الاتحاد

الاقتصادي

مصر تواجه التضخم وانفلات الدولار بخفض الغطاء النقدي

فرع لبنك مصري في القاهرة حيث بدأت المصارف خفض قيمة الغطاء النقدي لتمويل عمليات الاستيراد

فرع لبنك مصري في القاهرة حيث بدأت المصارف خفض قيمة الغطاء النقدي لتمويل عمليات الاستيراد

بدأت البنوك المصرية تنفيذ قرار “المركزي” بخفض قيمة الغطاء النقدي لتمويل عمليات الاستيراد إلى 50% بدلاً من 100%، في اطار حزمة متكاملة من الإجراءات التي تعكس توجهات السياسة النقدية الجديدة للبنك المركزي المصري، ويسعى القرار إلى إلزام المستوردين للسلع الغذائية أو المواد الخام أو المواد الوسيطة التي تدخل في عمليات التصنيع بسداد نسبة لاتقل عن 50% من قيمة أي اعتماد مستندي أو تحويل لتمويل استيراد بضائع من الخارج أو عند فتح خطابات ضمان بالبنوك.
ويستهدف القرار تحسين أداء الاقتصاد الكلي والتخفيف من تأثير ازمتي التضخم وانفلات اسعار الدولار في سوق الصرف، وهما الأزمتان اللتان بدأتا تلقيان بظلالهما السلبية على الاقتصاد المصري. كما يسعى القرار إلى تخفيف الأعباء عن المستوردين الذين كانوا يضطرون لتدبير سيولة تغطي 100% من قيمة أي خطاب ضمان أو اعتماد مستندي سواء بالعملة المحلية أو بما يعادلها من العملة الأجنبية، الأمر الذي كان يمثل عبئاً على المستورد ويجمد السيولة المالية المتاحة لديه، كما يمثل ضغطاً على سوق الصرف لتدبير هذه السيولة بالدولار بمعرفة المستورد في بعض الاحيان وهو الأمر الذي كان يمثل مشكلة لسوق النقد الأجنبي لاسيما في الفترات الموسمية التي ترتفع خلالها عمليات الاستيراد مثل فصل الشتاء والعام الدراسي، وكذلك الفترة التي تسبق حلول شهر رمضان بما يصاحبها من استيراد كميات كبيرة من السلع الغذائية.
ويعمل قرار “المركزي المصري” على مواجهة الارتفاع المتواصل في أسعار السلع الرئيسية في السوق المصرية وانفلات مؤشر التضخم، عبر إتاحة استيراد كميات كبيرة من السلع أو مضاعفة الكمية التي كان يمكن استيرادها، حيث أن البنوك سوف توفر نصف قيمة الاعتماد المستندي أو خطاب الضمان على ضوء توقعات تقارير عالمية تشير الى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار خاصة للسلع الغذائية والمواد الخام في البورصات العالمية خلال النصف الثاني من العام الجاري، الأمر الذي كان سيؤثر سلباً على مؤشرات الأسعار، ومن ثم بادر البنك المركزي المصري باتخاذ القرار لمساعدة المستوردين على تلبية طلبات واحتياجات الأسواق وتخزين كميات كبيرة من السلع لمواجهة تطورات الأسعار في البورصات العالمية.
وعلى صعيد سوق الصرف والائتمان، يسعى القرار إلى تخفيف الضغط على الدولار في السوق على ضوء استمرار ارتفاع اسعاره والتوقعات التي تشير إلى امكانية تجاوزه حاجز 580 قرشا في غضون الأسابيع المقبلة، وايجاد قنوات ائتمان جديدة أمام البنوك لتوظيف السيولة المتراكمة لديها والتي لاتقل عن 400 مليار جنيه عبر منح ائتمان يتسم بالاستمرار والتجدد لعدد كبير من المستوردين، لا سيما الذين اثبتوا جدارة في التعامل مع البنوك خلال مرحلة الالتزام بنسبة التغطية الكاملة لعمليات الاستيراد، ورغم أن القرار ترك للبنوك حرية تحديد النسبة التي يلتزم بها العميل من تغطية قيمة العمليات الاستيرادية بحيث لا تقل عن 50 بالمئة، أي يمكن للبنك تحديد نسبة أكبر لكل عميل حسب دراسة الحالة الائتمانية الخاصة به، فإن هناك اتجاهاً لدى معظم البنوك لقصر نسبة التغطية من جانب العملاء على النسبة المحددة من البنك المركزي لتشجيع عمليات الاستيراد والمساعدة في فك اختناقات السوق الراهنة في بعض السلع الحيوية، وكذلك تحت وطأة السيولة المتزايدة لدى هذه البنوك، والرغبة في توظيف هذه السيولة في ائتمان مضمون يدر عائداً جيداً على البنوك، لا سيما أن هذه البنوك لا تكتفي بتحصيل فوائد على النسبة التي تغطيها بل تقوم أيضاً بتحصيل رسوم مصرفية على فتح الاعتمادات المستندية وخطابات الضمان، وهي رسوم تتراوح بين 1.3 في الألف حسب كل عملية ومخاطرها عبر حلقات الشحن والتفريغ في الموانئ وطبيعة السلع المستوردة. ويتوقع خبراء مصرفيون أن تضخ البنوك نحو 50 مليار جنيه خلال الشهور الستة المقبلة لتمويل الاستيراد في ظل التوسع المتوقع في هذا النشاط.
وتقول بسنت فهمي، مستشار بنك “البركة مصر”، إن القرار سوف يؤدي الى تيسير وتوسيع حركة الاستيراد من الخارج وهو الأمر الذي وان أوجد مجالات لتشغيل السيولة المتراكمة لدى البنوك، فإنه سوف يترتب عليه العديد من الآثار السلبية لاسيما على الصناعة المحلية، مشيرة الى أن الظروف الاقتصادية الحالية غير ملائمة لتوسيع عمليات الاستيراد في ظل ارتفاع معدلات البطالة، مشيرة إلى أن الاستيراد يعني احلال بضائع أجنبية في الأسواق محل بضائع يتم تصنيعها محلياً، وبالتالي سوف تجد المنتجات المحلية منافسة شرسة أمام مثيلاتها الأجنبية قد تضطر معها بعض المصانع لاغلاق أبوابها وتسريح العمالة أو جزء منها مما يلقي بالمزيد من الآثار السلبية لقضية البطالة على المجتمع. وتضيف أنه إذا كان القرار يأتي في اطار تخفيف الضغط على العملة الأجنبية اللازمة لفتح اعتمادات مستندية فانه يجب أن تراعى الأولويات، وبالتالى يجب أن تأتي قضايا البطالة والعمالة والاستقرار في مقدمة الأهداف الاقتصادية القومية.
واوضحت أن القرار سوف يفتح السوق المصرية لنحو ضعف المنتجات المستوردة التي كانت تدخل الأسواق المصرية، لأن تخفيف عبء توفير التأمين النقدي الى النصف معناه أن عددا كبيرا من المستوردين الذين لم يستطيعوا فتح اعتمادات مستندية في وقت سابق بسبب عدم القدرة على توفير التأمين النقدي الكامل سوف يكون بإمكانهم اتمام هذه العمليات.
أما خالد السلاوي، رئيس قطاع ائتمان الشركات في “بنك الاسكندرية سان باولو”، فيؤكد أن هذا القرار في صالح التبادل التجاري بين الدول بشكل عام ويصب في تنشيط عمليات الائتمان داخل البنوك المصرية وتخفيف الضغط على العملة الأجنبية، ويضيف السلاوي أنه من ناحية المخاطر المرتبطة بالتوسع في عمليات الاستيراد أو فتح اعتمادات مستندية فإنه يمكن تحجيم هذه المخاطر إذا ما تمت دراسة السوق بشكل جيد والوقوف على حاجة المستهلك لهذه السلعة ودراسة أوضاع السلع المنافسة لها، وغيرها من العوامل التي يجب أن تراعيها البنوك عند اتخاذ أي قرار بمنح أي ائتمان لأن ما سوف يجري في مجال الاعتمادات المستندية هو عملية ائتمانية كاملة الأركان يجب أن تخضع لقواعد الائتمان المتعارف عليها في السوق، مشيراً إلى أنه لا يوجد ائتمان بلا مخاطر لأن القرار الائتماني يصدر مقترناً بالمخاطرة وهي جزء من العمل المصرفي.
وأوضح السلاوي أن هناك العديد من الاتفاقيات التي تربط بعض الدول وتنظم العلاقات التجارية بينها بما يعني عدم وجود قيود على حركة التجارة، وقد تضع هذه الاتفاقيات حدا أدنى للتبادل التجاري بين الدول. وأضاف أن أساليب التقييد والتضييق على المستثمرين ليست بالطريقة الصحيحة لدعم الاقتصاد القومي وتحسين الناتج المحلي، ولكن ذلك كله يمكن أن يتحقق من خلال الافصاح والشفافية والقرارات المدروسة جيداً والتي تتفق مع ظروف السوق المصرية.

اقرأ أيضا

ترامب يستعرض مع أوروبا ملفات مهمة في منتدى دافوس