تقارير

الاتحاد

تسريبات «ويكيليكس»... وحدود السرية الحكومية!

يبدو أننا في أميركا أضعنا أهم درس يمكن تعلمه من تسرب عشرات الآلاف من الوثائق السرية المصنفة، ذات الصلة بالحرب في أفغانستان، التي نشرها موقع "ويكيليكس" بالتنسيق مع ثلاث من كبريات دور الصحافة المطبوعة. ويتلخص هذا الدرس في الانتباه للإفراط الحكومي في تصنيف المعلومات وفرض السرية عليها. وفي أكثر الحالات تفرض السرية على الوثائق لمجرد أنها محرجة للحكومة. وتأكيداً لهذه الحقيقة كان روبرت جيبس، السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، قد صرح قائلاً إثر تسريب الوثائق إلكترونيّاً: "لم تكشف هذه الوثائق عن جديد يذكر بشأن مسار الحرب، وليس مرجحاً لها أن تلحق أية أضرار فعلية بأمننا القومي". حسناً، ولكن السؤال هو: لماذا إذن كانت كل هذه السرية المفروضة على الوثائق؟ ولماذا حجبت عن عيون الجمهور كل هذه المدة؟
أما مقارنة هذه الوثائق بتسريب ما سمي في بداية السبعينيات بـ"أوراق البنتاجون"، فهي مثيرة للدهشة حقاً. ففي عام 1971، قررت صحيفة "نيويورك تايمز" وغيرها من كبريات الصحف الأميركية، نشر تاريخ سري ليوميات الورطة الأميركية في حرب فيتنام. ولما كانت الصحف المذكورة قد بدأت نشر التاريخ السري للحرب في شكل مقالات ومواد يومية، فقد شجع ذلك الحكومة الفيدرالية على السعي إلى المحكمة الفيدرالية لإصدار حكم منها بوقف نشر المعلومات السرية عن الحرب. وفي كل مرحلة من مراحل المحاكمة، كانت الحكومة الفيدرالية تزعم أن نشر المعلومات الحربية يمثل خطراً كبيراً على أمننا القومي. ولكن في نهاية الأمر كان حكم المحكمة العليا لصالح الصحف، نتيجة لعجز الحكومة عن تحديد أي من تلك الوثائق المنشورة من شأنه أن يتسبب في الضرر الذي زعمته الحكومة. وفيما بعد قال "ويتني نورث" ممثل الادعاء الفيدرالي في الدائرة الجنوبية بولاية نيويورك -وكان يتولى الدفاع عن الطرف الحكومي من النزاع القانوني- إنه كان يلح على مسؤولي وزارة الدفاع بأن يحددوا أيّاً من الوثائق السرية يشكل نشرها خطراً على الأمن القومي، بيد أنهم لم يحددوا مطلقاً أيّاً من تلك الوثائق على رغم استمرارهم في الحديث عن ضرر النشر بالأمن القومي.
وكانت إدارة نيكسون حينها قد عارضت بشدة نشر "أوراق البنتاجون" على رغم أن الجزء الأعظم من الأوراق كان عبارة عن مادة تاريخية تتناول ما حدث خلال ولايات الرؤساء السابقين. واليوم انتقدت إدارة أوباما أيضاً نشر وثائق الحرب الأفغانية على رغم أن الجزء الأكبر منها يتناول ما حدث في هذه الحرب إبان إدارة بوش. والسبب كما نعلم واحد في كلتا الحالتين: فقد خشيت الإدارة الحالية أن يؤدي الكشف عن وثائق الحرب إلى تراجع التأييد الشعبي لها. وفي كلتيهما كان الخوف قائماً من أن يسفر نشر الوثائق عن صعوبات أكبر في ضمان استمرار دعم الكونجرس والرأي العام الأميركي للحرب. ولكن يجب القول إن الخوف الحكومي من النشر لا يمثل سبباً كافيّاً لفرض حالة من السرية والقيود على تداول وثائق الحرب.
يذكر أن الوثائق المتسربة عن الحرب الأفغانية كشفت عن حالات قتل فيها الجنود الأميركيون مدنيين أفغاناً بمحض الصدفة، وعن ممارسات فساد داخل حكومة كرزاي التي تدعمها واشنطن، إضافة إلى كشفها عن الدعم الذي زعم أن باكستان تقدمه للجماعات المتمردة في أفغانستان. ويثير الجزء الأعظم من الوثائق المنشورة أسئلة جوهرية عما إذا كانت الحرب الدائرة الآن ستفشل أم تنجح؟
ولاشك أن كل هذه المعلومات والأسئلة تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لمناقشات الكونجرس عن كيفية تسيير الحرب الأفغانية، بينما يكوّن الرأي العام الأميركي قراره بشأن دعم الحرب من عدمه. وعليه يجب القول بعدم وجود مبرر لتصنيف المعلومات وفرض سرية عليها لمجرد أنها محرجة، أو لأنها تضيف مصاعب جديدة لسعي الحكومة إلى تحقيق أهدافها أيّاً كانت.
ومما لا ريب فيه أن فعالية النظام الديمقراطي ستكون مشكوكاً فيها ما لم يتوفر الكونجرس والشارع العام الأميركي على هذا النوع من المعلومات تحديداً. وقد بدت هذه الحقيقة واضحة إبان إدارة بوش. فعندما علمت صحيفة "نيويورك تايمز" بتورط إحدى كبريات وكالات الأمن الوطني في عمليات رقابة إلكترونية واسعة لرسائل المواطنين الأميركيين بطرق غير مشروعة، بادر بوش بتهديد الصحيفة ومحرريها باحتمال التعرض لإثارة الاتهامات القانونية، وقال إن الصحفيين ربما تتلطخ أياديهم بدماء الجنود المحاربين، في حال نشر أية معلومات عن برنامج الأمن الوطني السري.
وعندما نشرت صحيفة "واشنطن بوست" معلومات سرية تفيد أن لوكالة "سي آي إيه" معسكرات اعتقال سرية، وعمليات تبادل للسجناء، وصفتها بأنها "فوق العادية"، هددت إدارة بوش مرة أخرى بتوجيه الاتهامات القانونية للصحفيين. وفي كلتا الحالتين لم يسفر نشر المعلومات السرية عن أية أضرار بأمن أميركا القومي. بل على عكس ذلك تماماً، أرغمت الحكومة على وقف ممارساتها وعملياتها السرية ذات الصلة بأسرى الحرب.
وبالطبع هناك نوع من المعلومات الاستخبارية يجب التكتم عليه مراعاة لمصالح الأمن القومي، ويجب معاقبة من نشره دون شك. ذلك أن "التعديل الدستوري الأول" وحرية المعلومات ليسا مطلقين. ومن أمثلة هذه المعلومات: الكشف عن هوية عميل استخباري حربي، والكشف عن مواقع الصواريخ النووية الأميركية، أو نشر جوانب معينة من استراتيجية الحرب بما يخدم العدو ويكشف له عن مخططات البلاد الحربية. بيد أن إدارة أوباما لم تثبت بعد أن الوثائق السرية التي نشرت مؤخراً، تحوي أي نوع من الأمثلة الأخيرة التي ذكرناها لسرية المعلومات التي تجب المعاقبة على نشرها. وعلى الإدارة أن تدرك أن كشف كل ما لا يجب إحاطته بالسرية وضمان حرية تدفق المعلومات للجمهور، هما جوهر الممارسة الديمقراطية ومعناها، حتى وإن كان النشر محرجاً للحكومة ولا يتسق وبعض سياساتها أحياناً.


إروين شميرنسكي
عميد كلية القانون بجامعة كاليفورنيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا