراهنة. وخلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستعين واشنطن سفيراً جديداً وقائداً أعلى عسكريّاً لقواتها التي ستبقى بعد الانسحاب. وكان المسؤولون الأميركيون يأملون في أن ينتهي تشكيل الحكومة العراقية الجديدة قبل وقت كافٍ من نهاية الشهر الجاري، ومن بدء انسحاب قواتهم المقاتلة، حتى يضمنوا انتقالاً سهلاً وآمناً للإدارة في العراق. ذلك أن أكثر ما ظل يؤرق مسؤولي واشنطن هو أن يتسم أول انتقال للسلطة إلى يد حكومة وطنية بالعنف والاضطرابات الأمنية.
يجدر بالذكر أن زعيم القائمة "العراقية" علاوي -وهو أحد المتنافسين الآن على رئاسة الحكومة- قال أثناء لقاء صحفي أجري معه يوم السبت الماضي، إن شهوراً عديدة من التفاوض بين مختلف الكتل والفصائل العراقية لم تسفر عن اتفاق على من يحق له تولي منصب رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة الوطنية الجديدة. واستبعد أن يتم التوصل إلى اتفاق كهذا قبل شهر سبتمبر أو أكتوبر القادمين، نظراً إلى تباطؤ الأعمال الحكومية خلال شهر رمضان الذي يبدأ قبل منتصف أغسطس الجاري. ومما زاد من صعوبة التفاوض بين مختلف الأطراف العراقية المتنافسة سياسيّاً، تزايد غضب العراقيين العاديين من استمرار وتصاعد الهجمات الدموية، وارتفاع معدلات البطالة وتدهور مستوى الخدمات الحكومية. ومع ذلك من الطبيعي أن يكون التفاوض بشأن اقتسام السلطة أمراً بالغ الصعوبة والمرارة.
وتعليقاً على هذا الوضع، وصف علاوي العملية السياسية كلها بأنها تفتقر إلى التوازن، محذراً من سهولة انهيار هذه العملية في نهاية المطاف بسبب عوامل الضعف الكامنة فيها.
هذا وقد قتل عشرات العراقيين خلال شهر يوليو المنصرم، جراء وقوع هجمات يومية تقريباً في مختلف أنحاء البلاد. وفي المقابل أكد الجنرال راي أوديرنو، القائد الأعلى للقوات الأميركية في العراق، أن معضلات العراق السياسية واستمرار أعمال العنف لن يؤثرا على قرار انسحاب قواته من العراق حسب الجدول الزمني المقرر للانسحاب، على رغم تعبيره عن القلق على مستقبل العراق، فيما لو لم تحل الأزمة السياسية الراهنة قبل شهر أكتوبر المقبل.
يذكر أن ائتلاف "العراقية" الذي يدعمه طيف واسع من السُّنة ويقوده علاوي كان قد فاز بـ91 مقعداً من مقاعد البرلمان، بينما حلت كتلة رئيس الوزراء الحالي المالكي في المركز الثاني في الانتخابات، بفوزها بـ89 مقعداً، ما أدى إلى شدة التنافس بين الكتلتين، وعدم وجود هامش انتخابي كبير بينهما. ويتطلب تعيين رئيس وزراء جديد حصوله على 136 صوتاً من أصوات أعضاء البرلمان. ويتفق القادة العراقيون على ضرورة أن تكون الحكومة الجديدة ممثلة لجميع الأطراف والكتل، من حيث المبدأ.
بيد أن الكتلتين الرئيسيتين الفائزتين بالانتخابات الأخيرة، تواصلان صراعهما حول ما إذا كان الدستور الجديد يمنح الكتلة الفائزة بالعدد الأكبر من المقاعد حق تشكيل الحكومة، أم أن في وسع ائتلاف سياسي أوسع يتشكل عقب الانتخابات نيل ذلك الحق. وبينما لم تقرر الكتل الانتخابية الهامشية موقفها بعد من هذه المعركة، تواصل دول الجوار ممارسة نفوذها بقوة على تطورات الصراع السياسي الداخلي العراقي. فبينما تؤيد إيران تشكيل حكومة جديدة ذات اتجاهات شيعية، تشير تقارير أخرى إلى تأييد بعض دول الجوار السُّنية لعلاوي، الذي حصل على نسبة تأييد شعبي كبيرة من الكتل السنية الناخبة، وهو شيعي ذو توجهات علمانية.
وخلال موسم الصيف الحالي، خرج العراقيون إلى الشوارع احتجاجاً على عجز الحكومة عن توفير ما يكفي من الإمداد الكهربائي خلال ساعات اليوم. وبينما يزداد سخط المواطنين على أداء حكومتهم، خصص أئمة المساجد خطبة صلاة الجمعة الأخيرة للحديث عن ضعف بعض الساسة وبؤس أدائهم.
وعلى حد تصريح "جاري جرابو" كبير المحللين السياسيين بالسفارة الأميركية في بغداد، فكلما استمرت هذه الأزمة كلما طولبت مختلف الأطراف والكتل العراقية بتقديم التنازلات السياسية اللازمة للحل. وقال في اللقاء الصحفي الذي أجري معه يوم الاثنين الماضي: "حتى الآن هناك نوع من التردد، ويجد كل طرف من الأطراف صعوبة كبيرة في اتخاذ الخطوة الأولى نحو تقديم التنازلات". هذا ومن المقرر أن يجتمع مجلس الأمن الدولي بعد غد الأربعاء، لتجديد تفويض بقاء بعثة الأمم المتحـدة في بغداد.
يذكر أن القادة العراقيين ظلوا يطالبون منذ فترة طويلة بأن يرفع مجلس الأمن جميع العقوبات التي فرضت على العراق إثر غزوه للكويت في عام 1990. كما يطالب العراقيون بأن يمنحوا مزيداً من السيطرة على أموال خزانة بلادهم العامة، ضمن ترتيبات العقوبات المفروضة منذ بدايـة عقد التسعينيات، مـع العلـم أن هـذه الأمـوال لا تزال في حسابـات بنـوك لا يستطيع العراق التعامل معها أو استغلالها. وعلى رغم حساسية العراقيين إزاء الوساطة الأجنبية، ربما يكون توسط الأمم المتحدة هو السبيل الوحيد الممكن لحل أزمتهم السياسية الراهنة.


أرنستو لوندونو - بغداد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا