الاتحاد

دنيا

غنام غنام: الحوار لا يعني أن نكون حمامة أمام السكين


عمان - توفيق عابد:
يصفونه بصاحب 'المواهب الثلاث' فهو مؤلف ومخرج وممثل في آن واحد وغالبا ما تثير مسرحياته إشكاليات ونقاشات ساخنة على الساحة الفنية في الأردن لكنه يخرج منها منتشيا بنشوة المنتصر ويمضي دون أن يلتفت إلى الخلف·
هذا باختصار غنام غنام المهادن على غير عادته في مسرحيته الجديدة 'الروح الحرة' والتي ينتصر فيها للإسلام·
عن العمل المسرحي الجديد وأبعاده، وخلفياته، وعن رؤاه المسرحية والثقافية كان هذا الحوار:
يقول غنام: بدأ التفكير بالعمل منذ سنة ونصف مع المخرج هاني الجراح لتقديمه في احتفال وزارة التربية والتعليم بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد الملك عبدالله الثاني، لوجود لغط كبير حول ماهية الإسلام والمنظومة الأخلاقية بين المسلمين أنفسهم وما بينهم والآخر والمسيحيين على وجه الخصوص بعد أحداث سبتمبر· فكتبت نصا يبدأ بمراهقين يتبادلان 'الشات' أو التخاطب الأعمى عبر الإنترنت، حيث يخفي كل مشارك اسمه وهويته وديانته· وتناولت نموذجين أردني وأميركي من كاليفورنيا أصبحا صديقين يتحدثان في قضايا إنسانية ليس لها شأن في صراعات تدور في العالم، لكن تأتي لحظة فاصلة يمر فيها الأميركي واسمه المستعار ميكي بأزمة نفسية شديدة بسبب قيام أحد طلاب مدرسته بإطلاق الرصاص على زملائه مما أدى إلى قتل 13 تلميذا، وهذه حادثة حقيقية، وفي تلك اللحظة يكون التخاطب مأزوما بين ميكي وميموزا الأردني 'اسم مستعار' ليكتشف كل منهما أن اللحظة حانت لكشف الهوية الحقيقية لا سيما أن الحادث الذي تحدث عنه 'ميكي' منشور بالإعلام وبالتالي عرف أنه أميركي·
اللعبة انتهت
وضمن هذه العلاقة الإنسانية يشعر 'ميكي' بأن الميموزا الأردني إلى جانبه ومهم جدا في حياته في تلك اللحظة، خاصة وأنه يعاني من غياب أسري فأمه لا يعرفها ووالده رجل أعمال مشغول دائما لكن عندما يعرف أن ميموزا اسمه محمد وأردني ومسلم يقول له 'اللعبة انتهت'، ويقطع الاتصال لأنه متأثر جدا بأحداث 11 سبتمبر التي يتحمل وزرها المسلمون أيا كانوا من وجهة نظر الصبي الأميركي، لكن إصرار محمد الذي يمثل نموذجا إيجابيا للفتى العربي الأردني المسلم يدفعه إلى استفزاز 'ميكي' أو ميتشيل لاستئناف الحوار رغم اتهامه بأنه صاحب تفكير باتجاه واحد َُم ٌّف؟ ٍىَل، ويكون السؤال المفجر عندما يسأل ميتشيل محمد ماذا تعرف عن المسيحية؟ فيجيبه: أكثر مما تعرف عن الإسلام، ويضيف لا تنسى أن المسيح عليه السلام نبي من بلادنا وقد تعمد في مياه الأردن فنحن نعرف عنه أكثر مما تتوقع·
وفي هذه اللحظة تلفت انتباه ميتشيل جملة 'عليه السلام' فيقول ما معناها، فيجيبه نحن لا نذكر أي من الأنبياء إلا مشفوعا بتحية للاحترام 'عليه السلام'، هل تقولون ذلك أنتم فقال له: لا· ومن هنا بدأت الإثارة في معرفة ما هذا الخلق الذي يتضمنه الدين الإسلامي لاحترام كل الأنبياء· وينطلق الحوار مجددا ليتعرف من خلاله ميتشيل على محطات في التاريخ العربي الإسلامي وما يتمتع به الإسلام من التسامح الديني من خلال الأمثلة والشواهد المعروفة مثل الحادثة التي لم يجبر فيها رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ولدين متنصرين على الإسلام وفقاً للهدي الديني 'لا إكراه في الدين' وتركهما لشأنهما حتى اهتديا إلى الإسلام طوعا في بلاد الشام بعيدا عن مكة والنبي وأبيهما·
هجوم سلمي ومعرفي
وحول فيما اذا كانت المسرحية دفاعا عن الإسلام أمام الهجمة التي تصفه بدين الحرب قال غنام غنام:
أتمنى عندما تعرض المسرحية ألا يشعر بأنها دفاع فحسب بل هجوم سلمي ومعرفي، وعلى مسيحيي الولايات المتحدة أن يتذكروا بأنهم مدينون لابننا السيد المسيح بهذه الرسالة السمحة، التي لم يأت بها من النمسا أو بريطانيا بل كانت من الناصرة وبيت لحم ومناطق الشام التي اعتزل بها ومياه نهر الأردن التي عمده فيها يوحنا المعمدان الذي توفي في مأدبا أي أن أرض الرسالات هي أرضنا، وبالتالي إذا كانوا يعتزون بقيم سمحة فقد نبتت من حضارتنا، ونحن لا نمنُّ عليهم بأنهم من أتباعها ولكن يجب أن يعرفوا أن الأمة التي يعادونها الآن هي التي أنجبت هذه القيم فلماذا يركزون فقط على قيم طارئة؟·
والسؤال الذي تطرحه المسرحية هو: هل يمكن أن نعتبر التلميذ الذي قتل 13 من زملائه إرهابيا أو نعتبره مريضا نفسيا؟
حوار··· وطلقة
وفيما إذا كان الحوار يعطي نتيجة قال غنام غنام: أؤمن بان الحوار صعب ولا ينتهي في ثانية، والطلقة هي التي تنهي الأمر في ثانية· والحوار يحتاج إلى نفس طويل أكثر مما يحتاجه المحارب ويعطي خسائر أقل في كل الأحوال، وربما يصبح دون فائدة إذا كان الطرفان المتحاوران متشددين فهنا ينغلق باب الحوار وتصبح الطلقة هي الأقصر طريقا وأكثر راحة·
وأرى أن الحوار مهم وهو أرض الصراع الحقيقية ، وعلينا أن نتذكر أنه عندما كان الدكتاتور يعمل القتل في الجسد الإسباني راحت طلقاته معه وبقي لوركا الذي كان يحاوره بالشعر، وبقيت لوحات بيكاسو، وقصائد المتنبي، وبابلو نيرودا وغيفارا وغاندي وغيرهم، لذا فان الحوار هو السلاح الأصعب وجاء في القرآن الكريم دعوات للحوار منها الآية الكريمة 'وجادلهم بالتي هي أحسن'، والجدل هو الأصعب في الحوارات·
وهذا لا يعني أن نكون حمامة في مواجهة السكين بل حمامة مسلحة لأنه إذا اقتضى الأمر وأغلق الآخر الحوار نكون مضطرين لاستخدام ما لدينا من أجل الحق ولكن بالتأكيد ليس هو الخيار الأول بل 'الأخير دائما' حتى مع عدونا·
ومن اختار القوة أولا على الأغلب خسر في التاريخ، ومن ينتصر في المسألة الثقافية يستطيع حسم المعركة في النهاية، ومن هنا كان رهاننا أننا في الخندق الثقافي غير مهزومين في مواجهة إسرائيل فهي التي لم تنتج واحدا بقامة محمود درويش وتوفيق زياد واميل حبيبي وناجي العلي وغيرهم·
تناول جديد
وحول ما أضافه هذا العمل إلى مسيرته المسرحية قال غنام غنام: ربما في البيان التقني لم يكن فيه جديد فلم أجترح بيانا خاصا فهو مصاغ على نسق 'الفرجة' لكنني أدعي وجود منطقة جديدة في تناول الموضوع الفكري هي الثقافة العربية الإسلامية الحاضرة دوما في أعمالي، فقد افتتحت مسرحية 'الوهراني' بحديث الرويبضة، وتجليات 'ضياء الروح' بدأت بـ 'يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي'·
والسبب أنني ابن هذا المجتمع فمن يستطيع تجاوز الثقافة العربية الإسلامية! وهل يمكن أن يكون هناك نظام فني أو اجتماعي أو فكري منسلخ عن المنظومة الدينية!
اعتقد أن هذه مسألة في منتهى الصعوبة لكن يجب أن تخلق معادلات المصالحة الإنسانية فلماذا أطالب بمفاهيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ما دام عندي قاعدة 'متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ' هذا الجديد من خطابي اليومي·
وحول الأسئلة التي ستثيرها مسرحية 'الروح الحرة' قال: لم أعتد على أسئلة خطيرة لكنها ستواجه نمطين من ردود الفعل كاستشراف أولي الأول سيستجيب بشكل هائل لأنه يرى منهجا وسطيا في التفكير 'متحمسون كثر' لن أكون ميالا لهم و'لن يطربوني'، وسأنتظر الآخر الذي ربما يرى الخطاب انهزاميا ومهادنا وحمائم في وجوه الصقور الذين يتناوشوننا لأنه يكشف لي ضعفا ما في طرح وجهة نظري وأتمنى ألا يقع قصف تعسفي كما حصل لمسرحية 'يا مسافر وحدك'·

اقرأ أيضا